هيئة علماء المسلمين في العراق

وجهان لمشهد واحد .... خيري منصور
وجهان لمشهد واحد .... خيري منصور وجهان لمشهد واحد .... خيري منصور

وجهان لمشهد واحد .... خيري منصور

بعيداً عن حكاية نصفي الزجاجة، وخارج المدار الرخو لثنائية التفاؤل والتشاؤم وما بينهما من تشاؤل، فإن للمشهد العربي الآن وجهين، الأول لمن احترفوا التفكير الرغائبي والتبسيط هرباً من المسؤولية، أبيض وبارد ومنقى من الشوائب. فالعراق هادئ نسبياً، والبريطانيون ينسحبون من جنوبه، والمفاوضات الفلسطينية  اليهودية ماضية إلى الأمام بلا عقبات جادة، ولبنان يوشك على اختيار رئيسه والوفاق قاب اجتماعين فقط من الوئام الوطني.
والجزائر متفرغة لمطالبة فرنسا بالاعتذار عن احتلال بالغ القسوة، ذهب ضحيته مليون إنسان، وإيران تتمتع بتقرير ال”سي.اي.بي” عن مشروعها النووي الذي توقف منذ زمن، بحيث مهد التقرير لحوار بين طهران وواشنطن، هذه قراءة أفقية، رغائبية، وهاربة يمكن لمن يتورط فيها أن يخدع نفسه بضع ساعات وينام من دون أن تقاطعه الكوابيس.
لكن الوجه الآخر لهذا المشهد والذي لا يروق لهواة التسطيح، والتواطؤ، والاستحمام في السراب هو على النحو التالي:
اثنان وخمسون قتيلاً في الجزائر بينهم عشرة من موظفي الأمم المتحدة، وصرف كامل للانتباه على الاعتذار المطلوب من المحتل القديم والصديق الجديد.
والعراق، يعود إلى موقعه في نشرات الأخبار، وينجو اثنان من قادته من السيارات المفخخة لأنهما لم يكونا في المواقع التي استهدفها التفجير، إياد علاوي خارج العراق وصالح المطلق خارج بيته، وقد يكون العراق كله خارج العراق، لأن الحكم عليه بالإعدام وحذفه من الخريطة العربية لم ينفذ بعد وقد يبقى وقف التنفيذ إلى القيامة. وفي فلسطين، يستشهد سبعة ويجرح ستة عشر وتفصل قوات الاحتلال جنوب غزة عن شمالها، بعد ان انفصلت غزة عن الضفة، وفلسطين عن فلسطين وفوهة البندقية عن كعبها، وأصبح المطلوب غسل العلم من ألوانه لكي يصبح أبيض وصالحاً للرفع على أعلى جبل في فلسطين.
والتوغل في القطاع لم يزد هذه المرة عن ثلاثين كيلومتراً، لهذا فهو أقل من اجتياح وأكثر من تحرش، وحقيقة الأمر أن غزة تتعرض للاجتياح الذي هددها به الجنرال باراك منذ توليه وزارة الحرب في الدولة العبرية، لكن بالتقسيط المريح للجيش والتقسيط الباهظ لأهل البلاد وسكانها الأصليين.
ولبنان الذي تقول القراءة الرغائبية الهاربة من مجابهة الحقائق إنه اقترب من الوئام وأصبح العناق وشيكاً بين معارضته وموالاته، يعود الى سجاله القديم ليتراشق زعماؤه بالإدانات والتجريم.
هل نقول بعد هذا إن السياسة ليست لعبة يا نصيب، وإن ما سوف يحدث في الغد هو حصاد منطقي لما زرع اليوم والبارحة، وقبل ربع قرن؟
أحياناً، تبدو هذه البؤر المشتعلة وكأنها في عطلة أو هدنة لبضعة أيام أو أسابيع مما يغري الرغائبيين بالمزيد من الاسقاطات والقراءات الحولاء.
إن أسباب ما يحدث لا تهجع ولا تنعم بهدنة أو عطلة، بل تتفاقم وتنذر بالمزيد من الاشتعال، أما من يراهنون على انفراج الأزمات بعد اشتدادها، فعليهم أن يتحملوا عبء هذا الرهان إذا انفجرت ولم تنفرج.



الدار العراقية
لامقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق