هيئة علماء المسلمين في العراق

فهم الشخصية الأمريكية ...د. عدنان بومطيع
فهم الشخصية الأمريكية ...د. عدنان بومطيع فهم الشخصية الأمريكية ...د. عدنان بومطيع

فهم الشخصية الأمريكية ...د. عدنان بومطيع

هذا كتابٌ يجب أن يقرأه كل من يريد يكتب عن أمريكا، وكل من يريد أن يدرس فيها أو يهاجر إليها أو يعمل أو يتعامل مع الأمريكيين. وأقترح أن يُعتمد هذا الكتاب في المعاهد الدبلوماسية العربية، وأقسام العلوم السياسية والإعلامية في الجامعات العربية. إنه وبدون مبالغة، دليلٌ عمليٌ لفهم هذا الغول الكبير الذي يُسمى "الولايات المتحدة الأمريكية".

عنوان الكتاب "الشخصية الأمريكية"، لمؤلفه الدكتور المهندس باسم خفاجي (2005). وهو مهم من عدة وجوه، فمؤلفه أستاذ جامعي مصري عاش بين الأمريكيين 18 عاماً، درس بينهم، ودرّس لهم وعمل في قطاعات كثيرة، ثم أخذ جنسية البلد. ولاشك أن مكوثه الطويل بين ظهرانيّ القوم قد جعله يستكشف تفاصيل دقيقة في بنية المجتمع والنظام الأمريكي. وهذا يجعل التوصيف الذي يقدمه المؤلف من العمق ما يجعل الكتاب وثيقة ذات مصداقية عالية.

إنه يفسر طبيعة هذا البلد المستعصي على الفهم العربي والمليء بالمتناقضات. بلد يعتبر نفسه حامي الحرية في العالم، لكنه يحتل بالقوة قارات بكاملها. يدعو للديمقراطية، لكنه يدعم أقسى الديكتاتوريات الاستبدادية ويطيح بالأنظمة المخالفة لمزاجه. أمة منغلقة على نفسها لكنها جعلت العالم بأسره يأكل كما تأكل، وتلبس ما تلبس، وجعلت أمم الأرض تعيش النموذج الأمريكي الصناعي على اختلاف الثقافات والخلفيات. لقد أوجد الأمريكيون منهج حياة جديد مبهر ومسيطر في هذا الطور من تاريخ البشرية.

أمريكا جعلت من عملتها نقداً عالمياً مقبولاً في كل مكان. ومواطنها يذهب إلى أي زاوية في الأرض محمياً بكل ضمانات الأمن والرعاية. إنها البلد الأوسع ثراءً، والأقسى قوة عسكرية، والأكثر تقدماً تكنولوجياً في جميع الميادين، والأعلى صوتاً إعلامياً.

ولأن الشرق الأوسط الذي نعيش فيه من الأهمية بمكان في تفكير وتخطيط أصحاب القرار الأمريكي، فقد كان لزاماً أن نعرف من يكون الأمريكي؟ وكيف يفكر؟ وما هي مكوناته الفكرية والتاريخية والنفسية؟. وهذا ما يرسمه الكتاب في فصوله الستة المكتوبة بلغة ثرية بالتحليل والرصد، مفعمة بالشواهد، وغنية بالإحصائيات والدراسات وأقوال الخبراء والمفكرين.

يقدم الكتاب وصفاً دقيقاً لشخصية المجتمع الأمريكي، ومراحل تكونه عبر موجات الهجرة المستمرة منذ اكتشاف القارة وحتى اليوم. الحروب الأهلية والصراعات التي كونت المزاج والعقلية الأمريكية. ودور الدين والعرق وموقع اليهود، مع عرض موازنة علمية بين الفرد الأوروبي، وهو المكون الأساسي الموحد لأشتات المهاجرين، وبين الفرد الأمريكي الحالي.

ويركز الفصل الرابع على ملامح الشخصية الأمريكية، فهي لديها شعور بالفردية والمصلحية والاستثنائية والرغبة بالتوسع وتقديس العمل والاعتماد على الذات. إنها شخصية متناقضة ميّالة للعنف. وهذا العنف محميٌ بنصوص الدستور الأمريكي الذي يجيز حمل السلاح وتكوين المليشيات المسلحة وامتلاك العتاد الفتاك. وحياة الأمريكي سريعة الإيقاع قاسية في التعامل مع الأعداء مبهورة بالقوة نفعية جاهلة مقطوعة النسب فلا يسألون ابن من أنت. شرهة محبة للاستهلاك، وفيها من الأسواق ما يفوق عدد المدارس. وبالرغم من هذا الخليط المعقد فهي شخصية كريمة مرحة بسيطة محبة للعمل الخيري وقابلة للنقد والإصلاح الذاتي.

يقول المؤلف: " الشخصية الأمريكية خليط من الصفات السلبية والايجابية. وحُسن فهم هذه الشخصية ومعرفة مزاياها يمكن أن يساهم بشكل مهم في وضع التصورات العملية في كيفية التعبير عن قضايانا لدى المجتمع الأمريكي ودفعه في اتجاه خدمة قضايا الأمة، وذلك أفضل بكثير من الانتظار الفارغ لموعد انهيار أمريكا ".

الكتاب من التوازن والعقلانية بحيث لا يدعو إلى تدمير أمريكا، بالرغم مما فعلت وتفعله فينا وفي شعوبنا العربية، بقدر ما هو دعوة إلى الاستفادة من التجربة الإنسانية التي أضافتها الولايات المتحدة إلى مسيرة البشرية منذ مائتين سنة وحتى الآن


المقلات المنشورة تعبر عن راي كاتبيها

أضف تعليق