هيئة علماء المسلمين في العراق

ما الذي سقط مع العراق؟ -د. فهمي الفهداوي
ما الذي سقط مع العراق؟ -د. فهمي الفهداوي ما الذي سقط مع العراق؟ -د. فهمي الفهداوي

ما الذي سقط مع العراق؟ -د. فهمي الفهداوي

لا أتفق مع كثير من آراء الذين لهم وجهات نظر وتفسيرات متنوعة، حول حقيقة الحدث الذي أصاب الواقع العراقي، حدث الاحتلال الأمريكي الكبير للعراق، الأكبر تاريخاً وحضارة ونظماً وتجربة، من كل مظاهر المدنية الحــــديثة، التي عليها أمريكا اليوم! وجوهر المفارقة يكمن في مفهوم (السقوط) ومقارباته السوسيولوجية والمعرفية والسياسية، بين المُختَلِفين علي قلّتهم وكثّرتهم، وعلي تفاوت منطلقاتهم الثقافية والقيمية والأيديولوجية، التي أسبغ عليها زعماء الطوائف والقوميات والمذاهب، أبعاداً تدميرية، وحملوا مفهوم السقوط خزعبلات مفضوحة، في سبيل التغطية علي الفشل التاريخي، للحصانة السياسية والوطنية والنضالية، التي ما كان ينبغي انتهاكها داخلياً من لدن دعاة الهوية الســـــياسية العــــراقية، ناهيك عن انتهاكها خارجياً من لدن عقلية ذوي الاحتلال وفلسفته الاستحواذية.
فقد أختلفُ بالقطع مع أولئك الذين نفوا بمناسبة أو من دونها، سقوط بغداد في ضحي يوم 9/4/2003 بدعوي غائمة ولسان هاذر، وهم يصرّحون: بأنَّ بغداد لم تسقط، وإنَّما الذي سقط هو النظام الصدامي البعثي الحاكم، لنشهد نحن العراقيين، كيف إنبثَّ جنون الجنود والزنابير والخفافيش من قماقمهم الشيطانية، وكيف احترقت بغداد من أوردتها وشرايينها ووثائقها، وسرق علي بابا الأمريكي وتابعوه خزائنها وآثارها وراحتها! وبالتالي نشهد زيف الخراصين فيما ادَّعوا ولجُّوا في التصريح والخطاب.
وأختلفُ وبالقطع أيضا، مع أولئك الذين عُميتْ أبصارهم وبصيرتهم وبقية أحاسيسهم، بشهوة العمالة والتلوّن والنفاق، مِمَّن انخرطوا علي طريقة سماسرة المواخير، ليهللوا كالعبيد لأسيادهم، بصوت لا يعرف نغمةً للشرف: بأنَّ البلد لم يسقط، وإنَّما تحرر من دكتاتورية العقود المظلمة والعبودية السوداء، ليجد العراقيون أنفسهم أمام ديمقراطية مزيفة، تشربت شعاراتها بسوابق الدم المُشاع، والشهوة الماجنة لاقتراف كلّ أنواع الجرائم، بحق حياة الرُضَعِ والصبية والنساء والأبناء والشيوخ، وبحق الطيور والماء والخضراء والمساجد والمدارس والبيوت والقوت! وبالتالي تأكد للعراقيين، مدي اللعبة الأمريكية، التي روج لها بعض النصَّابين السياسيين المُنتسبين إلي الهوية العراقية بالتزوير والخيانة!
كما لست أختلف فحسب، بل وأرفض كلَّ ما صدر عمَّن تمادي في غواية مأساة البلد، وعدَّها جولةً للكرّ بعد الفرّ، من خلال الحديث عن المظلوميات التاريخية، وتحميل أوزارها الوهمية برقبة جهة معينة مفترضة، بقصد إحداث شرخ طائفي وعرقي في كيان المجتمع العراقي الواحد، جاعلاً منه مجتمعا مأزوماً مُتفككاً في اتجاهات عشوائية مُهلكة من الثارات والاعتداءات والتهجير والأنانية، لتغدو صورة الوطن والوطنية والمواطنة، سراباً وهمياً وحلماً منتحراً، في غياهب اللصوصية والإستئثارية والدافعية غير المنتمية للعراق، ليفقد العراقيون من دمهم ولحمهم ومشاعرهم وأخوَّتهم، ما يربو علي مليون فقيد وروح وغائب وشهيد، ثم ليكتشفوا بأنَّهم الأخسرون دائماً في جميع المهاترات السياسية، التي تقاذفت حياتهم ومواقفهم، في خضم الواقع المتضاد، طبقا لما سعي إليه الاحتلال، ومعه المجردون من الضمائر، كالطفيليين والطحلبيين والفاسدين!
وإذا كنتُ مختلفاً مع كلّ تلك الدعوات والآراء، التي تسربلت بالمشاكسة والمعاكسة، إزاء معالم الوطنية الحقَّة ورفض الاحتلال، فإنّي ربَّما أذهب أبعد من رأي الوطنيين وقناعاتهم المحترمة للغاية: في كون البلد (العراق)، قد سقط دفعة واحدة، نظاماً ودولةً وسيادةً، وأنَّ الشعب كلّه يعاني من الاحتلال والأسر والظلم والظلام، ذلك لأنَّ العراق، لم يكن بلداً عادياً ولا هامشياً ولا طارئاً علي مدونات التاريخ، أو رُقم الحضارة، ولا علي محاولات نحت الحياة الإنسانية، واستنطاق اللغات من صوان الحجارة، فهو بلد السيف والقلم، الذي سقطت باحتلاله الأمريكي الفاحش، جميع الوصايا الخيّرة للعالم أجمع، وسقطت باحتلاله كل متاحف الإنسانية، وعراقة الحكومات طيبة الذكر، وانكسرت باحتلاله كل مسلمات الحصانة الممنوحة للشعوب الحرة.
فأنا مقتنع بأنَّ جريمة احتلال العراق، شكلت صفحة سوداء في جبين الإنسانية جمعاء، وكللت جبين مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة، التي استسلمت لهذه الجريمة، بالخزي والعار وفقدان المصداقية، ووصمت النظم الغربية المتقدمة، التي صمتت علي هذه الجريمة، بالتخلف والخذلان والأنانية، من منطلق تحول الحقوق وأحقّيات الشعوب والأوطان، إلي لعب يتسلي بها الأقوياء الظالمون، مثلما تحولت المحافل الدولية ومؤسساتها المعنية، إلي مطية لهؤلاء الأقوياء العدوانيين، وجعلها نوافذ مشرعة لابتزاز الأوطان الفقيرة والنامية والتي سعت لصناعة ذاتها بشرف الكدّ وحرية المقصد واستقلالية البناء.
وإذا كان العالم قد أدان هذا الاحتلال بصوت مسموع، فإنَّه قد عجز عن تخليص الشعب المفجوع بهذا الاحتلال، بل وصمت صمت الميتين في الغياب، فلم يمنع الظالم عن ظلمه، ولم يحكم علي المجرم في جرمه، ولم يعجّل في نهاية الكارثة متعددة الأبعاد والمسارب، ليغدو عالماً منافقاً بجدارة، عالماً طالما فكرت طويلاً بعدم احترامه، والتأكيد علي أهمية إخراجه من دائرة التعويل عليه، في المدد والإنقاذ والتخليص من ظاهرة موت الأوطان وتدمير الشعوب!
إنَّ الاحتلال الأمريكي للعراق، أوجد ثنائية الإذعان والقهر، ليس في العراق فقط، وإنَّما في كلّ دول العالم بالشرق والغرب، تلك الدول التي رضيت لحالها وأحوالها ومكانتها، أن تكونَ ذباباً حائماً، حول روث الفيل الأهوج وخطواته الرعناء، حتي استخفَّ بها الفيل، وصار يُدمّر طاقتها وحركتها، بين المخاطر والأوهام والتعّمية، وجعلها وسط نار التابعية والتبعية، أقرب إلي الفناء والاضمحلال والتلاشي.
وعليه فإنَّ الاحتلال الأمريكي للعراق، أسقط الدول العربية، وجرَّدها من هيبتها التاريخية، وعطَّلها عن أداء دورها، كما تقتضي العروبة الحقَّة، وكما يقتضي الإسلام الحقُّ في مجاهدة الأعداء والغزاة، ونصرة الأهل، عندما ينكبهم الشر والافتراء والخطر، ويستبيح ديارهم السُراق واللصوص، من مجاميع الحرام والغرباء والمعتدين، ودعاة الديمقراطية المزيفة.
نعم. نعم سقط العراق علي المحك، ولكن سقطت معه الدول العربية دفعة واحدة، بل سقطت معه جميع الدول في العالم المعاصر، وسقوط العراق بالاحتلال، الذي سيرحل عنه، مقاومةً ورفضاً وطنياً شاملاً، عاجلا أو آجلاً، سيبقيه وطناً شاهداً ملكاً، علي وحدانيته المتحررة من عبودية القهر والإذعان، وعلي تفرُّد صبره في الملمات والمصائب، وعلي كفاح شعبه في طرد الغزاة والمحتلين، وساعتها فقط ستنكشف ناصية السادة الشرفاء دعاة استقلال البلاد، بينما تغوص تحت الأطيان، ذاكرة العبيد الخائنين، والذباب المُتساقط في متاهات اللاوجود، وفي الوقت ذاته ستنكشف الرؤية المهولة، عن جميع المُتبقين، الغارقين أصلاً في عبودية القهر والإذعان منذ زمن طويل، قبل احتلال العراق، وبعد استقلاله المؤكد.

- القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق