قبضت المخابرات السوفيتية في الثمانينيات على جاسوس سوفيتي قامت المخابرات المركزية الأمريكية بتجنيده، ليقوم بمهمة خطيرة هي أن يختار الجهلاء في مواقع التأثير في الدولة السوفيتية، وقام الرجل بمهمته فعندما كان يتقدم لوظيفة مهمة عدد من الأشخاص فإنه يحاول أن يختار أقلهم كفاءة وأكثرهم جهلا.. ومن المؤكد أن هذا الجاسوس قد ساهم بعمله هذا في انهيار الاتحاد السوفيتي.
لكن القصة لا تقتصر على الاتحاد السوفيتي، فهناك الكثير من الذين تم تجنيدهم ليعطوا المناصب المهمة للجهلاء خاصة في الدول العربية، وهؤلاء الجهلاء يعرضون مستقبل دولهم للخطر، وربما تنهار معظم تلك الدول كما حدث للاتحاد السوفيتي.
أعتقد أنكم جميعا أيها القراء الكرام تصدقونني، فكلكم رأي بعينيه الكثير من الأشخاص الذين يتولون مواقع قيادية في دولنا البائسة وهم غير مؤهلين لها، ويعهد إليهم بمناصب غير جديرين بها، وهم بجهلهم يدمرون ولا يصلحون، ويهدمون ولا يبنون، ويبعدون الأكفاء والعلماء حتى لا يظهر جهلهم، ويقربون المنافقين الذين يمدحونهم بما ليس فيهم.
التناقض بين العلم والفهلوة
في مجال المناصب السياسية تأمل أيها القارئ الكريم وجوه أولئك الذين يحتلون المناصب السياسية المهمة في عالمنا العربي، وسوف تجد نفسك مضطرا للضحك فشر البلية ما يضحك، وكم بعالمنا العربي من المضحكات، وليس في مصر وحدها كما قال أبو الطيب المتنبي في بيته الشهير.
وأنا أنصحك بعدم الاستماع إليهم حتى لا تصاب بمجموعة من أمراض العصر مثل السكر والضغط، وأنت تسمعهم يستعرضون جهلهم حيث تتكسر على ألسنتهم كل قواعد لغة العرب رغم أنهم يقرأون خطبا مكتوبة صاغها لهم من هم أكثرمنهم جهلا.
وقد زعموا أن وزيرا عربيا طلب من كاتب خطاباته أن يكتب له كلمة مختصرة يلقيها في أحد المؤتمرات، لكن الخطاب كان طويلا ومملا، وهو ما أدى إلى معاقبة ذلك الكاتب الذي دافع عن نفسه بأنه كتب خطابا مختصراً، ولكن سكرتير ذلك الوزير أعطاه أصل الخطاب، وثلاث صور.
وبعض أصحاب المناصب المهمة في عالمنا العربي يصر على أن يظهر جهله على نطاق عالمي، فيتحدث باللغة الإنجليزية، وأنا في الحقيقة أشعر بالسعادة عندما أراهم يتحدثون باللغة الإنجليزية حتى يصاب الأمريكيون والإنجليز بأمراض القلب،أو بجلطات في المخ، وربما يكون ذلك سلاحا مهما نستخدمه عندما تشتعل نار صدام الحضارات.
السياسة فهلوة
هناك رواية مؤكدة ومنقولة عن مصادر موثوق بها أن عبدالناصر قد اجتمع يوما بأساتذة جامعة القاهرة، ووقف أحد العلماء الكبار يتحدث أمام الرئيس، لكن كلام العالم أثار غضب عبد الناصر، فقال له : إن السياسة ليست علما.. إنها فهلوة.. ونحن الذين نفهم في السياسة.
واضطر هذا العالم إلى الخروج من مصر فهو لا يجيد الفهلوة، وعلم السياسة لا مكان له في دولة يحكمها العسكر.
والفهلوة هي كلمة مصرية دارجة تعني الشطارة والقدرة على تحقيق الأهداف بوسائل غير شريفة مثل النفاق، وهي تشكل مبررا للجهل حيث أن الفهلوي جاهل، ولكنه ماهر في الوصول إلى أهدافه، وهو لا يلتزم بتلك المبادئ والأخلاقيات التي يلتزم بها العلماء، ولذلك يتقدم الجاهل بشطارته، ويتأخر العالم رغم قدرته على تحقيق أهداف الأمة.
إن ذلك العالم الذي هجر مصر وترك الجهلاء يحكمون، ويديرون سياستها بالفهلوة قد شارك بشكل غير مباشر في هزيمة 1967، فالجهلاء لا يمكن أن يحققوا سوى الهزيمة والتخلف، والفهلوة تؤدي إلى خراب العمران.
لقد أدار الجهلاء السياسة العربية فماذا حققوا؟ أعطوا لإسرائيل كل ما تتمناه في مفاوضات كان اللاعب الرئيسي فيها هو المفاوض الإسرائيلي الذي يعتمد على دراسات علمية تمده بها مراكز البحوث، وهو يعرف اتجاهات الرأي العام ويستطيع تشكيلها.. بينما ذلك المفاوض العربي الجاهل لا يجيد الدفاع عن قضيته، ويكتفي بتقديم التنازلات فهو الخاسر دائما.
إن أردت على ذلك دليلا جليا فأنظر إلى تلك المفاوضات التي تجرى الآن بين الفلسطينيين والإسرائيليين حيث ترى المفاوض الإسرائيلي يدرس نفسية المفاوض الفلسطيني وشخصيته واتجاهاته ونقاط ضعفه، ولذلك فهو ينتظر منه أن يقدم المزيد من التنازلات، ويحقق لإسرائيل ما تريد.
على المستوى الداخلي تجد سياسة الفهلوة تبتكر أشكالا من الحكم لا يعرفها العلماء الذين مازالت أفكارهم جامدة عند نظريات قديمة.. فالعلماء يقسمون أنظمة الحكم إلى ملكية وجمهورية، لكن في العالم العربي ظهر نظام جديد للحكم هو الجمهورية الملكية الوراثية. وهذا النظام إذا لم يعجب العلماء فعليهم أن يرحلوا كما فعل أخوهم في عهد عبدالناصر، فالسياسة كما يرى حكامنا فهلوة.. الرئيس يحكم مدى الحياة، ثم يرثه ابنه، ومع ذلك فالنظام جمهوري، أما الدستور فإنه يتم تغييره، ويعتبر التغيير إنجازا أو منحة من الحاكم وهديه لشعبه، والانتخابات نزيهة رغم أنف القضاة والمراقبين ومنظمات حقوق الإنسان والشعب كله، وتلك هي عين الفهلوة.
والنظام لم يشهد العالم مثل ديمقراطيته فهناك عشرات الأحزاب التي لا يعرفها أحد بجانب حزب حاكم لا يختلف عن الاتحاد الاشتراكي العربي الذي اخترع نظرية سياسية
الفهلوة وطبقها وحقق بها هزيمة 1967.
أين العدل؟!
ولأنه لا ينتصف عالم من جاهل، ولا بر من فاجر ولا عاقل من أحمق فقد وقع الظلم كله على رأس العلماء الأتقياء العقلاء بينما ساد في عالمنا العربي الجهلاء والفجار والحمقى.
وهناك من يجمع بين الصفات الثلاث في الكثير من المواقع المؤثرة، ولذلك كان الطبيعي أن يفجر في الخصومة ويضطهد العلماء الأتقياء ويطردهم من وظائفهم لأنه لا يطيق رؤية وجوههم. ولأنه فاجر فهو يستطيع أن يكذب ويلفق لهم التهم ويقلل من قيمتهم، ويهدر تضحياتهم، أما هم فإن التقى يمنعهم من الكذب، ولديهم عقول تمنعهم من الحمق، ويرفضون استخدام الفهلوة للوصول إلى أهدافهم.
