هيئة علماء المسلمين في العراق

خراب البصرة؟ -محمد كريشان
خراب البصرة؟ -محمد كريشان خراب البصرة؟ -محمد كريشان

خراب البصرة؟ -محمد كريشان

بعد تسليم القوات البريطانية المسؤوليات الأمنية في البصرة إلي القوات العراقية الرسمية قبل أيام انطلق نوعان من التصريحات: الأول لمسؤولين سياسيين عراقيين هللوا وكبروا للخطوة والثاني لمسؤولين أمنيين، عراقيين كذلك، أبدوا قدرا كبيرا من التوجس من إمكانية السيطرة الأمنية الكاملة علي المدينة، وبين الفئتين وقف المسؤولون البريطانيون، أمنيون وسياسيون، علي حذرهم التقليدي بين محاولة إبراز الأهمية السياسية للخطوة وعدم تجاهل التحديات الأمنية المنتظرة. بين هؤلاء جميعا، لم يكن هاما أن ينبري موفق الربيعي ليصف الحدث بأنه انتصار للعراقيين علي الإرهاب" ولا أن يأتي محافظ البصرة ليقول بأنه أحد أعظم الأيام في تاريخ البصرة . بل الهام جدا، في تقديري، أن يأتي قادة أمنيون عراقيون، يفترض أن يتحدثوا بصرامة وحتي صلف رجال الأمن، ليقولوا إن المهمة ليست سهلة علي الإطلاق بل إنها أعقد مما يتخيل كثيرون... فهذا اللواء جليل خلف قائد شرطة البصرة يقول لصحيفة بريطانية، وبصراحة لافتة للانتباه حقا، إن في المحافظة 28 مليشيا مسلحة أفضل من رجاله!! وأنها تسيطر علي موانئ المدينة وتنتفع بالصادرات النفطية وتستورد السلاح من إيران وليضيف بأنه بإمكانك أن تهرب دبابة عبر حدود البصرة مع إيران إن أردت!!.
وطالما أن البصرة باتت ومنذ فترة مدينة المليشيات بامتياز، بشكل لم تستطع الحكومة المركزية تجاهه أن تفعل أي شيء رغم كثرة الزيارات والمناشدات، فإن الأنظار صارت الآن متجهة لهذه المليشيات تحديدا لمعرفة مصير هذه التجربة الجديدة في المدينة وليس إلي قوات الأمن العراقية ومدي استعدادها لتحمل مسؤولياتها ، حتي أن أحد أعضاء محافظة المدينة عبد الزهرة سمير عباس الكطراني لم يتحرج في التصريح بأنه لا يوجد مستقل في البصرة، فكلنا تابعون لكيانات سياسية، حتي من لا ينتمي إلي حزب معين، فهو مدعوم من كيان سياسي ما بالتأكيد .
صحيح أن قادة الفصائل المهيمنة علي المدينة التقوا مؤخرا في أحد مساجدها ووقعوا معاهدة للتعاون مع قوات الأمن النظامية وعدم حمل السلاح ، كما أن القوات البريطانية نفسها ، وحسب الناطق باسم الخارجية في لندن ، سعت هي الأخري لمصالحة الفصائل المتناحرة قبل موعد تسليم المسؤوليات الأمنية للعراقيين، لكن شكوكا كبيرة مع ذلك ما زالت تلف هذا الموضوع وذلك حين نقف علي مدي المصالح التي باتت لكل فصـيل، وأساسا التيار الصدري والمجلس الأعلي الإسلامي وحزب الفضيلة، فقد باتت المدينة شبه مقسمة بينهم، هذا للنفط والاستفادة من صادراته غير القانونية وهذا لأجهزة الأمن والحواجز والتفتيش والاعتقال والآخر للهيمنة علي قطاعات الصحة والتعليم مع اشتراكهم جميعا في بث جو من التعصب الديني المرعب في المدينة ذهب ضحيته بالخصوص أكثر من أربعين امرأة اتهموا بعدم ارتداء الحجاب الذي يسعون لفرضه بالقوة حتي علي المسيحيات!!
وبما أنه لا وجود في البصرة لمن يوصفون بالتكفيريين من عناصر القاعدة وفلول حزب البعث المنحل، فإن الرهان الحقيقي الآن هو علي هذه المليشيات فإن شاءت جعلت فعلا من المدينة تجربة نموذجية تتيح القول بأن الأجهزة الرسمية العراقية قادرة علي تحمل مسؤولياتها إذا ما أتيحت لها الفرصة الحقيقية وإن شاءت ثبـّــتت مقولة بأن هؤلاء الذين جاؤوا بعد احتلال البلاد هم في الحقيقة أسوأ من النظام السابق ومن الاحتلال معا لاسيما أن ما ينتظر البصرة لا يطمئن كثيرا فالقوات البريطانية انكفأت فقط إلي قاعدة المطار ومستعدة للتدخل عند الضرورة في أي وقت كما أنه من غير المستبعد أن تأتي الآن قوات أمريكية إلي المدينة لتعويضها وفق ما ذكره غرايم بينز قائد القوات البريطانية في جنوب العراق.
لكل ذلك فإن القول بأن ما جري في البصرة قبل أيام هو أكبر اختبار للقوات العراقية لضبط الأمن فيه بعض التحامل لأن الأصح أنه أكبر اختبار للمليشيات فإما أن تتصالح مع منطق الدولة ومؤسساتها، رغم كل مصائبها، وإما أن ترسخ تحول بلاد الرافدين تدريجيا إلي بلد مليشيات لا أمل فيه بالمرة، بلد فاشل بالكامل.



- القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق