هيئة علماء المسلمين في العراق

نائب مدير المعهد العربي للدراسات الإستراتيجية: قضية العراق من أخطر القضايا وأعقدها إقليمياً ودولياً
نائب مدير المعهد العربي للدراسات الإستراتيجية: قضية العراق من أخطر القضايا وأعقدها إقليمياً ودولياً نائب مدير المعهد العربي للدراسات الإستراتيجية: قضية العراق من أخطر القضايا وأعقدها إقليمياً ودولياً

نائب مدير المعهد العربي للدراسات الإستراتيجية: قضية العراق من أخطر القضايا وأعقدها إقليمياً ودولياً

- لقد خسر العراق بوفاة الدكتور خليل الحديثي (رحمه الله) الأستاذ رائد فوزي نائب مدير المعهد العربي للدراسات الإستراتيجية في الأردن مواقفه مؤيدة للعراق بكل المقاييس الوطنية فهو عرف بمواقفه الرافضة للاحتلال والرجل لا يعرف الملل والضجر من إقامة وترتيب الندوات التي تتعلق بهذا الشأن. البصائر إلتقته في مقر المعهد في العاصمة الأردنية عمان، وأجرت معه الحوار الآتي:

* هل يمكن أن تعرفوا قراء البصائر بمعهدكم؟

* المعهد العربي للدراسات الإستراتيجية تأسس في (مايو/أيار 2003)، وهو معهد يهتم بكل القضايا التي تخص الشأن العربي دراسة وتحليلاً ولدينا موقع الكتروني واسع بهذا المجال، وهدفنا هو توضيح صورة الواقع العربي بلا رتوش .

لماذا استهداف العراق؟

* في كل يوم نسمع عن نغمة جديدة تتحدث عن الأسباب التي دفعت أمريكا لاستهداف العراق مرة لأجل نشر الديمقراطية ومرة من اجل النفط و.. و ، لماذا تم استهداف العراق برأيكم ؟

*سؤال بسيط يحتاج إلى وقت كبير للإجابة عليه، ونوجز بالقول أن الأسباب تبدأ بحماية أمن إسرائيل مروراً بإخراج العراق من معادلة التوازن الأمني والاستراتيجي في المنطقة ولا تنتهي بتأمين إمدادات النفط للصناعة الغربية وديمومتها بأسعار محددة ورخيصة.

العراق إلى أين؟

* في ظل الظروف الراهنة برأيكم إلى أين يسير الوضع في العراق؟

* تعد القضية العراقية واحدة من أخطر القضايا وأعقدها على الساحتين الإقليمية والدولية، بعد التطورات الدرامية التي شهدتها في السنوات الأربع الماضية، وبسبب الظرف التاريخي الاستثنائي الذي تقع فيه حيث ؛ تسعى الإدارة الأمريكية  إلى تفرُّد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ضمن مشروعها للشرق الأوسط الذي اعتبر محور إستراتيجيته يقوم على جعل القرن الجدي قرناً أمريكياً بامتياز في حين، تتصارع القوى الرئيسية في العالم للاحتفاظ بمواقفها والامتيازات التي حصلت عليها منذ تأسيس النظام العالمي الجديد.

إن البناء المنظور لإدارة العراق عقب الحرب مباشرة هو أن تتولى قيادة أمريكية زمام الأمور في العراق إلى حين الانتهاء من إنشاء إدارة انتقالية عراقية، والاعتماد في غضون هذه الفترة على إنشاء إدارة هيكلية تتكون من مستويات عديدة تضم عدداً من القيادات العراقية في الداخل والخارج، والمستوى الآخر هو تقسيم العراق إلى ثلاثة مناطق إدارية (ولاية البصرة في الجنوب، وولاية بغداد في الوسط، وولاية الموصل في الشمال).

بحيث تولت هذه المناطق قيادات أمريكية، وبريطانية، وهولندية وأسترالية، وتتولى قوات التحالف مهمة الحفاظ على الأمن والاستقرار.

وعليه يقتضي موازاة المشروع السياسي بمشروع اقتصادي ينحو باتجاه إحلال الدولار محل العملة (الدينار العراقي) إلى أن يتم إعادة بناء النظام النقدي والمالي في العراق بصورة يرتبط بالدولار كما هو يجري الآن مع ابرز حلفاء أمريكا في المنطقة مثل الأردن، خصوصاً إذا ما فهمنا أن النظام العراقي السابق أدرك خطورة وأهمية التحول نحو اليورو لتقويض الهيمنة الأمريكية على اقتصاده آنذاك،  رغم حالة الحظر الاقتصادي، وتتم العودة إلى التعامل ببرنامج الأمم المتحدة " النفط مقابل الغذاء " شريطة أن يتم وضع إيرادات النفط في صندوقٍ عراقي تشرف عليه السلطة الانتقالية المنتخبة، ويعقبها سعي الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن العراق وبذل جهودها الحثيثة في مجلس الأمن، وهو ما تم  في هذا الخصوص بالفعل.

لكن نهاية فترة الحكم العسكري الأمريكي والبريطاني لا تعني بالضرورة نهاية الوجود العسكري للحلفاء، إذ ترى بعض القيادات العربية والعراقية أن وجود هذه القوات ضروريُّ ردحاً من الزمن لتأمين الأمن والاستقرار في العراق وضمان انتقال البلاد بشكل سلمي لسلطة حكومية تمثل العراقيين مثال حكومة المالكي بحيث يرتبط وجودها بعقد اتفاق امني سياسي مع القوات المحتلة ولعل زيارة موفق الربيعي مستشار الأمن القومي إلى واشنطن مؤخراً يأتي في هذا الإطار، إذ ناقش مع كبار المسئولين الأمريكان شكل الاتفاق الأمني المستقبلي مع القوات المتعددة الجنسية، وهي الزيارة التي لم يسلط الضوء عليها كثيراً في الإعلام رغم أهمية دور هذا الرجل الذي يجدر الاهتمام بنشاطه وتحركاته فهو يعد رجل الإدارة الأمريكية في الحكومة العراقية والساهر على ضمان تنفيذ المشروع السياسي الأمريكي للعراق، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لتأمين حدود العراق الخارجية ضد أية انتهاكات إيرانية أو تركية.

لدى الإجابة على سؤالك يجدر على السياسي والباحث دراسة المبدأ الذي قام عليه المشروع السياسي في العراق حتى يستطيع فهم الظواهر السياسية الحالية وفهم شكل المستقبل لهذا البلد.

نتائج الحرب

* بعد أربع سنوات من الغزو الأمريكي للعراق ، أسفر عن احتلال العراق الكثير من النتائج غير المدروسة لا للإدارة الأمريكية ولا بالنسبة لغيرها، برأيكم ما هي اخطر نتائج هذه الحرب ؟

• المشروع الأمريكي في العراق لم ينته بعد أو على الأقل لم يستكمل بأكمله كما أراد واضعوا الدستور العراقي المؤقت المتمثل بقانون إدارة الدولة العراقية  الصادر عن الحاكم الإداري آنذاك السفير بول بريمر.

وعليه يجدر دراسة هذه القوانين جيداً لأنها تجيب على الكثير من الأسئلة المتعلقة بالوضع العراقي الحالي وشكل الحكم أو المصير لهذا البلد ؛ لعل ابرز مخاطر الحرب هو نزع هوية هذا البلد العربية واعتبارها دولة تتكون من قوميات متعددة قد تفضي بالمحصلة إلى تعزيز فكرة تقسيم العراق على الأرض ، بعد تحقيق التقسيم بين الشعب على أساس طائفي وعرقي. لقد انتفت المواطنة العراقية ولا اعرف لماذا ؟

هذه الردة للوراء فإذا كان 85% من الشعب العراقي هو من القومية العربية لماذا إهمال هذه الهوية والتمسك بالطائفية المذهبية كهوية لهذا البد؟

إن خشية مكونات المجتمع العراقي الأخرى من هيمنة وسيطرة عقيدة قومية واحدة لا ينفي حقيقة وجود القومية العربية باعتبارها الأكبر، ولا افهم لماذا الإصرار على نفي القومية العربية في حين نرى تمسك القوميات الأخرى بهوياتها الخاصة؟

اعتقد إن الدستور والاتفاقيات المتعددة تضمن حقوق القوميات الأخرى في البلاد ولكن لا يعني ذلك نفي حقيقة وهي أن العراق دولة عربية.

أيهما اخطر التواجد الأمريكي أم الإيراني

*العراق اليوم أصبح ساحة مفتوحة للعديد من القوى الدولية إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، لكن التواجد الأمريكي واضح من خلال الاحتلال العسكري وكذلك الهيمنة الإيرانية على العديد من المدن العراقية ،هل تعتقد إن المشكلة العراقية تكمن في التواجد الإيراني أم الاحتلال الأمريكي أم ضعف الحكومة ؟

*هذا سؤال خطير جداً ومهم ؛ لأنه يرتبط بتحديد سلم الالويات وهو ما سينعكس بالمحصلة على أطراف أخرى وتؤدي إلى ظواهر  سلبية عديدة .

* ما هي أهم هذه الظواهر بتقديركم ؟

*أهمها الخطر على وحدة صف التنظيمات المقاومة، وعليه وحدة التحالفات العشائرية التي قامت عليها معادلة التنظيمات المسلحة المقاومة في صراعها بالعراق، التي اتخذت من هذه العشائر بهذه المناطق حواضن اجتماعية لها وجبهة لوجستية مهمة وحيوية؛ لقد حددت قوى المقاومة قاطبة سلم أولوياتها باعتبار أن الاحتلال الأمريكي هو أساس الصراع واعتبار الاحتلالات الأخرى -إذا جاز التعبير- بأنها جزء لا يتجزأ من الاحتلال الأمريكي وعليه زوال الاحتلال الأمريكي سيعني بالمحصلة زوال الاحتلال الإيراني.

لكن في ظل التغير الذي طال الإستراتيجية الأمريكية مؤخراً في هذا العام وخصوصاً في تعاملها مع المقاومة - سواء كانت عراقية أو سلفية- انتهجت اسلوباً خطيراً أدى بالمحصلة إلى زعزعة العمل الجهادي ووحدة العمل المقاوم..

* كيف ؟

* روجت الإدارة الأمريكية النظرية التي ربطتها مع تنظيم القاعدة في أفغانستان ، حيث اعتبر كلا الطرفين إن الأولوية في الصراع هو طرد أو إيقاف المد الشيوعي السوفيتي واحتلاله لأفغانستان وحين التخلص منه فانه يمكن الجلوس سوياً لإنهاء حالة الخلاف بينهما أو استئناف القتال من جديد.

وهو ما يجري في العراق إذ طلعت علينا عدد من الظواهر التي تعبر عن الإستراتيجية الأمريكية في العراق بدأت بمجالس الانبار المدعومة حكوميا وأمريكياً وانتهت بأفواج الدفاع كما يحدث مع الانبار (تنظيم أبو عزام) وهذه تجد أن أولوية الصراع هو لمواجهة إيران؛ بل إنها تتخطى في هذه المعادلة ما جرى بأفغانستان إذ ترى بالوجود الأمريكي أهمية قصوى وحيوية بل ومصيرية لوجودها بعد انتهاء القتال وطرد القاعدة من العراق.

وهؤلاء (مجالس الانقاد وأفواج الدفاع) وجدوا أمريكياً وليس عراقيا وعليه سينتهوا أمريكياً في العراق ؛ أي سيكونون أدوات بيد الولايات المتحدة حتى لو اختارت الأخيرة الانسحاب من العراق كما تدعي.

اتفق مع وجهة نظر السيد حارث الضاري الذي يفهم جيداً المعادلة على الأرض ويرى أن أهمية الصراع هي في توجيه الزناد نحو المحتل الأمريكي ، ولعل السبب الأساس بالنسبة له هو خشية الانشقاقات التي قد تطال مجتمع عشائري مثل الانبار؛  الذي يعتبر أساس العمل المقاوم في العراق.

لقد وجدت بعض الفصائل والقوى السياسية والعسكرية السنية استغلال ضعفها وتمثيلها للسنة وخشيتها على مصالحها، وجدت بإضعاف الطرف المسيطر على الساحة السنية ونعني هنا قوى المقاومة التي فرضت وتفرض أجندتها على الساحة السياسية والعسكرية السنية عبر تشتيت الانتباه بتشتيت سلم الأولويات ، ووجدت أن الأنسب هو بإضعافها من الداخل عبر إثارة العشائر التي اعتبرت الداعم والحاضن للمقاومة.

النفوذ الإيراني

* النفوذ الإيراني في العراق كيف تنظر إليه ؟

* إيران دولة في المنطقة لم نحسن التعامل معها جيداً ولم نع إلى الآن إنها دولة تفرض علينا الجغرافيا قبل حسن الجوار أو العادات والدين المشترك التعامل معها. لإيران مصالحها وأطماعها في العراق ومواجهتها تكون عبر تمتين الجبهة الداخلية بتقوية هوية وعروبة البلد عبر استمالة الوطنيين "الشيعة" العرب. ويأتي هذا الأمر من خلال تقوية الحس الوطني واعتبار العراق بلد واحد متعدد القوميات أي تثبيت الهوية الوطنية وتقويتها، ولا يمكن ذلك بغياب القواسم الجامعة لهذه المكونات والإصرار على الابتعاد عنها أو رفضها. وحتى هنا يجدر بنا الانتباه بالتعامل معها في إطار المصالح المشتركة، فتحكمنا بها عوامل مختلفة أهمها الجغرافيا؛ فمعطيات الجغرافيا هي أصعب من تجاهلها أياً كان التاريخ السلبي الذي يجمعنا معها.

بالعودة لسؤالك ؛ وإذا انطلقنا من فحوى ما قلناه ،  فإيران أسست قواعد بناء لنفوذها بالعراق مستفيدة من الغرور الأمريكي في التعامل مع العراق منذ البداية؛ بحيث سمح لها بناء وتأسيس قاعدة صلبة لتحقيق مصالحها في العراق.

*ما هو جوهر السياسة الإيرانية حسب رأيكم ؟

*إن جوهر السياسة الإيرانية في العراق تقوم على إيجاد حكومة موالية لها أو على الأقل حكومة لا تناصبها العداء، وفي إطار ذلك فهي تسعى إلى استغلال الأطراف العراقية جمعاء لتنفيذ هذه الإستراتيجية. لذلك فهي تتعامل مع القوى الشيعية العراقية -تحديدا- من زاويتين:

1- دعم القوى والأحزاب التي تعتقد بأنها كفيلة بأن تكون بالحكم؛ بحيث تبقي على حكومة العراق كحكومة مواليه لها أو غير معادية لها على اقل تقدير؛ وقد خصت بالدعم القوى الموالية لها بصورة مباشرة والتي تربت في أحضان المشروع الإيراني، أي المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة باعتبارهما حزبين تعاملت معهم إيران ودعمتهم منذ فترة طويلة؛ بحيث كانت كفيلة بأن تقنع صناع القران بإيران كونهم أبناء بررة للنظام الإيراني. لذلك جاء تعامل إيران نحوهم بصورة أكثر تنظيماً وتدريباً ودعمهم بكل الأوجه والميادين.

2- ولتحقيق هذه الإستراتيجية -أعلاه- تدرك إيران ضرورة إبقاء حالة الوضع الراهن في العراق (غير المستقر) على حالها.

*إذن لاستقرار في العراق – برأيكم -  لايخدم المصلحة الإيرانية ؟

* أن أي تغير يطرأ نحو تحسين هذا الوضع قد يهدد المصالح الإيرانية في العراق، لذلك وجدت إيران بسياسة الوضع الراهن أو ما اصطلح على تسميته الستاتسكو Status Que كأفضل سياسة تحول دون توجه الإدارة الأمريكية نحو الضغط على إيران من خلال إشغال الإدارة الأمريكية بالمستنقع العراقي لأكبر فترة ممكنة خشية تحول الدفة فيما لو استقرت الرياح نحو الشرق.

لذلك احتاجت إيران صنفا آخر من القوى العراقية القادرة على إبقاء ديمومة الوضع غير المستقر في العراق لها (لأمريكا)، غير مبالية كثيراً بفرص خسارته أو حقيقة صورته في الشارع العراقي، ووجدت ضالتها بالصدر أو الحركة الصدرية؛ وتتعدد الأسباب التي جعلت من إيران تختار الحركة الصدرية لتلقي عليها هذه المهام أو "الأعمال القذرة" التي قد تطيح به داخلياً (شعبياً) أو خارجياً. وحيث أن طبيعة مقتدى الصدر الاستقلالية والرافضة لسياسة الاحتضان للغير حرصت الأخيرة على منح هذا الدور لهم بكل السبل الممكنة، فهي من جهة تخشى من خسارة حلفاءها الأساسين في العراق ممثلةً بالمجلس الأعلى وحزب الدعوة، ومن جهة أخرى أن طبيعة وهيكلية الحركة البسيطة والدور السياسي وغير المتزن لقائد الحركة، شجعت إيران على إعطاء هذا الدور له واستمالته نحوها.
 
لمصلحة من ؟

* هل تعتقد أن الاجتماعات الأمريكية الإيرانية الأخيرة ستكون لصالح الشعب العراقي ؟

*أبدا ومن السذاجة اعتقاد ذلك، ولعل الاطلاع على حقيقة المصالح الإيرانية في العراق يمكن في ضوئها الإجابة على هذا السؤال؛ فالإيرانيون على العكس تماماً من السياسة العربية لديهم إستراتيجية واضحة المعالم سواء في العراق أو في العالم العربي.

*ما هي هذه الإستراتيجية ؟

*هذه السياسية معلنة وقد عكسها أكثر من مسئول إيراني، ولعل تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجادي الأخيرة بملء الفراغ الأمني في العراق في حال الانسحاب الأمريكي من العراق أحد هذه التصريحات؛ وإزاء تنفيذ هذه الإستراتيجية تعمل إيران كل جهدها لتحقيق هذه المصالح أو الإستراتيجيات. لذلك سعت إلى بناء تحالفاتها في المنطقة سواء ارتضى العرب أم لا ، وسواء كانت هذه التحالفات تحضى بتأييدهم أو استيائهم، فالمهم أن لديهم هذه الإستراتيجية التي يعملون على انجازها. لذلك من وجهة نظر إستراتيجية تصبح المطامع الإيرانية في المنطقة مشروعة إيرانياً ومقبولة، وفي هذا الإطار رسمت سياستها في العراق بصورة تضمن مصالحها.

* ما هي المصالح الإيرانية في العراق ؟

*الإستراتيجية الإيرانية إزاء العراق تقوم على المدى المنظور نحو إيجاد حكومة عراقية موالية لها بأي صورة كانت - حتى لو كان على حساب الهوية العراقية وعروبته- أو على أقل تقدير إيجاد حكومة في العراق غير معادية إذا لم يتسن لها إيجاد حكومة موالية لها.

* وما هي مصالح إيران في المنطقة العربية ؟

*في المنطقة العربية اتجهت الإستراتيجية الإيرانية نحو تعزيز مصالحها بما يخدم مصالح إيران الداخلية ويؤمن وجودها وصورتها سواء داخلياً أو خارجياً، وفي هذا الإطار رسمت سياسيتها في المنطقة العربية، وابتدأتها بالتعامل مع الملفات التي تشكل هاجساً يربك الإدارة الأمريكية ويحجم من فرص مناورتها وضغطها على الحكومة الإيرانية، لذلك وجدنا تأييداً إيرانياً لحكومة فلسطين التي تقودها حماس، وساندت حزب الله في مواجهتها مع إسرائيل، وعززت من تحالفها مع سورية، والأهم من ذلك أبقت على خيار المقاومة كعامل أساس في تعامل الشعوب المضطهدة في المنطقة ضد السياسة الأمريكية وحليفتها "إسرائيل". ذلك الخيار الذي عولت على إقصائه الإدارة الأمريكية وإسرائيل بتحالفها مع قوى الاعتدال بالمنطقة من أجندة أو خيارات النظام والشعوب العربية في مواجهة إسرائيل.
إذا كانت إيران رسمت إستراتيجيتها وحددت سياساتها لتنفيذ هذه الإستراتيجية، يبق السؤال الأهم أين هي الإستراتيجية العربية أو بصورة أوضح ماذا يريد العرب والعراقيون جزء منهم من تعاملهم تجاه إيران؟. 

هل العراق في حرب أهلية؟

*ما توصيف ما يجري في العراق من وجهة نظرك؟

* استمرت العملية السياسية في العراق بحسب التواريخ التي رسمتها لها الإدارة الأمريكية؛ رغم الإخفاقات في الوصول إلى تسوية بين القوى العراقية حول القضايا الشائكة، أو الأصوات الداعية إلى التروي لالتقاط الأنفاس ريثما يستوعب الشارع العراقي حقيقة ما يجري.

خلال هذه المرحلة ونتيجة الدفع باتجاه الحفاظ على المواعيد التي حددتها سلطات الاحتلال حتى تأخذ العملية السلمية وقتها في النضج دون أن تترك العملية السياسية تأخذ نهاياتها الطبيعية في النضج، تفجر الوضع بالعراق؛ بحيث أصبح على أعتاب حرب أهلية، قد يسهل إشعالها لكن يصعب بالتأكيد إخمادها.

لقد كشف تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، مدى الهشاشة التي وصل لها المجتمع العراقي وتخندقه خلف الطائفية؛ بحيث دفعت المراقبين إلى ترجيح كفة انفجار الوضع بصورة يصعب السيطرة عليه فيما لو تكررت حادثة على غرار تفجير سامراء.

