هيئة علماء المسلمين في العراق

لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج 1- 2)
لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج 1- 2) لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج  1- 2)

لبيك اللهم لبيك (أسرار مناسك الحج 1- 2)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.وبعد : لكي نسنشعر المناساك ونعيشها بخشوع وطمانينة فالواجب علينا ان نتعرف لبعض الشيء على أسرار تلك المناسك . 1)  الطريق إلى أرض الحجاز

عندما يغادر الحاج بلده إلى الأراضي المقدسة يدرك أنه فارق الأهل والوطن متوجهًا إلى الله -عز وجل- في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا، فليحضر في قلبه أنه ماذا يريد، وأين يتوجه، وزيارة من يقصد؟!
وأنه متوجه إلى مَلِك الملوك في زمرة الزائرين له الذين نُودُوا فأجابوا، وشُوِّقُوا فاشتاقوا، واستُنهِضوا فنهضوا، وقطعوا العلائق وفارقوا الخلائق، وأقبلوا على بيت الله –عز وجل- الذي فخَّم أمره، وعظَّم شأنه، ورفع قدره؛ تسليًا بلقاء البيت عن لقاء ربِّ البيت إلى أن يُرزَقُوا منتهى مناهم، ويسعدوا بالنظر إلى مولاهم. وليُحضِر في قلبه رجاءَ الوصول والقَبول، لا إدلالاً بأعماله في الارتحال ومفارقة الأهل والمال، ولكن ثقةً بفضل الله -عز وجل- ورجاء لتحقيقه وعده لمَن زار بيته، وليَرْجُ أنه إن لم يصل إليه وأدركته المنية في الطريق لقي الله -عزَّ وجل- وافدًا إليه إذ قال- جلَّ جلاله-: (ومَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) [النساء: 100]

2) الوصول إلى الله تعالى 

لا وصول إلى الله - سبحانه وتعالى - إلاَّ بالتنزه عن الشهوات، والكفِّ عن اللذات، والاقتصار على الضرورات، والتجرد لله - سبحانه - في جميع الحركات والسكنات، فلما اندرس ذلك، وأقبل الخَلْق على اتباع الشهوات، وهجروا التجرد لعبادة الله - عز وجل - وفتروا عنه، بعث الله - عز وجل - نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لإحياء طريق الآخرة، وتجديد سنَّة المرسلين في سلوكها؛ فلما سُئِلَ عن الرهبانية والسياحة في دينه قال –صلى الله عليه وسلم-: "أبدلنا الله بها الجهاد والتكبير على كل شرف" [رواه أبو داود من حديث أبي أمامة: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة؛ فقال: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" ورواه الطبراني بلفظ: "إن لكل أمة سياحة، وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، ولكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الرباط في نحر العدو"، وللبيهقي في الشعب من حديث أنس: "رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله"، وكلاهما ضعيف، وللترمذي وحسنه والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، إنِّي أريد أن أسافر فأوصني قال: عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف". يعني الحج. وسُئِلَ- صلى الله عليه وسلم- عن السائحين فقال: "هم الصائمون".
[أخرجه البيهقي في الشعب وقال: المحفوظ عن عبيد ابن عمير عن عمر مرسلاً] فأنعم الله - عز وجل - على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم؛ فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه- تعالى- ونصبه مقصدًا لعباده، وجعل ما حواليه حرمًا لبيته؛ تفخيمًا لأمره. وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه. وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره.

يقصده الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق، شعثًا غبرًا متواضعين لرب البيت، ومستكينين له، خضوعًا لجلاله، واستكانةً لعزته. مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت، أو يكتنفه بلد؛ ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم، وأتم في إذعانهم وانقيادهم؛ ولذلك وظَّف عليهم فيها أعمالاً لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول، كرمي الجمار بالأحجار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار. وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية؛ فإن الزكاة إرفاق، ووجهه مفهوم، وللعقل إليه ميل، والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عَدُوِّ الله، وتفرغ للعبادة بالكفِّ عن الشواغل، والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله – عز وجل – بأفعال هي هيئة التواضع، وللنفوس أنس بتعظيم الله – عز وجل – فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظَّ للنفوس ولا أنس فيها، ولا اهتداء للعقل إلى معانيها؛ فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلاَّ الأمر المجرد، وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط. وفيه عزل للعقل عن تصرفه، وصرف النفس والطبع عن محل أنسه؛ فإن كل ما أدرك العقل؛ فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد؛ ولذلك قال- صلى الله عليه وسلم- في الحج على الخصوص "لبيك بحجة حقًّا تعبدًا ورقًّا" [أخرجه البزار والدارقطني في العلل من حديث أنس]، ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها. وإذا اقتضت حكمة الله - سبحانه وتعالى - ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع؛ فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد، كان ما لا يهتدي إلى معانيه أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق، إلى مقتضى الاسترقاق، وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات، وهذا القدر كافٍ في تفهم أصل الحج- إن شاء الله تعالى.

3)  أسرار الحج في بيت الله الحرام 

أرسل الله - سبحانه وتعالى - نبيه- عليه أفضل الصلاة والسلام- والعرب في خصام وتنافر وتقاطع وتدابر، شواجر مقطوعة، وقلوب ملؤها الأضغان والأصفاد – والحروب بينهم متصلة، ونيرانها مشتعلة؛ فأمر الله أن يؤلف بين القلوب، وأن يأمر بالاتحاد والوفاق، وشرع له طريق الوئام وأسباب الائتلاف في تلك المواطن التي ذكرناها. ولما رأى الشارع الحكيم أن هذه الطرق غير كافية لانتظام شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم وجعلهم كرجل واحد في الألفة وتبادل المنفعة؛ إذ هم متفرقون في مشارق الأرض ومغاربها، كما أنهم مختلفون في العناصر واللغات؛ فشرع لهم الحج ليجتمعوا في صعيد واحد على اختلاف أجناسهم وبُعد بلادهم وأقطارهم، كما قال الله- تعالى- في كتابه العزيز: "وأذِّنْ في الناسِ بالحجِّ يأتوكَ رجالاً وعلى كُلِّ ضامرٍ يَأتِينَ منْ كُلِّ فَجٍّ عميقٍ" فإذا اجتمعوا من أماكنهم الشاسعة حصل بينهم التعارف والتآلف، وعرف العربي الهندي، والتركي الصيني، والمصري الشامي، وهلمَّ جرا. حتى كأنهم بهذا الاجتماع وهذا التعارف كالإخوة الذين هم من أب واحد لرابطة الدين التي جعلتهم كذلك، لا فرق بين قبيلة وأخرى، أو عنصر وآخر.
هذا وإن تآلف القلوب واتحاد الكلمة بواسطة هذا الاجتماع، وإن كان فيه فائدة عظمى للمسلمين إلاَّ أن هناك أمورًا أخرى يحصلون عليها فيها انتظام أحوالهم الدنيوية، وهي أن يعرف كل قبيل ما في بلاد القبيل الآخر من أحوال التجارة والصناعة والزراعة والفوائد المتحسنة؛ فيقتبسون من بعضهم هذه المنافع التي لو أردنا تعدادها لخرجنا على المراد من هذا الباب، وبالجملة فإنهم يتبادلون كل ما فيه مصلحتهم الدنيوية والأخروية، وهذا هو معنى الجامعة الإسلامية.
ونقول زيادة على ذلك أنهم إذا اجتمعوا وكانت فيهم طائفة مغلوبة على أمرها من حاكم ظالم أو عدو شديد البطش أخذت الأمة القوية تناصرها، وأنقذتها من كل خطر محدِق بها، وهذه المنافع العديدة والفوائد الجميلة الجليلة أشار إليها الكتاب العزيز بقوله: "ليشهَدُوا منافِعَ لهم".
ورب قائل يقول: إن الحج لم يكن في الإسلام فقط؛ بل كان من قبل الإسلام من عهد سيدنا إبراهيم الخليل- عليه الصلاة والسلام-؛ فنقول له: إن الحج لم يكن قبل الإسلام على هذه الصورة التي قررها الشارع الحكيم. وأيضًا إن العرب في جاهليتهم أدخلوا في الحج ما لا ينطبق على شريعة الخليل- عليه السلام-؛ فجاء الإسلام مغيرًا مما هو ليس من الدين. ولو سلمنا جدلا أن جميع أفعال الحج الآن كانت في زمن الخليل- عليه السلام-؛ فالشريعة الإسلامية هي ملة إبراهيم كما قال- تعالى-: "دينًا قيمًا ملةَ إبراهيمَ حنيفًا".

ومما يؤسف عليه أن الغربيين فقهوا هذه الحكمة الجليلة وعرفوا أن الحج هو تأييد للجامعة الإسلامية؛ فتخوفوا منها، وحسبوا لها ألف حساب. أما المسلمون فإنهم جهلوها، ومن يُؤَدِّ فريضة الحج منهم فإنما يؤديها على أنها فرض يجب أداؤه بلا نظر فيما فيه من تلك المنافع والفوائد والحِكَم التي بيناها.

4)  أسرار فضل البيت الحرام

الحكمة في ذلك أنه أول بيت وُضِعَ للناس يؤمونه من جميع الأقطار؛ لإظهار شعائر دينهم وتوحيد الخالق وتمجيده كما قال- تعالى-: "إنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مباركًا وهدًى للعالمينَ فيه آياتٌ بيناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومَن دخلَهُ كانَ آمنًا"، فيعلم من هذه الآية الشريفة أن فضله إنما هو لكونه أول بيت وُضِعَ للناس كما قلنا، ولكونه فيه مقام إبراهيم الخليل- عليه السلام- وللمزية التي اختصه الله بها. وأيضاً لكونه مَن دخله كان آمنًا على نفسه، حتى الطيور في أوكارها.
كان العربي يقتل ويدخل في هذا البيت المُشرَّف، ويضع في عنقه خصلة من الصوف حتى إذا رأه مَن يطالبه بثأره تذكر أنه في البيت المكرَّم فلا يصيبه بأذى. وكثيرًا ما قصده الجبابرة بالسوء فأهلكهم الله- تعالى- وحماه منهم، كأصحاب الفيل الذين أرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل؛ فجعلهم كعصف مأكول. وقد زاده الله فضلاً بأن جعله المكان الذي يوجه المسلمون وجوههم شطره في صلاتهم.

5)  أسرار جعل الحج في هذا الزمان

اعلم أن للباري- جل شأنه- أن يخصص أي زمان كان لنزول الرحمات على عباده المؤمنين، كما خصص يوم الجمعة وليلة القدر وباقي الأوقات التي يُستجَاب فيها الدعاء. ولما كان زمان الحج من الأشهر الحرم التي تنزل فيها الرحمات فرضت فيه فريضة الحج ليكون الثواب أعم والنفع، ولم يجعل الله على المسلمين في دينهم من حرج. وعلى هذا يكون الشارع قد أحسن كل شيء صنعًا.

  6)  أسرار عدم لبس المخيط

إن الشارع الحكيم أمرنا بعدم لبس المخيط وعدم تغطية الرأس عند الإحرام؛ ليكون الإنسان في أعلى درجات الخضوع والتذلل لله- تعالى- كأنه يقول في هذه الحالة: يا رب إني لا أملك لنفسي من الأمر شيئًا، وإنَّ كل ما في هذا الوجود لا أملك فيه فتيلاً، وإنك أنت المالك لكل كائن ويكون، وها أنا واقف بين يديك كيوم ولدتني أمي، ليس عليَّ من عرض الدنيا إلا ما أستر به العورة، وليس هو من المألوف لبسه عند الناس من مخيط الثياب. وأيضًا في عدم لبس المخيط إشارة إلى أنه أشبه بالطفل المولود الملفوف في شيء غير مخيط، أي أنه لا يملك لنفسه شيئًا من حطام الدنيا؛ إذ الملك لله وحده، ولا يخفى أن هذه الحالة هي أكبر درجات الخضوع وأسمى منازل الخشوع، والغاية القصوى في التذلل للخالق -جل شأنه.
وهناك حكمة أخرى، وهي أن الحاج بهذه الحالة يتذكر أهل المحشر وهم واقفون بغير لباس على بدنهم، والذكرى تنفع المؤمنين.

  7)  أسرار الإحرام والتلبية في الميقات

عندما يصل الحاج إلى الميقات ويحرم يبدأ في التلبية مستشعراإجابته نداء الله -عز وجل- فإذا وقفت موقفا كهذا ارْجُ أن تكون مقبولاً، وَاخْشَ أن يُقَالَ لك: لا لبيكَ ولا سعديكَ؛ فكن بين الرجاء والخوف مترددًا، وعن حولك وقوتك متبرئًا، وعلى فضل الله –عز وجل- وكرمه متكلاً؛ فإن وقت التلبية هو بداية الأمر وهي محل الخطر. قال سفيان بن عيينة: حج عليٌّ بن الحسين –رضي الله عنهما- فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرَّ لونه، وانتفض، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يُلبِّي فقيل له: لمَ لا تلبِّي؟ فقال: أخشى أن يُقَال لي: لا لبيك ولا سعديك. وليتذكر المُلبِّي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء الله -عز وجل- إذ قال: (وأذِّنْ في النَّاسِ بالحَجِّ..) [الحج: 27]، ونداء الخلق بنفخ الصور، وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين نداء الله -سبحانه-، ومنقسمين إلى مُقرَّبين وممقوتين، ومَقبولين ومردودين. ومترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات؛ حيث لا يدرون أَيتيسرُ لهم إتمام الحج وقَبوله أم لا؟!

8)  أسرار طواف القدوم

لما كانت منزلة البيت الحرام من الإجلال والتعظيم تلك المنزلة السامية؛ إذ هو أشرف بقعة وأول بيت وُضِعَ للناس لتمجيد الخالق- جل وعلا- كان من الآداب الكاملة أن يؤدي الحاج له التحية المُشعِرة بإجلاله واحترامه، وهذه التحية هي الطواف حوله قبل الصلاة فيه. وقُدِّمَ على الصلاة؛ لأن أداء التحية بعدها يشعر بسوء الأدب في هذا الموقف. ولأجل أن تكون التحية قد أُدِّيَت على أكمل الوجوه يصلي الحاج ركعتين في مقام إبراهيم- عليه السلام- وهذا هو الأفضل، وقد قال الله- تعالى-: "واتَّخِذُوا منْ مقامِ إبراهيمَ مُصَلَّى" فانظر كيف يؤدِّب الله عباده المؤمنين.

9)  لماذا يتعلق الحجاج بأستار الكعبة؟

يتعلق الحجاج بأستار الكعبة ويلتصقون بالملتزم فلتكن نيَّتُكَ في الالتزام طلب القرب حبًّا وشوقًا للبيت وربِّ البيت، وتبركًا بالمماسة، ورجاء للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك، ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان، كالمذنب المتعلق بثياب مَن أذنب إليه، المتضرِّع إليه في عفوه عنه، المُظهِر له أنه لا ملجأ له منه إلاَّ إليه، ولا مفزع له إلا كرمه وعفوه، وأنه لا يفارق ذيله إلاَّ بالعفو وبذل الأمن في المستقبل.

10)  أسرار استلام الحجر الأسود

قلنا في غير هذا الموضع ما معناه أن الحجر الأسود مما فضَّل الله به البيت الحرام على سائر الأمكنة. ونقول هنا: إن الحكمة في استلامه تُعرَف من قول النبي- عليه الصلاة والسلام-: "الحجر الأسود يمين الله- عز وجل- في الأرض يصافح به خلقه كما يصافح الرجل أخاه"، وكان- صلى الله عليه وسلم- يقبله، ويفسر هذا ما ورد من أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قبَّلَه، وقال عند تقبيله: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُك ما قبلتُكَ، ثم بكى.
الآن قد عرفتَ الحكمة في استلام الحجر الأسود، ولرُبَّ قائل يقول: إنه حجر، وأية فائدة في إيداع هذه الأسرار، وهذه الحكمة، وهذه المنفعة، في حجر وهو بعض الجمادات؟! فنقول له: إن الله- سبحانه وتعالى- يختص من مخلوقاته ما يشاء ليكون مظهرًا لقدرته، ومستودَعًا لأسرار حكمته.
أَلا ترى أن الشمس والقمر من الجمادات وقد أودعهما الله- تعالى- من أسرار قدرته وبديع حكمته ما به بقاء هذا الكون وانتظام أحوال العالم أجمع في مشارق الأرض ومغاربها؛ بحيث يكسبان عالم الحيوان وعالم النبات الموجودين على الكرة الأرضية ما به قوام الحياة؟! فالحكمة الموجودة في الشمس والقمر كما أوضحنا هي نفس الحكمة الموجودة في الحجر الأسود مع الفرق بينهما، وإن كانت تلك محسوسة، وهذه معنوية.

