الدكتور محمد الدسوقي: المقاومة العراقية جهاد مقدس ما دامت تدافع عن كرامة الأمة..والنصر حليفها ما دامت على طريق الحق والوحدة الجامعة
يعدُّ الأستاذ الدكتور محمد الدسوقي من كبار العلماء الذين ينهل الطلبة والدراسون العلوم والمعارف منهم وهو صرح علمي كبير في أرض الكنانة وفي رحاب كلية دار العلوم بجامعة القاهرة التي خرجت كواكب من الأساتذة والعلماء والباحثين والمفكرين.. وله اسهامات كثيرة ومتنوعة في إثراء المكتبة الإسلامية.. وقد التقت به البصائر و الهيئة نت وأجرتا معه هذا الحوار:
* هل من الممكن أن تحدثنا عن نشأتكم العلمية وتدرجكم في سلم العلوم والمعرفة حتى صرتم من العلماء الكبار؟
- ترجع النشأة العلمية إلى كتّاب القرية، فقد حفظت كتاب الله في هذا الكتّاب وأنا دون سنّ العاشرة، ثم التحقت بالأزهر الشريف طالباً بمعهد طنطا، وبعد الحصول على الثانوية الأزهرية التحقتُ بكلية دار العلوم، وتخرجتُ فيها سنة 1959م.
وقد عملتُ في التدريس لمدة عامين، ثم نُقلتُ محرراً علمياً بمجمع اللغة العربية، وحصلتُ على درجتي الماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، وأنا أعمل في المجمع، وكان عملي بالمجمع فرصة أتاحت لي الأتصال المباشر بعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رحمه الله؛ فقد كنت أقرأ له في بيته لمدة تسع سنوات، وكانت ثمرة هذه المدة كتابين بعنوان ((ايام مع طه حسين)) و ((طه حسين يتحدثُ عن علماء عصره))، وفي الطريق كتاب ثالث تحت عنوان ((دراسات وتعقيبات حول طه حسين)).. وبعد الحصول على الدكتوراه أعرت من المجمع للتدريس بجامعة الفاتح بليبيا ومكثتُ في هذه الجامعة نحو عشر سنوات، ثم تعاقدتُ بعد ذلك مع جامعة قطر للتدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ومكثتُ في هذه الجامعة نحو عشرين عاماً.. وقد بدأت الكتابة والنشر وأنا طالب في المرحلة الثانوية بالأزهر، وبعد تخرجي في الجامعة كتبت في المجلات المتخصصة وألفت كتباً بلغت نحو ثلاثين كتاباً في قضايا فقهية وإسلامية عامة، وشاركتُ في العديد من الندوات والمؤتمرات على مستوى العالم الإسلامي.. وأنا أعدُّ نفسي طالب علم، ولست من العلماء الكبار؛ لأنَّ الإنسان مهما حقق في حياته العلمية من انجازات يظل طالب علم، وإن ظنَّ أنه بلغ رتبة في العلم عالية، فإنه بذلك يبدأ مرحلة التخلف، ولهذا كان طلب العلم في الإسلام من المهد إلى اللحد.
* ماذا تعني لك درجةالاستاذية في حياتك العلمية؟ ومن هم أبرز مشايخك وأساتذتك؟
- إنَّ درجة أستاذ في الحياة العلمية تعني مسؤولية كبيرة؛ لأنَّ هذه الدرجة تؤكد أنَّ صاحبها لم يعد في حاجة إلى من يراجع له انتاجه العلمي، فعليه من ثمَّ أن يكون جديراً بهذه الدرجة، وعليه أن يتابع رحلة البحث العلمي إلى آخر أيام العمر..
أما أبرز شيوخي وأساتذتي، فهم كُثُر؛ لأنَّ الذين درسوني في المعهد الديني يعدون أساتذة لي؛ لأنهم مهدوا أمامي طريق التحصيل العلمي، وكذلك أساتذتي في الجامعة، ثم إنَّ القراءة الذاتية لكبار العلماء والكتّاب كان لها دورها المهم في التنمية العلمية.. ولهذا من الصعب جداً أن أخص بعض الأسماء بأنهم كانوا أبرز مشايخي، وإن كنتُ أعتبر شيخي في كتّاب القرية رحمه الله في مقدمة الشيوخ الذين انتفعتُ بعلمهم وتوجيههم، ويكفي أنَّ هذا الشيخ كان السبب في خروجي من القرية لطلب العلم في الأزهر، فقد نصح والدي -وهو رجل أميّ- بأن يبعث بي للدراسة في الأزهر؛ لأني أمتلك وسائل الدراسة والتفوق فيها.