أعتقد إن ما يجري في العراق الآن هو مشهد من مشاهد الحرب الأهلية التي تستطيع القوى المتحكمة فيه سواء تلك التي على الساحة أو تلك التي تدير النزاع من الخارج، أن تسيطر عليها وتمعن في تحريك أطرافها بالصورة التي تحقق مصالحها، لكن تحجم عن الاعتراف  بوجودها.

هذه الحرب التي يعني الإعلان عنها بمختلف المقاييس لدى مختلف الأطراف فشل العملية السياسية برمتها وإرجاعها إلى المربع الأول.

ويبقى السؤال إلى متى تستطيع تلك القوى الحفاظ على هذه الوتيرة من التحكم والإدارة التي تحول دون تفجر النزاع بصورة قد لا يمكن الرجوع عنه أو إيقافه؟ إن الحقيقة التي لا لبس فيها والتي أخذت تتضح معالمها مع تقادم الأيام هو تنازع القوى المحلية( ما تشهده المناطق الجنوبية الآن) ذاتها فيما بينها بل وامتد النزاع إلى تنازع المصالح بين الأطراف اللاعبة في المحيط الدولي. فالملف النووي الإيراني، والوجود الأجنبي بالعراق، وإعادة رسم المنطقة برمتها، والملف الأمني في العراق وتداعياته على دول الجوار، هي جميعها ملفات أصبح التعامل معها كالتعامل مع صندوق البارود الذي أوقدت فتيلته ولم تصل بعد شرارته إلى مسحوق البارود.

لقد أمست الحرب الأهلية - لدى البعض - حقيقة ظاهرة للعيان لكن بالإمكان السيطرة عليها؛ ولكن مع استمرار هذه العملية السياسية الطائفية واقتراب الاستحقاقات الداخلية والخارجية فأنا أخشى على قدرة الأطراف على السيطرة عليها أعني الحرب الأهلية، حينها نكون دخلنا مستنقع لا أعرف بالضبط قاعه.

* الميليشيات الطائفية التي تدار أحياناً من أطراف حكومية ؛ برأيكم هل ستقود العراق لحرب أهلية ؟

* هي بالفعل تقوم بذلك، ولن أقيم الدليل على ذلك بل سأشير إلى التقرير الصادر عن مكتب المسائلة التابع للكونجرس الأمريكي وهو مكتب مستقل يقدم الدراسات لأعضاء الكونجرس حتى يكونوا على اطلاع على حقيقة أوضاع على الميدان لكي يقرروا اتجاهات التصويت داخل الكونجرس. أشار هذا التقرير إلى تغلغل المليشيات المسلحة في وزارة الداخلية والدفاع، ويشير في هذا الإطار إلى منطقة محافظة صلاح الدين تحديداً؛ حيث أغلب سكان هذه المحافظة من السنة؛ وقد طلب  أبناء هذه المنطقة تشكيل قوات شرطة بحيث تكون أفرادها من المتطوعين من أبناء المنطقة ومع ذلك طلبوا من الداخلية العراقية من خلال الجيش الأمريكي وقائد القوات الأمريكي بهذه المنطقة تشكيل هذه القوات من السنة بنسبة 45% والشيعة بنسبة 55% لكن جاء رد وزارة الداخلية طائفياً بالطلب أن الداخلية مستعدة على تشكيل هذه القوات شرط أن تكون نسبة الشيعة إلى 99%. اعتقد أن هذا التقرير يوضح بجلاء طائفية قوات الجيش والشرطة وعليه دور المليشيات سيكون حتمي باتجاه إشعال نار الحرب الأهلية.

الانسحاب الأمريكي

*التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لغزو العراق نلاحظ انه يتآكل في كل يوم، في ضوء الانسحابات الأخيرة ، هل تتوقع انسحابا أمريكا قريبا من العراق ؟

* لقد شغل هذا السؤال مؤخراً بال الكثيرين على الساحتين العراقية والدولية، وأنا لا أرى له أهمية تذكر طالما تسعى الولايات المتحدة إلى ربط العراق باتفاقية أمنية ترسي وضعاً امنياً وعسكرياً قريب لحالة الوضع في العراق والمنطقة قبل حرب العام 1991؛ فالولايات المتحدة ستدفع باتجاه تشكيل محور عراقي خليجي أمني على غرار ما كان عليه الوضع في فترة الثمانينات، وتهيئة العراق ليكون أداة طيعة للسياسة الأمريكية في المنطقة وتحديداً للتقاطع مع إيران في أكثر من ملف (الحدود ، شط العرب، عروبة الأهواز والخليج) ربما يصل هذا التقاطع حداً يقوم العراق بحرب بالنيابة عن الولايات المتحدة ، وكما يرى البعض جيش قوامه أفراد عراقيون وأسلحة وتخطيط ودعم أمريكي.

وعليه سحب العراق من ساحته القومية ومحيطه العربي .

* هل تعتقد انه بالخروج الأمريكي المبكر من العراق ممكن أن يتحول العراق إلى أفغانستان ثانية ؟

*لا اعتقد أن الولايات المتحدة ستنسحب الآن أو غدا من العراق ولعل تقليص عدد القوات كما نسمع الآن لا يعني بالضرورة انسحاباً أمريكياً من العراق، فهناك فرق كبير بين تخفيض عدد القوات وبين الانسحاب ، حتى الديمقراطيون في الولايات المتحدة الذين تصدوا لفكرة بقاء القوات الأمريكية في العراق فهم لا يقولوا بالانسحاب الكامل بل يرون تخفيض هذه القوات بصورة لا تعرض جنودهم للقتل والاغتيال ولم يشيروا إلى أنهم يطالبون بانسحاب كامل ، فهناك أيضا فرق بين الانسحاب الأمريكي من العراق أي إرجاع الأوضاع قبل بدا الحرب في 22 /آذار/ 2003 وبين الحفاظ على الاستثمارات الأمريكية في العراق. أي يوجد الآن في العراق استثمار عسكري وسياسي واستخباراتياً واقتصادي في العراق ، وتدار هذه الاستثمارات من قبل الحكومة ومؤسسات الدولة العراقية والشركات المتعددة الجنسية التي سيطرت على جميع مفاصل الحياة في هذا البلد، لدى إن الانسحاب لا يعني بالضرورة انتفاء الوجود الأمريكي بصيغ أخرى.

*كيف سحب العراق من محيطه العربي؟

* وذلك عبر دفعه باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو على اقل تقدير تقليص دوره القومي، والاهم من كل ذلك جعل العراق قاعدة نشطة لدعم قوى الإصلاح والتغيير الداخلي في المنطقة، أي جعل العراق قاعدة عسكرية وسياسية للولايات المتحدة التي بدأت في الآونة الأخيرة تقلل من حجم انتشارها في العالم لصالح قواعد حيوية ومهمة، والعراق يعتبر قاعدة متقدمة في هذا الإطار وفي الحرب على الإرهاب، ولعل اهتمام الولايات المتحدة بالعراق إنما جاء ليعوض الخسارة التي منيت بها الإدارة الأمريكية ومصالحها بعد انسحابها من الخليج وتحديدا في العربية السعودية.

أعتقد إذا درسنا هذه السؤال في الإطار العام يمكن الإجابة على هذا السؤال، فالولايات المتحدة لم تخض حرباً لأجل الديمقراطية المزعومة بل لاستكمال أجندتها التي وضعتها في بداية هذا القرن بجعله قرناً أمريكيا بامتياز.       

وأنا هنا أريد أن أتساءل ، فيما لو افترضنا أن هذا الآمر تحقق فهل تعتقد أن الأطراف العراقية المشاركة في العملية قاطبة أياً كانت انتماءاتها ستقبل بهذا الأمر؛  بل إنني اشكك بهذه الأطراف التي شاركت العملية السياسية ويطلبون بضرورة جدولة الانسحاب الأمريكي من العراق فهم لا يملكون من إراداتهم شيء ورفع الغطاء عنهم سيعني نهاية لهم وأنا اقصد بالغطاء هنا الاحتلال الأمريكي الداعم والمساند لوجودهم. فعلى سبيل المثال يسعى الأكراد إلى استمرارية الوجود الأمريكي في العراق فهو عامل مهم وأساسي في ترصين المكاسب التي حققها الأكراد جراء خدمتهم للإدارة الأمريكية من جهة، ومن جهة أخرى لتقديم شمال العراق (الكردي) كبوابة متقدمة للإدارة الأمريكية باتجاه الشرق ولحربها على الإرهاب في إشارة قد تفهم منها طرح وجهة نظر تقضي بتغيير الفكر الاستراتيجي الأمريكي إزاء تحالفها مع تركيا أو على الأقل إعادة النظر بالبدائل المتوفرة للإدارة الأمريكية في مواجهة أو ترتيب إقليمي. فسنوات الفرصة التي توفرت للقيادة الكردية والشيعية هي عرضة للانهيار فيما لو أصرت الإدارة الأمريكية على الانسحاب، بل إن كلا منهما يحاولان إسعاف فرص نجاح الرئيس وحزبه في الانتخابات الرئاسية المقبلة لاستكمال ما بدأه.

