صناعة الجوع في ظل الاحتلال .... ياسر سعد
الاحتلال الأمريكي للعراق دمر الإنسان والبنيان, وترك جروحًا غائرة يحتاج العراق والعراقيون لعقود طويلة حتى يتخلصوا من آثارها ويتعافوْا من ويلاتها. الطريقة الأمريكية بالتعامل مع العراق من خلال تفكيك مؤسساته وزرع الفتن في أرجائه والاعتداء على إنسانية مواطنيه من خلال التعذيب أو التهجير أو التجويع والتفقير, بدت وكأنها تستند لأحقاد تاريخية دفينة.
وفي تقرير لصحيفة "الحقيقة الدولية", ذكرت أن حالة من الخوف والقلق تسود الأوساط الشعبية العراقية من إقدام الحكومة على إلغاء نظام البطاقة التموينية ورفع الدعم عنها. وزير التجارة العراقي عبد الفلاح السوداني كان قد أعلن أن وزارته ستقوم بخفض مكونات البطاقة التموينية من عشر مواد إلى خمس، والمواد الخمس التي ستوزع هي الأخرى لن تكون بالكميات السابقة، إنما ستكون بمقادير أقل، وعزا الوزير سبب هذا الإجراء إلى عدم وجود مخصصات كافية لدعم البطاقة التموينية للعام المقبل.
وكان نظام توزيع الحصص الغذائية بالبطاقة التموينية، بدأ العام 1995 في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء الذي وضعته الأمم المتحدة بعد العقوبات الجائرة على العراق، غير أن هذا النظام شهد تدهورًا كبيرًا منذ الاحتلال الأمريكي، بسبب انعدام الأمن وسوء الإدارة وانتشار الفساد.
وكان الوزير السوداني قد كشف أمام البرلمان العراقي عن التعديلات القاسية على نظام البطاقة التموينية خلال العام المقبل. وفي هذا السياق, فقد ألقى الوزير باللوم على ظاهرة انتشار الفساد ونقص اليد العاملة في وزارته، موضحًا أنهما من الأسباب التي أدت إلى قصور نظام الحصص الغذائية على النطاق القومي وتدني جودة المواد المشمولة في هذه الحصص والتأخير في توزيعها.
وقد نقلت الصحيفة عن خبراء ومتخصصين عراقيين أن في العراق اليوم صناعة للجوع، فالمجاعة في العراق غير موجودة لكثرة الخيرات التي توجد في البلاد، إلا أن هناك من يصنع هذه المجاعة لتلبي مطالب أمريكا والبنك الدولي. وقال الخبراء: إن حكومة المالكي تعمل على صنع هذه الأزمات من أجل إلهاء الشعب العراقي عن قضاياه المصيرية بقضية تهدد حياته. مبينين أن مصلحة قوات الاحتلال وحكومة المالكي تكمن بوجود شعب عراقي جائع لأنه لن يشكل تهديدًا للاحتلال والحكومة الموالية له.
وأكد محمد فلاح إبراهيم، الخبير في الأمن الغذائي في مديرية الصحة بالعراق، أن اقتطاع مواد معينة من نظام الحصص الغذائية سيؤدي إلى انتشار المجاعة في العديد من أنحاء العراق. ويرى إبراهيم أنه "يجب دراسة هذه الأمور بعناية فائقة، خصوصًا فيما يتعلق بوقف توزيع حليب الأطفال، لأن ذلك سيعرض العديد من الأسر الفقيرة، وعلى رأسها الأسر النازحة للخطر". وأضاف أنه "يجب أن تكون هناك خطة مكمِّلة لضمان وصول المساعدات المالية للأسر الفقيرة التي ستتأثر بالنظام الجديد للحصص الغذائية، وإلا قد يموت العديد من العراقيين جوعًا".
وتجدر الإشارة إلى أن نحو 80 بالمائة من العراقيين يستفيدون من البطاقة التموينية، فيما تشكل السلة الغذائية التي تتضمنها البطاقة المصدر الوحيد لاحتياجات حوالي 60 بالمائة من الشعب العراقي، بحسب إحصاءات حكومية. ولا يزال البنك الدولي يطالب ومنذ ثلاث سنوات بإلغاء البطاقة التموينية وتقليل عدد الموظفين في دوائر الدولة تحت دعوى مساعدة العراق على إلغاء ديونه.
من ناحية أخرى أشار تقرير لمؤسسة أوكسفام الدولية صدر في شهر يوليو الماضي إلى أن الجوع والمرض ينتشران بشدة في العراق, مما ينذر بوقوع أزمات إنسانية متفاقمة. وأشار التقرير إلى أن 28% من الأطفال العراقيين يعانون سوء التغذية وأن 15% من العراقيين لا يملكون عادة ما يكفيهم من الطعام، فيما لا يتحصل 70% على مياه شرب نظيفة. وتزيد هذه المعدلات بشكل كبير عن المعدلات المسجلة في عام 2003. فكيف ستكون أحوال قطاع كبير من العراقيين إذا أُلغيت حصص غذائية أساسية من البطاقة التموينية؟
وفي تصريح لأخبار الخليج في السابع عشر من سبتمبر الماضي ذكر مستشار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن 40 أو 50 بالمائة من سكان العراق لا تتجاوز دخولهم الشهرية أربعين دولارًا في الشهر وهو ما يجعلهم تحت خط الفقر وهذه النسبة لم يعرفها العراق في تاريخه من قبل!!.
هيئة الأمم المتحدة، المشرفة على تعويضات ضحايا الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، أعلنت أنها دفعت في نوفمبر الماضي 469.6 مليون دولار أقساطًا من أموال النفط العراقي، لتغطية الخسائر والأضرار المطالب بها. وللمرء أن يتخيل هذا الظلم الفادح الذي يُعامل به العراق وأهله! ففي حين يعاني العراقيون - لاجئين ومقيمين - الأمرّيْن جوعًا وقهرًا ويتقلبون في ضنك العيش, ما تزال بلادهم وهي تحت احتلال غاشم قارب على خمسة أعوام عجاف تدفع تعويضات كبيرة جراء احتلال نظام سابق – اعتبرت الإدارة الأمريكية أنه نظام غير شرعي- للكويت شهورًا. مسألة التعويضات هي نهب صريح ووقح للعراق لا يتوقف, مع التذكير بأن الأمم المتحدة أعلنت غير مرة أنه هناك من "المتضررين" من تلقى التعويضات أكثر من مرة, كما أن العراق المحتل استمر في دفع رواتب فرق التفتيش لسنوات بعد توقف عملها.
من جهة أخرى أعلن صندوق النقد الدولي أن العراق سدد في 12 ديسمبر كامل التزاماته المالية نحوه بصورة مسبقة، منهيًا بذلك قرضًا بقيمة 470 مليون دولار كان قد حصل عليه في العام 2004. واعتبر الصندوق أن تسديد العراق لمستحقاته التي كانت مجدولة في العام 2009 يعكس نجاح بغداد في إصلاح سياساتها المالية واستغلال الموارد المالية الكبيرة التي تحصدها من ارتفاع أسعار النفط. ورأى مدير الصندوق، دومينيك شتروس، أن قيام العراق بهذه الخطوة قبل الموعد المحدد: "يستند على احتياطياتها الكبيرة المدعومة بارتفاع أسعار النفط" على ما جاء في بيان نشره موقع الصندوق الإلكتروني. وكان تقرير صدر عن مكتب مساندة انتقال العراق قد كشف أن الإنتاج النفطي في البلاد وصل أواخر شهر سبتمبر إلى 2.3 مليون برميل يوميًا.
صندوق النقد الدولي يشهد في بيانه أنه يوجد في العراق احتياطي مالي كبير جراء إنتاجه المتزايد من النفط والذي ترافق مع الارتفاع العالمي في أسعار النفط, فكيف تعجز حكومته عن تأمين المخصصات المالية للبطاقة التموينية والتي كان النظام السابق يقوم على توفيرها رغم الحصار الدولي الذي كان مضروبًا عليه؟! ثم أين تذهب الموارد النفطية الكبيرة؟! وأين تنفق؟! والعراقيون يعانون من أحوال بائسة وظروف قاهرة؟!! هل من مقاصد وأهداف الاحتلال والحكومة التابعة له تجويع وإذلال العراقيين وبكل فئاتهم؟!!! الوقائع والحقائق على الأرض لا تشير لغير ذلك.
الاسلام اليوم
دور الاحتلال الامريكي في صناعة الجوع في العراق