* ما هي صفات طالب العلم الناجح بنظرك؟ وهل ترى أن طلبة اليوم قادرون على اعادة أمجاد الأمة من جديد؟
- إنَّ طالب العلم الناجح هو من يتمتع بالإستعداد الفطري والأخذ بالمنهج العلمي والمتابعة في البحث والدراسة، والانفتاح على كل الثقافات.. وأرى أنَّ طلبة اليوم إذا أتيحت الظروف الملائمة لهم فإنهم قادرون على أن يعيدوا للأمة تاريخها المشرق بالحضارة والتقدم.
* هل هناك فروق جوهرية بين طبيعة التعلم والدراسة سابقاً -في زمنكم- وبين زمننا الحاضر، لاسيما وإنكم مارستم التدريس في عدد من البلدان العربية؟
- لا شك أنَّ هناك فروقاً جوهرية بين طبيعة التعليم اليوم وما كان في أيامنا؛ فقد كان عدد الطلاب محدوداً، ويمكنُ للأستاذ أن يؤدي واجبه نحوهم بصورة علمية ناجحة.. أما اليوم فكثرة عدد الطلاب تعرقل مسيرة الدراسة الناجحة، وأعداد الخريج على نحوٍ يؤهله للقيام بواجبه نحو أمته.. والمشكلة معقدة ولها جوانب اقتصادية وسياسية واجتماعية.
* لكم مؤلفات عديدة.. هل من الممكن أن تعطينا فكرة عامة عن مواضيعها؟ وما هو الجديد الذي جاءت به؟
- ما طبع من مؤلفاتي حتى الآن بلغ 28 كتاباً، فضلاً عن عشرات المقالات والبحوث وحضور العديد من المؤتمرات.. وهذه المؤلفات تتناول بوجه عام الدراسات الفقهية والإسلامية، وبعض الدراسات الأدبية.. والجديد يمكن لمؤلفاتي أن تكون قد تطرقت إليه يتمثل في بعض هذه المؤلفات، مثل ((منهج البحث في العلوم الإسلامية)) و ((تجديد فهم الدين)) و((نظرة نقدية في الدراسات الاسلامية المعاصرة)) و((فقه الطلاق بين التقليد والتجديد)).
* ما هي أبرز مواصفات المؤلف الناجح بنظرك؟
- إنَّ المؤلف الناجح هو الذي يتمتع باستقلال الشخصية العلمية، فلا يكون مجرد ناقل لآراء الآخرين، وإنما تكون مهنته هي أن ينظر في كل ما يقرأ نظرة نقدية موضوعية، وأن يحاول في كل ما يكتب ألا يكرر غيره، وإنما يقدم جديداً مفيداً مهما يكن مقداره، وأن يكون له أسلوبه الخاص، أو معجمه اللغوي الذي يعبر عن ثقافة لسانية عميقة، وألا يقلد اي كاتب، فالتقليد مذموم دائماً.
* الأزمات التي يمر بها العالم الإسلامي من احتلالٍ لبعض بلاد المسلمين، وتهجير لقسم كبير منهم، ومضايقات وحملات تغريب وتشويه منظمة ضد الاسلام.. ما هي أسباب تلك الحملة ، ولماذا نجحت محاولات الغربيين بتفعيل ذلك؟
- إنَّ الأزمات التي يمر بها العالم الإسلامي اليوم خطيرة، وتهدد مستقبل هذا العالم، ومن المؤسف أنَّ هذه الأزمات لا تعرف على مستوى العالم إلا في الأقطار الإسلامية، وكأن هناك سياسة مرسومة للحيلولة بين هذه الأقطار ونهضتها وقوتها.. فضلاً عن الحملات المتكررة التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين، وهي حملات اشتدت وطأتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر..
وأسباب ما يتعرض له العالم الإسلامي ترجع الى الخوف من الإسلام عند غير المسلمين، وهو خوف مفتعل، وليس له نصيب من الصحة، ونجاح الغربيين في خلق الأزمات للعالم الإسلامي، وفي تشجيع حملات التشويه والافتراءات مردها إلى ضعف هذا العالم من حيث عقيدته ووحدته وتكامله.. فهذا العالم لديه أسباب القوة ولكنه لا يحسن الانتفاع بها.
