هيئة علماء المسلمين في العراق

الانسحاب الأمريكي من العراق والسيناريو الهندي-السيد ولد أباه
الانسحاب الأمريكي من العراق والسيناريو الهندي-السيد ولد أباه الانسحاب الأمريكي من العراق والسيناريو الهندي-السيد ولد أباه

الانسحاب الأمريكي من العراق والسيناريو الهندي-السيد ولد أباه

اعتبر المفكر السياسي الفرنسي جاك اتالي، ان السيناريو الجاري حاليا في العراق ليس هو السيناريو الأمريكي في فيتنام كما يظن عادة، بل هو اقرب للمشهد البريطاني في الهند في الأربعينات. فالفرق بين الحالتين هو أن الحرب الأمريكية في فيتنام كانت في حقيقتها دعما لجيش وطني ضد جيش وطني آخر، في حين أنها في العراق اصطفاف بين طوائف متصارعة، للحيلولة دون تفكك البلد المحتل الذي يقف على شفا حرب أهلية طاحنة. عرفت الهند في السنوات الأخيرة من الاحتلال البريطاني الوضع ذاته، فدفعت غاليا ثمن سياسة التقسيم الطائفي التي انتهجها المستعمر الانكليزي الذي قوض قرونا طويلة من التعايش السلمي بين مكونات شبه القارة الهندية. ويرى اتالي أن الرئيس الأمريكي بوش يواجه اليوم نفس المأزق الذي واجهه مونتباتن في الهند: إما الانسحاب المذل وترك البلاد للتطهير العرقي والتفتيت أو البقاء المكلف الذي يؤدي إلى الهزيمة الحتمية. اختار الانكليز الانسحاب بعد التحول الداخلي، الذي نجم عن الانتخابات التي أزاحت الزعيم المحافظ تشرشل، وانتصر فيها الوجه العمالي آتلي، فاندلعت الحرب الأهلية مخلفة مئات الآلاف من القتلى وملايين المشردين، ثم انقسمت البلاد إلى ثلاث دول، وكادت تتفكك إلى مئات الكيانات الطائفية الصغيرة.

هل سيتحقق المشهد ذاته في العراق بعد انتخابات 2008 التي يرجح أن يصل فيها الديمقراطيون للسلطة؟

يرجح آتالي انسحاب الجيش الأمريكي من العراق، بعد فوز الديمقراطيين الذين لا يخفون امتعاضهم من الحرب الخاسرة، ويرى أن المشهد المترتب على هذا الخيار هو الفتنة الطائفية المعممة والتفكك الحتمي بآثاره المدمرة إقليميا ودوليا.

يبدو من مؤشرات الوضع الأمني والسياسي العراقي ان السيناريو الذي يتحدث عنه آتالي واقع من دون شك، فالفشل الأمريكي في العراق لم يعد مدار خلاف، كما ان نذر التفكك والانقسام جلية للعيان.

الا ان الفروق بين التجربتين الهندية والعراقية كثيرة وأهمها ثلاثة تستدعي وقفة تنبيه:

ـ لم يكن الكيان الهندي قبل الاستعمار دولة وطنية منسجمة، وإنما شكل فضاء متنوعا حكمته امبراطوريات وممالك ذات حدود مرنة ومتقلبة.

والسمة الغالبة على هذا التنوع هي التعددية الدينية والعرقية التي انتظمت بحسب التوازنات التي أقامها النظام الهرمي الامبراطوري، فكان من الطبيعي ان تنفجر مع انهيار هذا النظام. ولقد وجدت في شكل الدولة القومية فرصة لتأكيد الخصوصية وحق الانفصال.

أي بعبارة أخرى، لقد زرع الانكليز بذور تفكك الكيان الهندي التقليدي ببلورة مفهوم الدولة القومية المتجانسة التي، إن أدت وظيفة إدماجية توحيدية في أوروبا، فإنها أدت دورا معاكسا في السياقات الشرقية. فالحالة العراقية نفسها هي نتيجة مسار تفكك الخلافة العثمانية التي كانت على نفس النموذج الإمبراطوري الهندي.

ـ ليس من الصحيح ان الكيان الوطني العراقي مصطنع وليست له شرعية تاريخية، ومن الخطأ الانسياق وراء المعلومة المغلوطة الشائعة التي مفادها أن الدولة العراقية صنيعة انكليزية تعود لسنة 1921. فمن نافلة القول إن للهوية الوطنية العراقية جذورا بعيدة ضاربة في التاريخ وسابقة على تشكل الدولة الوطنية الحديثة التي استندت الى هذه التركة التاريخية. فعلى الرغم من تحولات الزمن، وتغير حدود الدول التي تشكلت في بلاد الرافدين، حافظت المنطقة بتنوعها العرقي والديني على إطار انتمائي جامع، ضمن تخوم جغرافية ثابتة هي سلاسل جبال طوروس شمالا وسلاسل جبال اكروس شرقا مع نهري دجلة والفرات في المركز.

وقد استند الاستعمار البريطاني في تأسيس الدولة الحديثة إلى الخرائط العثمانية القديمة التي تعود للعصور الوسطى ولم يدمجوا بين دول و كيانات قومية او طائفية متمايزة ومستقلة. وبالرجوع الى أعمال كبار المؤرخين الذين درسوا نشأة الدولة العراقية الحديثة مثل حنا بطاطو في عمله الموسوعي القيم عن الطبقات الاجتماعية ومجيد خدوري في دراساته للانتداب البريطاني وظروف الاستقلال وتشكل النظام السياسي، تتبين هذه الحقيقة التي كانت من البديهيات بالنسبة للطبقة السياسية، ولم يكن أوانها للعامل الطائفي أي دور معطل او معيق لانبثاق الوعي الوطني الجامع. وقد حاول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي دراسة ما سماه بالشخصية العراقية من خلال دراسة سوسيو ـ نفسانية لسلوك الإنسان العراقي ومنظومته القيمية، من دون ان يتبين فروقا نوعية بين مكونات المجتمع وفئاته.

ـ تقدم لنا التجربة الهندية درسا مهما هو ان الديمقراطية المستندة لمشروع تحرري وطني هي الملاذ من الفتنة والتفكك. ولقد حافظت الهند على وحدتها الوطنية المهددة من خلال المسلك الديمقراطي الوطني، في حين قوضت استراتيجية نشر الديمقراطية في ظل الاحتلال مقومات الوحدة الوطنية في العراق بالرهان على نهج التمثيل والتوازن الطائفي، الذي لم يأخذ من المسلك الديمقراطي سوى آلية الانتخاب العقيمة في مجتمعات متصدعة البنيان السياسي.


الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق