يركز جورج بوش الان على ارثه.. وبعض من هذا الارث يكمن في جهوده لاطلاق عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية التي كان قد تجاهلها طيلة سبع سنوات.. غير ان العنصر الاساسي في ارث بوش على ما يبدو هو انه يريد ان يجعل سياسته في العراق هو التثبيت الدائم للادارة الاميركية هناك.
مؤخرا وقع بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على اعلان يتعهدان فيه بانه يمكن للحكومتين ان يضعا موضع التنفيذ معاهدة سياسية وامنية طويلة الاجل في وقت ما في العام المقبل.. وفي موجز كشف فيه الجنرال دوجلاس ليوت مسئول شئون حرب العراق في البيت الابيض النقاب عن هذه المعاهدة اوضح ان الوجود الاميركي في العراق من حيث الحجم والشكل سوف يكون قضية اساسية للتفاوض بين الجانبين العراق والولايات المتحدة في العام المقبل.
بالتأكيد في الغالب فان ما سيدفع من اجله بوش هو قواعد اميركية دائمة في العراق يتم الاتفاق عليها في معاهدة يمكن التوقيع عليها قبل اشهر قليلة من تركه منصبه. وهنا وكما يقال في مثل هذا الحالات يكون الجزء الجميل حيث انه عندما يهتم بوش فانه لن يسعى الى الحصول على تصديق من الكونجرس على هذا الالتزام المستمر بالقوة الاميركية والاموال والارواح.. وقال ليوت: لا نتوقع الان ان هذه المفاوضات ستؤدي الى حالة معاهدة رسمية يمكن ان تضعنا امام مفاوضات رسمية او موافقة رسمية من الكونجرس. ان الادارة الاميركية تنظر في التوقيع على معاهدة وضع قوات وهي معاهدة تتطلب تصديق مجلس الشيوخ اذا تم تصنيفها بوصفها معاهدة وليس بتصنيفها بانها اتفاق تنفيذي. ولا يحتاج المرء كثيرا من الجهد في التفكير في أي من هذين التصنيفين سيتجه البيت الابيض بزعامة بوش.
غير انه اذا حاول بوش حبس الرئيس المقبل في قواعد اميركية دائمة في العراق فانه ربما يحبس ديمقراطيا بوصفه رئيسا مقبلا. ومن المفارقات انه عندما لا تبدو الاحداث على الارض في العراق كارثية كما كان حالها قبل 6 اشهر من الان فان جهود بوش في تحقيق وجود اميركي دائم يمكن ان تلف حبلا غليظا حول رقبة الرئاسة الجمهورية والمرشحين للكونجرس.
حيث سوف يكون الدفاع عن قواعد اميركية دائمة في العراق امرا بالغ الصعوبة بالنسبة للجمهوريين في انتخابات العام المقبل. حيث ان هناك اختلافات رئيسية بين العراق ودول مثل المانيا واليابان وكوريا الجنوبية حيث تتمركز فيها قوات اميركية لاكثر من نصف قرن. فبالنسبة للمطلعين على الامور فان هذه البلدان تعيش في سلام داخلي ويتم الاعتراف بحكوماتها بوصفها حكومات شرعية من قبل مواطنيها. ولا يقوم اي فرد فيها بوضع عبوات ناسفة او يطلق النار على قواتنا او يختلف ويتنازع على صلاحية حكومته في الحكم.
لكن تخيل المأزق السياسي بالنسبة للمرشحين الجمهوريين لو ان بوش دفع بانه يستطيع ان يضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ دون الحصول على موافقة عليها من الكونجرس.
ان رئيسا ضعيفا وبنسبة موافقة عليه تبلغ 30% يمكن ان يدعي ان له الصلاحية بمفرده في ابقاء احتلالنا للعراق يستمر لسنوات قادمة مستبقا بذلك او مفتأتا على صلاحية كل من الكونجرس والرئيس المقبل في انتهاج مسار مختلف. ما الذي يمكن ان يقوله المرشحون رومني او جولياني او ماكين في ذلك؟ ما الذي يمكن للجمهوريين في الكونجرس ان يعملوه؟ حتى الان اثبتوا تماما انهم غير قادرين على الاختلاف بشكل واضح مع بوش بشأن الحرب.
من خلال التفاوض على مثل هذه المعاهدة يمكن لبوش ان يضمن في الواقع ان تصبح انتخابات 2008 هي اخر شيء يمكن للجمهوريين القيام حيث ستكون استفتاء على بوش وحربه. اذا كان خط الانقسام بين الحزبين هو ان احدهم يدعم بوش في العراق والاخر يعارضه فانه يمكن للجمهوريين اخذ هدنة ويقومون بترشيح ديك تشيني بوصفه حامل لوائهم في الرئاسة. باختصار ان ارث سياسة بوش يشكل تهديدا خطيرا اذا كنا نفترض انه يرغب في ان يكون ارثه السياسي هو حزب جمهوري قوي.
وانا افترض مقدما هنا ان الديمقراطيين لديهم الذكاء والاحساس من اجل معارضة معاهدة مع حكومة المالكي تلزم بان تبقى قواتنا موجودة بلا نهاية في بلد تتصارعه الطائفية. لقد نجح مرشحو الرئاسة البارزون في الحزب في ان يكونوا متكتمين وغير واضحين فيما يتعلق برؤيتهم النهائية لدور الولايات المتحدة في العراق. غير انه يجب على مفاوضات بوش ـ المالكي ان تركز التفكير الديمقراطي على فداحة ابقاء قوات اميركية بشكل غير محدد المدة في بلد سوف يستمر فيه عدم الاستقرار والحرب الاهلية الى أمد غير محدد ايضا.
ان الرئيس الذي شن حربا استباقية يريد الان ان يغلق الباب على احتلال استباقي. وفي هذه المرة وبدلا من شن حرب استباقية ضد دولة اجنبية فانه يسعى الى حرب استباقية ضد الكونجرس وخليفته. انها نتيجة منطقية لرئاسته المعتوهة والتعيسة، واشك ان الشعب الاميركي ـ اذا كان لديه اي قول في الامر ـ ان يحتمل ويصبر على ذلك.
النيويورك تايمز
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
إرث بوش.. وجود أميركي دائم في العراق-هارولد ميرسون
