تقرير الاستخبارات الأمريكية الأخير حول البرنامج النووي العسكري الإيراني يستحضر في الذهن طبيعة الصراع القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران منذ زمن، وتسمية الخصمين اللدودين محور الشر والشيطان الأكبر، لبعضهما البعض، واجادتهما استخدام الأوراق التي بين أيديهما، بالشكل الذي يجــعل من المنطقة كلها أشبه برقعة الشطرنج يحركان فيهما الأطراف كيفما يشاءان .
لقد اثبت تقرير الاستخبارات الأمريكية كثيراً من افتراضات نظرية المباريات المعروفة في العلاقات الدولية: فحتي يبقي اللاعب إلي نهاية الشوط لا بد له من اتباع إجراءات معينة تحقق له الأهداف المطلوبة، فتظل اللعبة في حدها الأعلي صفرية، بمعني أن مكاسب طرف هي صافي خسارة للطرف الآخر.
وهذا ما فعلته إيران من خلال حضورها مؤتمر مجلس التعاون الخليجي في الدوحة وما أتبعته مباشرة واشنطن من إعلان وقف البرنامج النووي العسكري الإيراني استنادا لتقارير وكالات والاستخبارات الأمريكية، وان وقف العمل بهذا البرنامج كان منذ عام 2003 هو تكييف لمعادلة الصراع بينهما باعتبارها معادلة صفرية الخاسر الأوحد فيها العراق ومنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط برمته .
ربما يكون توافق المصالح بين الطرفين هو الذي حدا بظهور هذا التقرير السياسي الأمريكي ذي الصبغة العسكرية وبهذا الوقت بالذات، كما هو توقيت الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني احمدي نجاد ليحل ضيفا علي غير عادة علي مجلس التعاون الخليجي القائم منذ أكثر من ربع قرن ، فأمريكا ما كان لها أن تدخل بغداد لولا إيران كما قال أبطحي مدير مكتب الرئيس الإيراني السابق وإيران ما كان لها أن تتخلص من عدويها الشرسين في العراق وأفغانستان لولا اصطفافها المتقن وراء خط النار الأمريكي .
إن لعبة تكسير الضلوع، كما يقول المثل العربي الشائع، ليس لها مكان بين إيران والولايات المتحدة بعد هذا التقرير، وان كل قدرات إيران العسكرية تم إنجازها تحت مرأي ومسمع وكالات الاستخبارات الأمريكية إلي أن وصلت إلي هذه المرحلة المتقدمة من تخصيب اليورانيوم وبالشكل الذي لا يمكن لإيران أن تتراجع عنه.
وبقي ما بقي من أن الصراع البارد والدائر بينهما منذ سنوات قد كشفه تقرير الاستخبارات الأمريكية الأخير ليعطي دلالة علي وجود صفقة ما حول العراق مقابل حل ما للملف النووي الإيراني، وربما الأيام القادمة ستكشف اكثر من ذلك ، لان المعادلة تقول بقدر ما تقدم إيران من تنازلات في العراق بقدر ما ستتراجع واشنطن عن النبش في الملف النووي الإيراني وحشد الدعم الدولي ضدها حتي وان تطلب الأمر صدور مثل هذا التقرير .
- القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
لا مكان لـ تكسير الضلوع بين إيران والولايات المتحدة- د . سليمان ابوسويلم
