دائما يسلك الاحتلال الغريب أساليب الالتواء وعدم الوضوح ،في كل إرهاصاته وانفعالاته وممارساته ، حتى وإنْ توهم بعض الناس البُسطاء ، من أبناء الشعوب الواقع عليهم ذلك الاحتلال ، في لحظة من العفوية والضرورة والاضطرار ، بأنَّ ثمة تسهيلات معينة ، تصبّ في فائدتهم آنياً ومرحلياً ، لما يسدُّ عوزهم اليومي ، وحاجتهم في المعيشة وتدارك الأحوال ، وهذا السلوك من جهة الاحتلال ، هو ما كان عليه الاحتلال الاستعماري القديم ، والوصف الإيجابي له ، يمكن أن يكون في أحسن صورته : بأنَّه سلوك في أعلى الحضيض وقمته .
وإذا كان محتلو العراق بفصيلة تابعيتهم الأمريكية ، يؤدون اليوم أدوراً مظهرية لخدمة مناطق معينة ، من مناطق الشعب العراقي ، خاصة تلك المناطق التي كانت ساخنة ، وعُرفت بنشاطات المقاومة سابقاً وقبل شهور ، من خلال إشاعة ما يمكن تسميته للسخرية ( ثورة البوليش أو الصبغ ) أي صبغ الواقع المنكسر بألوان وقتية زائلة ، دون فائدة مرجوة ، وبالتالي يصدق على المحتل مقولة : إنَّك لا تجني من الشوك العنب ...! لأنَّ هذا السلوك ، وحتى مع افتراض بقاء الوصف الإيجابي له ، لا يمكن أن يكون في أحسن صورته : بأنَّه سلوك في أعلى الحضيض وقمته ، بقدر ما يكون في درك الحضيض الأخير وأسفله ، بوصفه سلوكا احتلالاً أجنبياً ، جمع بين حضيض الاستعمار القديم ، وحضيض الاستعمار الحديث ..؟ وبذلك فهذا الاحتلال الأمريكي المعاصر للعراق ، له عار الحضيضين معاً .
إنَّ نظرية تلميع المظاهر وصبغ الأرصفة ، وطلاء جدران الشوارع وأبواب المحلات التجارية بالألوان الزاهية ، لهي واحدة من فروع ( نظرية المؤامرة Conspiracy Theory ) التي تقضي حشد الكيانات والمراكز التحكمية بالقرارات وإمضاء المصالح ، التي تخدم الأعوان حصرا دون الغالبية ، وتجعل من عموم الناس ضحية لمنظومة الحسابات الخفية ، التي خطط لها المحتلون ، وشاءوا تنفيذها ، تدميرا للعقول الرافضة ، والاستخفاف بالذهنية العراقية والوطنية .
إذ جعلوا أبناء المجتمع العراقي لاهثين وراء حياة يومية قاسية ، مليئة بالنواقص الضرورية والاحتياجات المهمة ، طارحين أنفسهم عند هذه النقطة الحساسة ، ليكونوا مُهتمين بتلبية الخدمة العامة للناس ، من خلال القيام بمبادرات مشبوهة ، تستغل ضعف الحال عند بعض الفقراء والبسطاء ، وتستقوي من خلال هذا السلوك الفاضح على ذوي الكرامة والإباء .
فمنذ متى يشفق الذئب بالغنم ، والمحتلون دخلوا العراق بالصواريخ والطائرات والحرب .؟ وما الذي تغير في أحوالهم ، إلاّ لكونهم قد أدركوا رائحة هزيمتهم .؟ فقرروا أنْ يحتالوا على الحقيقة هذه ، بانتحال سلوكيات الوداعة ، والتباكي بدموع التماسيح ، ورفع راية التغرير وتشابك المواقف ، وإتباع إستراتيجية مقايضة المال والنفط العراقي بالشعب العراقي ، عوضا عن فشل إستراتيجية العراق بثرواته مقابل قتل جنود الغزاة من قبل المقاومة العراقية .
فتارة يقدّم المحتلون المولدات الكهربائية ، بطريقة دعائية لمجموعة محدودة جداً من البيوت ، فاتحة باب الغيرة وزعزعة الثقة والقناعة بين الناس وكثرة القيل والقال ، وتارة أخرى تقتحم دورياته بعض الدور عنوةً ، لتسأل ربّ الدار عن المشكلات ، التي تصادفه في حياته اليومية ضمن المنطقة ، بدعوى الجدية في تحسيين الأحوال ، وتوزع على أفراد أسرته حلويات يابسة ، مسروقة أصلاً من دكان مجاور تمَّ كسر أقفاله من قبلهم ...! ومرة ثالثة تمضي تعليمات المحتلين ، وعبر دوائر الصحة ، على تعويض ذوي الشهداء ، الذين استشهدوا على أيديهم الملطخة بالدماء ، بمبالغ مالية بسيطة جداً ، لا تعادل مصاريف عائلة بسيطة لمدة شهرين ، مقابل إصدار شهادات وفاة جديدة ، توحي بأنَّ سبب الوفاة كان على يد الإرهابيين .
إنَّ أمريكا العظمى ، وكما يحلو لبعض الجاهلين تسميتها هكذا ، قد مرَّغت (عظمتها ) بالحضيض ، من خلال أفعالها ، التي لا تتناسب وعظمتها المزعومة ، وعلى المزايدين المكابرين في تأكيداتهم على عظمتها ، أنْ يخرسوا تماماً ، وأن يكفوا عن هذه الأكاذيب ، وإلاّ فإنَّهم سيكونوا محسوبين على جوقة الأصوات النشاز ، التي تمتَّ صفقات بيعها لصالح الغزاة ، وهرعها بأسلوب ميكانيكي للدفاع عن سيدها المشتري ، وبالتالي لا يوجد ما يمنع الوطنيين العراقيين ، من إطلاق الاحتقار تلو الاحتقار ، لمثل تلك الأصوات ، كلما كان ذلك لازماً وضرورياً .
فأمريكا المحتلة للعراق اليوم ، تتاجر في قضية عوز الفقراء والمحتاجين ، وتعمد إلى خلخلة البناء الاجتماعي للعراقيين ، تتاجر في قوت الناس والوقود والوظائف ولقمة العيش والماء والكهرباء والمرض وحتى الهواء ، وبذات الوقت هي السجن والسجان والقاضي ، وتريد أن تتغلغل في جميع البيوت والدوائر والمؤسسات ، جاعلة من الجميع ، بمثابة عملاء لها ومُحبّين لتواجد جنودها بين حياة العراقيين ، بفعل سحر المال وشيطنة الأفعال .
ونحن هنا نؤكد على أهمية المحافظة على الصوت الوطني المقاوم للاحتلال ، خاصة وأنَّ منهجية العدوان عملت دائماً ، بما يضمن لها مضاعفة ذلك الاندحار المقصود ، لتقويض الصوت الوطني الرافض لأمريكا احتلالاً واحتيالاً ، ذلك الصوت المثقف ، الذي أعطى الشهداء والمغدورين بطلقات الاحتلال ، وقد انهالت عليه اليوم سفالة الغزاة والعملاء ، بالطعن والإقصاء والتهميش والمحاربة ، والاتهامات بالأكاذيب والإرهاب ، وعدم استساغة الاستماع لصوته الواثق ، في إدانة الغزو وسرقة البلاد ، ولا التجاوب مع دعوة ذلك المثقف ، ورسالته الوطنية العامة ، في ضرورة تطويق الغزاة ، بعزلة المقت ومخاشنتهم في السلوك ، ومقاومة مشاريعهم المدمرة ، كي يحملوا رموز خيباتهم ويعودوا من حيث جاءوا ، أذلاء منكسرين .
فأمريكا ذلك الخنجر المسموم الذي لا يكفُّ عن تمزيق الجسد الاجتماعي للعراقيين ، وعلى العراقيين بكافتهم ، أنْ لا يشككوا في ذلك تحت أية ذريعة ، وأن لا يكونوا نصل ذلك الخنجر ولا المطعونين به ، بقدر ما يكونوا أداة كسره وانكساره ، للتأكيد بأنَّهم ذلك الشعب الحيّ ، الذي مرغ أنف أمريكا العظمى في أسفل الحضيض قبل أعلاه .
وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
مجد الاحتلال الأمريكي في العراق : أسفل الحضيض قبل أعلاه-د . فهمي الفهداوي
