هيئة علماء المسلمين في العراق

لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج 2- 2)
لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج 2- 2) لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج  2- 2)

لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج 2- 2)

واليك المناسك الأخرى والتي تأتي بعد الطواف.... 13)  الصفا والمروة.. وعودة التاريخ

الصفا والمروة اسما موضعين من المواضع التي تؤدَّى فيها بعض مناسك الحج والسعي بينهما. إن الحاج يمشي هنا وهناك كمن يبحث عن شيء، أو كمن يطلب ضالة، أو يسأل عن أمر من الأمور بواسطة السعي.
والحكمة في مشروعيته أن السيدة هاجر زوج الخليل- عليه الصلاة والسلام- حينما أعوزها الماء هي وابنها وفلذة كبدها إسماعيل- عليه السلام- في هذا المكان قامت تسعى وتطلبه ضارعة إلى الله- تعالى- أن يهديها إلى ماء تروي به ظمأها وظمأ ابنها؛ فانفجرت الأرض عن بئر زمزم التي رحم الله بها الملايين من الناس؛ حيث يستقي منها حجاج بيت الله الحرام إلى يومنا هذا.
فإذا سعى الحاجُّ بين الصفا والمروة فإنه يطلب بهذا السعي من الله- سبحانه وتعالى- أن ينقذه من مخالب العوز والاحتياج، وأن يرحمه برحمته الواسعة كما رحم السيدة هاجر وابنها بماء زمزم.
وأيضاً فإن هناك حكمة أخرى، وهي الاقتداء بالسيدة هاجر في طلب الرحمة والمعونة من الله- جلت قدرته- أولاً، وإحياء ذكرى هذه الحادثة التاريخية ثانيًا.
وقد ورد في القرآن الشريف قوله- تعالى-: "إنَّ الصفا والمروةَ من شعائرِ اللهِ فمنْ حجَّ البيتَ أو اعتمَرَ فلا جناحَ عليهِ أنْ يطوَّفَ بهما ومنْ تطوعَ خيرًا فإنَّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ" وقال -صلى الله عليه وسلم- "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" وهذه حكمة بالغة وحادثة تاريخية دينية.

14)  عرفة التاريخ والعبادة

سُمِّي عرفة بهذا الإسم؛ لأن الناس يتعارفون به، وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأن جبريل طاف بإبراهيم- عليه السلام- كان يريه المشاهد فيقول له: أَعَرَفْتَ؟ أَعَرَفْتَ؟ فيقول إبراهيم: عَرَفْتُ، عَرَفْتُ. وقيل: لأن آدم-عليه السلام- لما هبط من الجنة وكان من فراقه حواء ما كان فلقيها في ذلك الموضع؛ فعرفها وعرفته.
وعُرِفَ كذلك باسم عرفات، كما قال تعالى: "فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام".
وقال العمري: عرفات علم للموقف سُمِّي بجمع، وقال بعد أن أورد بعض الأقوال الواردة في سبب تسميتها بعرفة وعرفات: وهي من الأسماء المرتجلة؛ لأن عرفة لا تعرف في أسماء الأجناس.
واعلم أن هذا المكان كان الأنبياء- عليهم الصلاة السلام- يؤمنون ويعبدون الله- تعالى- فيه، وتوارث عنهم ذلك من بعدهم، والاقتداء بسنة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أصل أصيل في باب التوقيت، وأيضاً وقوف المسلمين عليه يلبون ويلتمسون من خالقهم- جل وعلا- غفران الذنوب ومحو الخطايا أدعى إلى رحمة الله بهم وإجابة دعائهم في هذه الأوقات، وهذه الأزمان التي فارقوا فيها الأهل والأوطان وأتوا إليها ممتثلين أمر رب العالمين.

15)  أسرار المبيت بالمزدلفة

إن الحاج يظل سائرًا طول يومه وهو قاصد مِنى؛ فلأجل أن يعطي نفسه قسطًا من الراحة ويزيل عنه مشقة وعثاء السفر أمره الشارع بالمبيت في المزدلفة رحمةً به وشفقةً عليه. ودين الله يسر لا عسر، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

16)  أسرار النزول بمِنى

اعلم أنه كان للجاهلية عوائد أقرها الإسلام بعد تطهيرها مما لا يوافق الدين الحنيف، ومن هذه العوائد اجتماعهم بمِنى، وهو مكان كانوا يقيمون فيه سوقًا يسمُّونه باسمها كسوق عكاظ وذي المجاز والمجنة.
كان العرب يجتمعون بمِنى؛ فيتفاخرون بالأنساب، والأحساب، والعشائر، ويتناشدون فيه الأشعار، ويتبارون في مضمار الفصاحة والبلاغة، وكانوا يقصدونه من الأماكن النائية للشراء، وغير ذلك من الأمور التي تُقَام لأجلها الأسواق.
ولما كان مثل هذا الاجتماع فيه منفعة للناس أقره الإسلام؛ ولكنه أبدل التفاخر بالأحساب والأنساب بذكر الله- تعالى- والتسبيح؛ حيث يقول الله في كتابه العزيز : "فَاذكُرُوا اللهَ كذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو أشدَّ ذكرًا".
ولا يخفى أيضاً أن اجتماع الحجاج في هذا المكان، وإقامتهم شعائر الدين، وتبادلهم المنافع المادية والأدبية أدعى لإظهار عظمة الدين وشوكة الإسلام في عيون أعدائه، هذا فضلاً عن الائتلاف والتعارف والتواد بين المسلمين المختلفي الأجناس كما بينا في غير هذا الموضع.
وبالجملة فإن النزول بمِنى على هذه الصورة وهذه الكيفية هو معرض من أكبر المعارض التي قامت في العالم أجمع. يبهر عقول هؤلاء الذين يسيئون إلى المسلمين في دينهم؛ لأنه جمع بين فائدتين عظيمتين: فائدة الدنيا، والدين. وهذا من الحِكَم البالغة التي يقف عندها العقل.

17)  أسرار الوقوف بالمشعر الحرام

الحكمة فيه أن العرب في جاهليتهم كانوا يجتمعون في هذا المكان وتدور بينهم المناظرات والمحاورات في الفخر بالأحساب والأنساب على مناظريهم في الشرف، وغير ذلك من الأمور التي يفخر بها الإنسان.
فلما جاء الإسلام أبدل الشارع وقوفهم بهذه الكيفية وهذه الصورة بوقوفهم ذاكرين الله تعالى ممجدين خالقهم. وهم بذلك يُظهرون شرفهم وفضلهم على المشركين، ويُبيِّنون لهم ألاَّ شرف إلاَّ شرف الإسلام وألاَّ مجد إلا بالإسلام، وهي حكمة جليلة.

18)  أسرار رمي الجمرات

رمي الجمرات يُقصَد به رجم إبليس- لعنه الله.
والحكمة في ذلك أن أبانا الخليل- عليه السلام- وسوس إليه الشيطان في هذا المكان الذي يرمي فيه الحاج الجمرات؛ فرجمه.
ولما كان إبليس عدوا للمسلمين وللناس أجمعين، ويريد إيقاعهم في المعاصي، وارتكاب ما يفسد عليهم حجهم، ويوسوس إليهم كما وسوس إلى الخليل- عليه السلام- لتغيظه من نزول الرحمات الوافرة على الحجاج؛ شرع رمي الجمرات اقتداء بالخليل- عليه السلام- وإرغامًا لأنف إبليس- عليه لعنة الله- حتى يقطع الأمل من إطاعة الحاج له وانقياده إليه، وكل ذلك حِكَمٌ بالغة.

19)  أسرار الهدي

الحكمة في ذلك هي الاقتداء بسيدنا إبراهيم الخليل- عليه السلام- إذ أمره الله في المنام بذبح ولده إسماعيل- عليه السلام- فأطاعه ثم فداه الله بذبح عظيم.
وفي هذا حكمتان: الأولى، إظهار تمام الطاعة للخالق- جل وعلا- حتى ولو أمرنا بذبح أولادنا، الثانية القيام بشكر الله- تعالى- لنعمة الفداء؛ حيث يجعل الذابح من الذين يتصدقون مما أنعم الله به عليه، ولم يجعله من الفقراء الذين يستحقون الصدقة، وهي كما لا يخفى نعمة كبرى.
فالحاج إذا فعل ذلك يكون في أسمى منزل الرفعة؛ لأنه لا منزلة في طاعة الإنسان لمولاه أرقى من كونه يطيع الله في كل أمرٍ أمرَهُ به.
وإنما وجب الهدي على المتمتع والقارن؛ لأنهما كانا ممنوعين بسبب تحريف الجاهلية، وهو أيضاً بمثابة شكر الله- تعالى- على تلك النعمة الحاصلة برفع هذا الإصر وهي حكمة بالغة.

20)  الحلق إزالة الشعث

الحلق تأكيد وتحقيق بانتهاء مدة الإحرام، وهو مقدَّم على طواف الوداع. والحكمة فيه أن الحاج إذا أراد الانصراف بعد أداء المناسك ينبغي له أن يودِّع البيت الحرام، وبما أنه من المكانة والإجلال كما تعلم، كان من الأدب أن يودِّعَه في حالة النظافة وإزالة الشعث؛ لأن الخادم إذا أراد أن يودِّعَ سيده ودَّعه وهو في أحسن زي وأجمل هندام. فكيف بمن يودع من هو أكبر منزلةً وأرفع درجةً؟!.

