يعيش المتابع للإعلام العربى على مدار الأسبوعين الماضيين على وقع حديث يكاد يكون مكرورا فى محتواه، متطابقا فى أسلوبه ومبناه..
إنه حديث الصفقة الإيرانية- الأمريكية التى لا يبدو أن التحدث عنها يجانب الصواب فى شيء بعد أن اتّضحت معالمها من خلال عدة معطيات أبرزها التحول الدراماتيكى فى الخطاب المعتمد بين الطرفين من خطاب تهديد ووعيد نارى يصل حد تبادل السباب إلى خطاب مهادنة يدانى الغزل أحيانا.
وحتى التقرير الاستخباراتى الذى قالت الإدارة الأمريكية إنه فاجأها- والذى نحتاج لتصديق ذلك فى شأنه إلى التصديق أولا بأن المخابرات الأمريكية هيكل مستقل تماما عن البيت الأبيض وهو ما لا يستقيم منطقًا-..
حتى ذلك التقرير الذى تعمد تبييض صفحة إيران من تهمة السعى إلى التسلح نوويا ما هو فى النهاية سوى جزء من الصفقة المذكورة بل هو أحد ممهدات أرضيتها الأساسية.
ما يهم أكثر فى حديث الإعلام العربى عن الصفقة الإيرانية- الأمريكية هو أسلوب الخطاب المعتمد بشأنها والذى يتناول المسألة بطريقة العثور على سرّ خطير أو ضبط سرقة ما، أو لنقلْ اكتشاف خيانة من طرف مرتبط مع أمة العرب بالتزام ما.
فيما الحقيقة على طرف نقيض من ذلك فإيران لم يكن تدخّلها فى أى ساحة من ساحات العرب إلا على سبيل توظيف تلك الساحة واستخدامها كورقة ضغط إلى حين تتاح الفرصة فتستخدمها كورقة مساومة وهو ما حدث بالتدقيق فى الساحة العراقية حيث ظلت طهران تضغط من خلال نفوذها هناك على الطرف الأمريكى إلى أن أتيحت لها فرصة المساومة والمقايضة فكانت الصفقة المذكورة.
واللوم لا يعود فى هذه الحالة على إيران بل على من يقبلون أن تتحول ساحة أمّتهم إلى ورقة مساومة بيد جيرانهم، بل أن تتحول دماء أبنائهم إلى أسهم يستخدمها الغير فى بورصة السياسة الدولية.
إن الصفقة- أيّ صفقة- تتطلب وجود طرفين يمتلك كل منهما قدرا من القوة يحسّن به شروط تفاوضه.
فمن أين لإيران بمثل هذه القوة التى وقفت بندية فى وجه أقوى قوى العالم؟
قوة إيران بعضها ذاتى بجهد سياسى وقدرة على المناورة، لكن مأتى أغلب القوة الإيرانية ضعف العرب الذى تجلى فى انسحابهم الكامل من الساحة العراقية وفتحها أمام اللاعب الإيرانى يمارس فيها شتى الألعاب.
فهل يعقل أن إيران الخارجة منذ زمن غير بعيد من حرب طاحنة مع العراق تستطيع بمفردها أن تعيد بناء قوّتها بما يتيح لها المساومة وعقد الصفقات بينما يعجز العرب مجتمعين عن امتلاك أى سبب من أسباب القوة التى تتيح لهم الاعتراض ولو مرّة واحدة على المواقف والأعمال الأمريكية المضادة تماما لمصالحهم فى العراق وفلسطين وفى ساحات عربية أخرى على قائمة التشظية والتفتيت.
إن قدَر من لا يمتلك شروط المساومة وعقد الصفقات أن يتلقى الصفعات.. وهو شأن العرب إلى أن يفيقوا من غفوتهم الحضارية الراهنة.
العرب اونلاين
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
الصفقة لإيران.. والصفعة لسواها-زهير بن صادق دراجي