لذلك انهزم العلماء الأتقياء العقلاء في الكثير من المؤسسات العربية، وأصابهم الاكتئاب، أو قرروا الهجرة كما فعل أخوهم أستاذ السياسة في عهد عبدالناصر.
لقد غاب العدل عن دولنا ومؤسساتنا فساد الجهلاء الحمقى الفجار، ولذلك يتزايد الفقر والجوع والتخلف في العالم العربي بالرغم من الثروات الهائلة التي يمتلكها والتي تكفي لتحويل الكثير من الدول العربية إلى قوى عظمى.
هذه هي نتائج السياسة الفهلوية التي تقلل قيمة العلم والعلماء.
وفي الإعلام أيضاً
العالم يعيش عصر ثورة الاتصال، وفي هذا العصر أصبحت صناعة الإعلام والمعلومات أهم الصناعات وأكثرها خطورة، ومع ذلك كم عدد من الصحف التي تصدر في الوطن العربي؟ سوف تكتشفون أنه في أصغر ولاية أمريكية يزيد عدد الصحف عن العدد الموجود في الدول العربية كلها. لأن السياسة الفهلوية العربية تقوم على منع المعارضين من إصدار الصحف، وعلى أن يتولى الصحفيون الأقل كفاءة والأكثر فهلوة مسؤولية الصحف الحكومية. ولذلك فالدول العربية لا يزيد فيها عدد الصحف اليومية عن ست صحف في كل دولة.
الفهلوة أيضا جعلت الدول العربية تعطي التراخيص لإنشاء قنوات التسلية التي تعتمد على الأجساد العارية، وهي أقرب إلى الملاهي الليلية في الوقت الذي ترفض فيه إعطاء التراخيص لإنشاء قنوات إخبارية، أو قنوات عامة أو ثقافية أو تلك القنوات التي تقدم مضمونا جادا.
لذلك فنحن نتخلف إعلاميا والعالم يتقدم. أما الأخطر من ذلك فإن هذه الظاهرة قد وصلت إلى الجامعات العربية التي تشكل الملاذ الأخير للعلماء حيث توجد أعراف وتقاليد تمنع الجهلاء من الوصول للمناصب الجامعية، فالرتب العلمية يتم الحصول عليها بعد جهاد طويل يثبت فيه الإنسان أنه أهل لهذه الرتبة وجدير بها، وأن يعترف العلماء بأنه قد قدم إضافة علمية يستحق على أساسها أن يقف في صف العلماء وأن يجلس بينهم. وإذا انهارت تلك التقاليد فهذا يعني أن المجتمع كله يتعرض للخطر فالجامعات هي التي تخرج الأجيال الجديدة، وهي المسؤولة عن تقدم المجتمع، وهي بيوت العلم والخبرة والرأي الحر.
لكن جامعاتنا العربية شهدت خلال الأعوام الأخيرة اختلال تلك الأعراف والتقاليد، فوصل إلى المناصب العلمية الكثير من الذين يجيدون الفهلوة والنفاق والادعاء بالباطل ويكتبون التقارير عن زملائهم للأجهزة الأمنية، ويطاردون العلماء الحقيقيين، ومن الواضح أن العلماء قد تم التضييق عليهم حتى في جامعاتهم، لكن أتمنى أن لا يفعلوا كما فعل أخوهم عالم السياسة، وأن لا يهجروا الوطن، فعليهم أن يدافعوا عن آخر حصونهم، عليهم أن يدافعوا عن الجامعات فهي التي يمكن أن تقود النهضة، يجب أن يكافحوا ليقودوا المجتمعات العربية للتحرر من الاستعمار الغربي الذي زرع الجهلاء والحمقى في المناصب القيادية في دولنا. صدقوني إن الاستعمار هو سبب البلاء والخراب والمصائب، وعندما نتحرر منه سوف تختار الشعوب العلماء ليقودوها للنصر والنهضة والتقدم.
-الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
عندما يحكم الجهلاء !! -أ. د. سليمان صالح