21)  أسرار طواف الوداع

إن الحاج إذا أدى فريضة الحج، وقضى مناسكه، وعزم على الرجوع إلى وطنه، ودع البيت الحرام كما يودع الوفود مَن وفدوا عليهم عند رجوعهم إلى مواطنهم، وفي هذا إعظام وإكبار للبيت الحرام، وإظهار لمحبتهم إيَّاه.
وهم في حالتهم هذه يشيرون إلى أن هذا الطواف المحسوس عنوان على الطواف المعنوي؛ أي أن الجسم الذي هو في عالم الشهادة مثال لطواف القلب، وأن البيت الذي هو في عالَم الوجود إشارة إلى ذي الملكوت؛ فالقلوب تطوف حول الكعبة المشرَّفة إعلانًا على تعلقها بها، وحبها لها، والغاية كلها تعلقها بحضرة رب هذا البيت، وعلى هذا يكون الحاجُّ قد بدأ حجه على هذا الوجه المشروع؛ ليكون العمل مقبولاً، والأجر وافرًا، والمناسك قد أُدِّيَت على أتم نظام وكمال.

22)  المدينة المنورة .. أنوار وأشواق

تأتي اللحظة المرتقبة التي طال انتظارها واستبد الشوق للوصول إليها،إنها لحظة الوصول إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وجعل إليها هجرته، وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه - عز وجل - وسنته، وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله - عز وجل -. ثم جعل تربته فيها وتربة وزيريه القائمين بالحق بعده - رضي الله عنهما - ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تردداته، وتذكر مشيه وتخطيه في سككها، وتصور خشوعه وسكينته في المشي، وما استودع الله - سبحانه - قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه، وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته. ثم تذكر ما منّ الله - تعالى - به على الذين أدركوا صحبته وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه، وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه - رضي الله عنهم - ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر، وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة، وقد حيل بينك وبين قبوله إياك لسوء عملك، كما قال صلى الله عليه وسلم: "يرفع الله إليَّ أقوامًا فيقولون: يا محمد، فأقول: "يا ربِّ أصحابي". فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول بُعدًا وسحقًا" [متفق عليه]. فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه بعدولك عن حجته. وليعظم مع ذلك رجاؤك ألا يحول الله - تعالى - بينك وبينه أن رزقك الإيمان، فما أجدرك بأن ينظر الله - تعالى - إليك بعين الرحمة ! فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها الله - سبحانه - لنبيه -صلى الله عليه وسلم - ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة. وأن فرائض الله - سبحانه - أول ما أقيمت في تلك العرصة. وأنها جمعت أفضل خلق الله حيًّا وميتًا فليعظم أملك في الله - سبحانه - أن يرحمك بدخولك إياه فادخله خاشعًا معظمًا، وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن!

23)  بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذا كانت اللحظة التي يدخل فيها الحاج والمعتمر إلى المدينة المنورة تملك عليه مشاعره وأحاسيسه فإن اللحظات التي يقف فيها المرء بين يدي الهادي البشير تكون من أكثراللحظات تأثيرا في نفسه فينبغي أن تقف بين يديه وتزوره ميتًا كما تزوره حيًّا، ولا تقرب من قبره إلا كما كنتَ تقرب من شخصه الكريم لو كان حيًّا. وكما كنتَ ترى الحرمة في ألا تمس شخصه ولا تقبله؛ بل تقف من بعد مائلاً بين يديه فكذلك فافعل، فإن المس والتقبيل للمشاهدة عادة النصارى واليهود. وأحضر عظيم رتبته في قلبك فقد روي عنه –صلى الله عليه وسلم- "أن الله –تعالى- وكَّل بقبره ملكًا يبلغه سلام مَن سلم عليه من أمته" [أخرجه النسائي وابن حبَّان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام".] هذا في حق مَن لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقًا إلى لقائه، واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة؟
وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "من صلَّى عليَّ مرةً واحدةً صلَّى الله عليه عشرًا" [أخرجه مسلم] . فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور لزيارته ببدنه؟ ثم ائت منبر الرسول –صلَّى الله عليه وسلم- وتوهم صعود النبي –صلَّى الله عليه وسلم- المنبر، ومثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار –رضي الله عنهم-، وهو- صلى الله عليه وسلم- يحثهم على طاعة الله –عز وجل- بخطبته، وسل الله –عز وجل- أن لا يفرق في القيامة بينك وبينه.
فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج. فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن والهم والخوف، وأنه ليس يدري أقُبِلَ منه حجُّه، وأُثبِتَ في زمرة المحبوبين، أم رُدَّ حجُّه، وأُلحِقَ بالمطرودين؟ وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله؛ فإن صادف قلبه قد ازداد تجافيًا عن دار الغرور، وانصرافًا إلى دار الأنس بالله -تعالى- ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع فليثق بالقَبول؛ فإن الله -تعالى- لا يقبل إلا مَن أحبه؛ ومَن أحبه تولاه، وأظهر عليه آثار محبته، وكف عنه سطوة عدوه إبليس- لعنه الله-. فإذا ظهر ذلك عليه دل على القَبول، وإن كان الأمر بخلافه؛ فيوشك أن يكون حظه من سفره: العناء والتعب نعوذ بالله -سبحانه وتعالى- من ذلك.

نسأل الله تعالى  أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال .. وحج مبرور... وسعي مشكور .. وذنب مغفور..وتجارة لن تبور....
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين



اسلام أون لاين

أضف تعليق