حتى يتحقق القارئ العزيز من الأمر، أي أن يصل وبشكل موضوعي إلى استنتاج مؤكد، ويجيب على مثل هذا التساؤل المطروح بنفسه : هل هناك حقيقة تحسن أمنى في العراق أم أن الأمر كله لا يعدو عن كونه إشاعة مغالطة ومغرضة لذر الرماد في العيون عن رؤية الخراب اليومي والشامل، ورؤية حقيقة ان مسببي الجرائم الجنائية الإجرامية المنظمة،
والقتل المجاني والمستهتر للمدنيين العزل، وسياسة الترويع بالتفجير والتفخيخ، هم أنفسهم المحتلون وفرقهم الخاصة ومرتزقتها من عراقيين وأجانب، انهم أنفسهم ازلام عصابات وميليشيات الأحزاب الطائفية والعرقية، وهم أنفسهم من يتحكم بمصباتها وحجم مصائبها، وعندما يخففون من وطأتها فإنما يفعلون ذلك لغرض معاكس يريدوه، وكأنهم يريدون الترويج لإشاعة خسيسة تقول: ان من يعاديهم ويقاومهم هو المسؤول عن الأفعال المشينة تلك، والتي ارتكبوها هم وما يزالون! هذه الإشاعة القذرة لا تختلف في جوهرها عن أخواتها السابقات من الإشاعات المغرضة والتي ثبت فعليا كذبها كإشاعة أسلحة الدمار الشامل في العراق، وإشاعة تحرير العراق، وإشاعة زرع الديمقراطية فيه، وإشاعة لا مصلحة نفطية أو إسرائيلية في الحرب عليه واحتلاله، وإشاعة لا وجود لمقاومة عراقية تتصدى للمحتلين؟ في البدء اسقط الاميركان كل جرائمهم على أكتاف الزرقاوي، وبعد أن تخلصوا منه كما أعلنوا هم أنفسهم، راحوا يعلنون ان القاعدة تتكاثر وهي المسؤولة عن الفوضى الأمنية! ومعروف انهم في حروب مخابراتهم التي خاضوها في بلدان أمريكا اللاتينية الثائرة كانوا قد استخدموا ذات الأسلوب أي ترويع المدنيين الأبرياء ثم إلصاق التهم بالثوار، لغرضين أساسيين أولهما لإجبار المدنيين على اللجوء التلقائي لطلب الحماية، حتى لو كانت من المحتلين أنفسهم أو شرطتهم، وثانيهما لإبعاد المدنيين عن الانخراط بصفوف المقاومين والثوار، أي تسويد صورة المقاومين أمام المدنيين ومن ثم جر المدنيين للتعاون مع المحتلين وأعوانهم، ومعروف أيضا ان نغروبونتي هو واحد من اشهر خبرائهم المتمرسين في هذا المجال، وفعلا جرى استخدامه في العراق لهذا الغرض الخبيث! لقد اعترف العديد من رموز ما يسمى برجال الصحوة أنفسهم انه ليس للقاعدة في مناطقهم تنظيمات بالقوة والتضخيم الذي يرد على لسان الاميركان، انهم جماعات مقاتلة صغيرة يمكن لاي قوة منظمة ومدربة أن تحاصرهم وتنهيهم، فالعراق ليس أفغانستان، لكن كانت هناك مصلحة أمريكية في تركهم، واعترف بعضهم وعلنا أيضا أن هناك مقاومة عراقية أصيلة وقوية، وهم يسمونها بالمقاومة الشريفة وهي من أذاق الاميركان الأمرين وما تزال، ولا هم لها غير مقاتلة الاميركان وخلاص البلاد، ومن الأمثلة الموثقة في هذا الإطار : حديث مفصل لعلي حاتم أحد رجال الصحوة في الرمادي حول هذا الموضوع، اذيع من قناة الفرات العراقية! هل يعقل ان تتزايد أعداد الإصابات بين الاميركان حتى تصل إلى حدود 17 ألف إصابة، فقط خلال هذا العام من اصل 55 ألف إصابة بين قتيل وجريح ومعوق ومجنون منذ 9 نيسان 2003 وحتى الاَن حسب مصادر الحزب الديمقراطي صاحب الأغلبية في الكونغرس الأمريكي ثم يأتي من يقول إن قلة أعمال التفخيخ والتفجير بين المدنيين، هي دليل على انحسار المقاومة؟ فما علاقة هذه بتلك؟ ان محاولة التغطية على الفشل في إنهاء مقاومة شعبنا الباسلة باتهامها زورا وبهتانا بالجرائم ذاتها التي يرتكبها المحتل ذاته وأعوانه، والتي يعمد حاليا لتخفيفها تكتيكيا، هي دليل اخر على عقم سياسته وعمق مأزقه، وعلى قرب نهايته! لقد ظهرت قاعدة جديدة في قائمة الاتهام الأمريكي غير الزرقاوي والقاعدة والجماعات المتمردة، أنها لائحة الإرهاب الإيراني، فقد اتهم الاميركان إيران بتفجير سوق الهرج الأخير، ونحن هنا لا ننفي ولا نؤيد ذلك فكل الاحتمالات قائمة، والذي يجري بالبصرة وغيرها ليس بحاجة لدليل، ولكن لماذا لا يكون الأمر مدبر أمريكيا لاتهام إيران فالوضع يسمح للطرفين بارتكاب جرائم وتنسيبها للاَخر في عراقنا المستباح؟ تفجيري سامراء مثلا، مازالا عليهما الفي علامة استفهام، والجهتين المستفيدتين من تداعياتهما هما أمريكا وإيران! فالجرائم المصنعة أمريكيا متوفرة وحسب الطلب، وكذلك التهم جاهزة وحسب الطلب أيضا، وإشاعة اللغط أيضا مهارة يجيدها رجال ال ’’سي اي اية’’ في العراق وغيره! الأمن مفهوم استراتيجي ويعني الحصانة الواقية من الأضرار بمختلف أشكالها، فعندما تؤمن على حياتك هناك شروط يجب ان تتوفر، وعند توفرها ستكون مشمولا بالرعاية التأمينية، والأمن متعدد الأوجه ومنه الأمن الشخصي والأمن الاجتماعي والأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن التعليمي والأمن الخدمي والأمن الصناعي والأمن البيئي والأمن السياسي والاقتصادي وهكذا، فالأمن إذن هو مستوى من الضمان الكلي والجزئي وبمعدلات تكفل الحد الوسطي لاستقرار وتنمية المجتمع، من خلال شكل عقده مع دولته، ومن خلال قوة مؤسساته واستقلاليتها، كدولة وكمجتمع مدني الأحزاب والنقابات والاتحادات، والصحف والإعلام والجمعيات الخيرية فأين الأمن في العراق من هذا كله؟ هل الدولة في العراق حرة ام محتلة؟ هل مؤسسات الدولة فيه حرة ومستقلة؟ هل هناك فعلا مؤسسات للمجتمع المدني حرة ومستقلة؟ اترك الإجابة للقارئ نفسه. كيف نقول إن بلادا يتحسن الأمن بها وما زل الفرار منها بتزايد جنوني، ومازالت البطالة الفعلية فيها تصل إلى نسبة 80 %، والفساد فيها شامل ويزداد شمولا، بلاد لا يعمل فيها اي من مبادئ الإدارة الضامنة، ولا شيء يذكر من مبادئ تكافؤ الفرص ، بلاد السجون فيها مليئة بالمناضلين المقاومين أما المجرمين وشذاذ الاَفاق ومزوري الشهادات فهم حكام وقضاة، وأي قضاة؟ لقد عينوا خصيصا ليعيثوا بأرض العراق فسادا! عن اي أمن يتحدث أصحاب ’’خطة فرض القانون ’’ في بلاد أساس مشكلتها انه ليس فيها قانون؟ فللمحتل قانونه ولحكومة الدمى قانونها وللميليشيات قوانينها، واللانفصاليين في الشمال قوانينهم، ولكل مقاول من مقاولي العملية السياسية قانونه! أي أمن وأي ضمان عندما لا يملك المجتمع والدولة أي حق في محاكمة من يرتكب جريمة قتل جماعية بحق المدنيين؟ حيث هناك قانون أمريكي يمنع اي جهة عراقية من محاسبة او محاكمة مرتكبي جرائم الحرب في العراق وهذا القرار يشمل شركات الحماية الخاصة أيضا! تحسن أمنى ويوميا يقتل الاميركان من الأبرياء في بغداد وغيرها من مناطق العراق ما لا نعرفه من الأعداد ثم تظهر الجثث بعد حين تطوف على مياه دجلة! ؟ ساحة النسور تشهد، ومجزرة المحمودية تشهد، ومذبحة حديثة تشهد، والفلوجة تشهد، وتفجير جسر الصرافية يشهد، وما خفي كان اعظم واشد! لا أمن حقيقي وشامل إلا بزوال الاحتلال وعمليته السياسية وانبثاق عراق حر مستقل قوي بدولته ومؤسساتها الفاعلة، عراق لا وصاية لأحد عليه ولا قواعد عسكرية أجنبية فيه، عراق لا مكان فيه لدويلات الطوائف والأعراق، عراق سيد وحيد على ثرواته وعلى مستقبله، ولن يكون غير شعبه الأصيل المرابط بمقاومته الباسلة المتوهجة نورا لشعبها ونارا على محتليه، وكيل وكفيل في تحقيق هذه الأهداف الوطنية.
اخبار العرب الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
التحسن الأمني في العراق إشاعة رخيصة وباهتة! -جمال محمد تقي