* على من تقع مسؤولية ما يمر به المسلمون اليوم من شدائد وفتن.. هل تقع على العالم والداعية أم على الحاكم أم على الرعية والافراد؟
- ان ما يمر به العالم الإسلامي من شدائد وفتن تقع مسؤوليته على كل ابناء هذا العالم، فالشعوب مسؤولة، والقيادات مسؤولة.. ولا يمكن أن نحمل القيادات وحدها مسؤولية ما يجري، وإن كانت مسؤوليتها أكبر.
* تشهد أمتنا مخططات تستهدف وحدتها وتعمل على تفريقها ونهب خيراتها وثرواتها كمشروع الشرق الأوسط الجديد، وغيره.. ما الذي يجب على الأمة فعله في ظل تلك المؤامرة؟
- كما قلت سابقا هناك تخطيط مدروس على مراحل لتفتيت وحدة الأمة، وإضعافها لنهب ثرواتها، وجعلها أمة مستهلكة غير منتجة، متخلفة غير متقدمة، وأن تخضع في سياستها لغيرها، وأن لا تكون لها كلمة مسموعة في المحافل العالمية والدولية.. فعلى الأمة أن تتخلى عن النزاعات الاقليمية الضيقة، والصراعات حول الحدود، وانغلاق كل شعب أو بلد على نفسه دون أن يهتم بغيره.. وهنا أقول: إنَّ الخطر ماحق، وسينال الجميع دون تفريق، ما لم تستيقظ الأمة من غفلتها، ويسعى قادة الفكر فيها إلى التحذير والتوجيه، ورسم الخطط العلمية؛ لإفشالِ كل ما يخطط له الغرب من أجل مصالحه وهيمنته على كل مقدراتنا.
* على مستوى القضية العراقية.. وبعد ما يقرب من خمس سنين على الاحتلال، كيف تنظر فضيلتكم إلى الأسباب الجوهرية التي تقف وراء احتلال هذا البلد؟
- أنا أقول: إن القضية العراقية هي أوضح برهان على سياسة المكر والخداع والكذب من أجل سرقة خيرات الشعوب الإسلامية.. قالوا: إن في العراق أسلحة محرمة دولياً، وجاؤوا بجيوشهم فلم يجدوا شيئاً، ودمروا ما دمروا، وما زالوا يدمرون ويخربون وينهبون ويمكنون لدولة اللصوص في فلسطين لسرقة آثار العراق وثرواته؛ حتى لا تظل هذه الدولة هي القوة الوحيدة في وطننا الإسلامي، لتكون للغرب وسيلة السيطرة على الذهب الأسود الذي ينقل بحراً وجواً إلى مخازن البترول في أمريكا وأوربا.
* في ظل محاولة أطراف عديدة لتجسيد النهج الطائفي في العراق واشعال الحرب الطائفية بين مكونات وأطياف الشعب العراقي... ما هي خطورة هذا الأمر؟ وكيف يمكن تجاوزه؟
- معروف أن سياسة الاحتلال لم تكتفِ بنهب الثروات، وإنما سعت لتفتيت وحدة الشعب العراقي عن طريق زرع الفتنة بين طوائف هذا الشعب؛ ليخلق حالة من الصراع الداخلي، تمهيداً لتمزيق وتقسيم القطر الواحد إلى عدة دويلات يسهل بعد ذلك الشقاق، وأن تكون له الكلمة العليا في كل شؤونها.
* كيف تنظر الى المقاومة العراقية وهي تدافع عن العراق وابنائه ؟
- المقاومة العراقية جهاد مقدس ما دامت تدافع عن كرامة الأمة، وتزلزل الأرض تحت أقدام المحتلين الغاصبين.
* كلمة أخيرة تقولها للعراقيين تتضمن نصحاً وإرشاداً؟
- والله عندي كلمة أقولها للأخوة المجاهدين في العراق: اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وثقوا أن النصر حليفكم ما دمتم على طريق الحق والوحدة الجامعة، ولم يكن للخلاف المذهبي بينكم أي دور في جهادكم.. سدد الله خطاكم، وحقق الخير للأمة على أيديكم.
* شكرا لكم وبارك الله فيكم وفي علمكم
- أشكركم وبارك الله فيكم
حاوره: مكتب القاهرة
الدسوقي: المقاومة العراقية جهاد مقدس ما دامت تدافع عن كرامة الأمة..