11)  الرمل.. هرولة عزة

الرمل: نوع من السير السريع كالهرولة، وقد شرعه الشارع لحكمة كبرى، وهي أن المسلمين إذا هرولوا وساروا رملاً وهم في حال اجتماعهم يكونون كالبحر الزاخر المتلاطم الأمواج والجيش العرمرم الذي تموج به الفجاج، وهذه الحالة فيها إظهار لشوكة المسلمين وعظمتهم وجلال دينهم. وفيها إرهاب للمشركين والكفار في ذلك الوقت. وربما كان في ذلك الزمن وكذا الآن إذا ثقلت الأخبار يتسرب نور الإيمان وجلال الدين الحنيف في قلوب الكفار فيعتنقون الإسلام عن رغبة ومحبة وإجلال وإكبار

  12)  زمزم.. طهارة ونقاء وشفاء

قال عبد الله بن المؤمل: إنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ماء زمزم لما شُرِبَ له" حديث صحيح رواه ابن ماجة والبيهقي إلى حجاج بيت الله الحرام: هنيئًا لكم بأطهر ماء.. وأجله قدرًا.. وأحبه إلى النفوس وأغلاه، كما قال ابن القيم: "حيث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحرص على الشرب منها حتى يتضلع"، وروى ابن عباس: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم"؛ فهي تشبع البطون الجائعة، وتزيل المرض وتبرئ العلة والسقم، ويذكر أن العباس -رضي الله عنه- قال: "ما من رجل يشرب من ماء زمزم حتى يتضلع إلا حطَّ الله به داءً من جوفه، ومن شربه لعطش روي، ومن شربه لجوع شبع".
وماء زمزم يُستخدَم للاستشفاء بشرط: سلامة القلب، والتوكل على الله، والثقة به، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحمل ماء زمزم في القرب، وكان يصب على المرضى ويسقيهم".
وفي هذا الحديث يبين لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طريقة التداوي بماء زمزم بأن يصب الماء على المريض صبًّا، وبعد ذلك يشرب من الماء ما استطاع فيُشفى بإذن الله. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعالج به الحمى؛ حيث قال: "الحمى من فيح جهنم فبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم"، وهذا ما نفعله اليوم مع أي مريض، فأول النصائح هي وضع الكمَّادات الباردة؛ حيث إن المسكنات لا تقوم بعملها حتى تصل الحرارة إلى مستوى معقول حوالي 39 درجة، وروى الأرزقي في كتابه "تاريخ مكة": "أن الشرب من ماء زمزم حتى التضلع براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب الصداع، والنظر فيها يجلو البصر" ،وروى لنا ابن عباس عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم ـ: "أنها شفاء من كل داء".
وعن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شُرِبَ له" ويقول ابن القيم -رحمه الله-: جربتُ أنا وغيري الاستشفاء بماء زمزم من عدة أمراض؛ فبرئت بإذن الله، وشاهدتُ مَن يتغذى بها أكثر من نصف شهر ولا يجد جوعًا، وقد يشرب ماءَ زمزم طلبًا للعلم كما حدث مع ابن خزيمة، وقد يشرب طلبًا للفهم والحفظ كما حدث مع العلامة جلال الدين السيوطي، وقد يشرب العبد ماء زمزم ليكون له وجاء من الظمأ يوم القيامة كما فعل عبد الله بن المبارك، وإن شُرِبَ لضيق صدرٍ شرحه الله، وإن شُرِبَ لسوء خلق حسنه الله، وإن شُرِبَ لغنى النفس أغناها الله، وإن شُرِبَ لحاجة قضاها الله، وإن شرب للكربة كشفها الله، وإن شُرِب للنصر تحقق بإذن الله، وقد يشفي مرض السكر والضغط وأمراض الجهاز الهضمي ولو مؤقتًا في فترة الحج، وقاله كثير من الحجَّاج المرضى، ويجب استحضار النية والإيمان الثابت.
وماء زمزم لا يتغير مهما طال الوقت وقد لاحظ ذلك الصالحون، ولا ننسى ما حدث مع إحدى النساء المغربيات حيث يئس الأطباء من علاجها لانتشار السرطان بصدرها ودمها، وهداها الله لزيارة البيت الحرام لأداء العمرة قبل الموت، وهناك هطلت دموعها طلبًا لرحمة الله، وأخذت ترتوي من ماء زمزم مع توبة صادقة، وإذا بالسرطان ينسحب من الدم والجسد، وتعود مرة أخرى إلى بلدها طاهرة الجسد والقلب، وعادت للأطباء لتحكي لهم فضل الله وثقتها بحديث رسول الله: "ماء زمزم لما شرب له".


اسلام أون لاين

أضف تعليق