لم ينفرد هارولد نبتر الذي صارع السرطان وحكومة بلير معاً بالموقف الأخلاقي والثقافي ضد الحرب على العراق، وقد يكون هذا الكاتب الذي فاز بجائزة نوبل اسماً حركياً لعدد كبير من فناني ومثقفي العالم وبريطانيا بالتحديد أعلنوا العصيان على آخر مبتكرات الكولونيالية الجديدة، وسوف تشهد مدينة ليفربول البريطانية التي أعلنت عاصمة ثقافية لأوروبا عام 2008 لوحة طولها أربعون متراً، وتضمنت أكثر من ستمائة ملصق عن الحرب وتوابعها.
هذه اللوحة، شهادة تشكيلية مضادة للحرب وتدين من أشعلوها بعد أن لفقوا الذرائع لخدمة أهداف خاصة لا صلة لها بالأطروحات الإعلامية التي روجها سماسرة الحروب والسلاح، وهي الديمقراطية.
فازت لوحة هذا الفنان البريطاني بجائزة تيرنر والتي تقدر قيمتها المادية بخمسين ألف دولار لكن قيمتها المعنوية لا تقدر بثمن، لأنها واحدة من المحاولات التي تعيد ماء الوجه المسروق من الوجوه على اختلاف ألوانها، في زمن تعدد فيه ألوان الرق السياسي.
لوحة مارك تصور مسيرة بريطانية حاشدة مناهضة لقرار الحرب ضد العراق أمام مبنى البرلمان البريطاني، وسوف يتضح بمرور الوقت وتساقط الأقنعة والأوراق أن الحرب لم تكن في حقيقتها سوى حلقة من الدراما أو التراجيكوميديا التي ألفها السينارست الأمريكي، ولعب فيها بلير دور الكومبارس رغم ادعائه بدور البطولة.
إنها المرة الألف وربما المليون التي يعلن فيها الضمير الثقافي في الغرب القطيعة مع مؤسسات وإدارات سياسية واستخبارية لا ترى في العالم غير مجال حيوي لتجريب الأسلحة، وأساليب السطو.
وقد تصل المفارقة التاريخية والأخلاقية الى ذروتها إذا قارنت الأجيال العربية القادمة ذات يوم بين مواقف مثقفين أمريكيين وبريطانيين من الحرب ضد العراق ومواقف مثقفين وفنانين من العرب على غرار فؤاد عجمي ومكية وبقية العائلة التي ارتهنت للدولار وسال لعابها على المزيد من رائحة الدم حتى لو كان دم ذوي القربى.
ولا أظن أن الفنان مارك والنجر الذي فاز بجائزة تيرنر للفنون التشكيلية في بريطانيا هذا العام كان يتوقع الفوز، فهو على العكس أعرب عن اندهاشه من فوزه بالجائزة، لأنه يدرك بأنه يجدف ضد تيار سائد وثقافة مسمومة يجري تسويقها بعد اضافة الحلوى لها.
إنها مناسبة أخرى للتذكير بالحرب الدائرة بين غربين، غرب استعماري مدرب على القرصنة، والهيمنة وانتهاك المصائر، وغرب يشهد ويدين ويدافع عن حضارة معرضة للتزوير والتجيير لمصلحة الجنرالات وأمراء الحروب وسماسرة الدم.
إننا نخجل أحياناً من مواقف يتخذها مثقفون غربيون إزاء قضايانا العربية، ونخشى أن ينوب عنا هؤلاء في الدفاع عما تبقى منا من آدمية، فنكون قد خسرنا الجغرافيا والتاريخ معاً، وتحولنا الى أمة من اللاجئين على قارعة العالم.
يبقى أن نقول إن فوز هذا الفنان البريطاني بجائزة كبرى عن لوحة تدين الحرب على العراق، يجب أن يتحول إلى رسالة لعرب يراهنون ان فوزهم بالجوائز الكبرى مقترن بالخيانة والتخلي واسترضاء الأعداء
الدار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
جوائز مضادة .. خيري منصور