* كيف تفسر الضغوط الكبيرة على إدارة الرئيس بوش للانسحاب من العراق ؟

* إذا كنت تقصد بالضغوط من قبل الرأي العام الأمريكي فهذا مشروع بالنسبة لهم كون الذي يقتل في العراق هم أبناؤهم، ولكن حتى هنا الضغوط هذه ليست حقيقة أو على الأقل ليست بالاتجاه الذي تصوره بعض وسائل الإعلام، فالرأي العام الأمريكي لازال يرى بالعراق أحدى الجبهات المهمة في الحرب التي تشنها الإدارة وأمريكا على الإرهاب، وعليه هم غير معنيين بالعراق الديمقراطي أو الحرية من الاستبداد وغيرها من الحجج الواهية التي لا تصمد عند طفل عاقل. فخلال السنوات الماضية من عمر الاحتلال وبناء الدولة نجد بالحقيقة إن البناء على جميع الصعد إنما جاء في هذا الإطار أي مواجهة الإرهاب وخصوصا الذي يهدد المواطن الأمريكي وليس لمواجهة الإرهاب الموجهة ضد المواطن العراقي. لذلك نفهم الإخفاق الكبير في تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في العراق.

إن الربط بين الإرهاب الدولي أو الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد الإرهاب وبين ضعف المؤسسات الأمنية والسياسية العراقية في مكافحة الإرهاب خصوصاً ، إن الدستور العراقي قد أشار بوضوح إلى أن العراق يعتبر جبهة متقدمة لمكافحة الإرهاب الدولي، هذا الربط هو الذي حاول رئيس الجمهورية العراقية تقديمه للناخب الأمريكي في محاولة أراد منها ترجيح فرص نجاح الرئيس الأمريكي في الانتخابات الأمريكية في الكونجرس في الشتاء الماضي، مدركاً خطورة تداعيات وجود إدارة جديدة قد لا تلتزم بمعطيات العملية السياسية في العراق أو لا تجد الدافع المناسب لاستكمال المشروع الذي شرعت إدارة الرئيس بوش الابن بناءه في العراق وهو الأمر الذي قد يهدد مجمل الوضع في العراق والمنطقة أو يهدد الأحلام الكردية في الاستقلال، على سبيل المثال.

المقاومة العراقية

* المقاومة العراقية ، هل تظن أنها ستطاول أكثر في الميدان أم أنها ستلجأ للتفاوض بسبب طول الطريق ؟

* أبدا، إن المتابع للتطورات في العراق منذ سقوط العاصمة العراقية بيد الغزاة وبدأ العمل المسلح المقاوم يجد أن التنظيمات المقاومة استطاعت تغيير بوصلة المحتل واستراتيجياته أكثر من مرة، بل يمكن القول إن المقاومة خرجت من انتصار ودخلت بانتصار جديد، لدى كان على الحكومة العراقية وقوى الاحتلال تغيير استرايجاتهم في مواجهة خطر وقوة المقاومة. المقاومة استطاعت كما قلنا تغيير الكثير من الاستراتجيات والسياسات على الأرض، وللأسف نجد في كل مرة تحاول أطراف سواء كانت قريبة من المقاومة أو تدعي أنها جزء منها بنسب الانتصار لها وتحاول قطف الثمار لصالحها؛ ولعل الرسالة الأخيرة المتمثلة بمقتل احد رؤساء مجالس الاتقاد (عبد الستار أبو ريشة) واضحة للأطراف التي تحاول استغلال انتصار المقاومة بالكف عن استغلالها لصالحها.

أذكر جيداً في الساعات والأيام الأولى التي لحقت حالة الفوضى التي عمت البلاد بعد الغزو، كان الحديث في دوائر الإدارة الأمريكية ودهاليز السياسية الأمريكية عن استقرار الوضع الأمني والسياسي في العراق بصورة تضمن سيطرة أمريكية على العراق ولم يكن الحديث أبداً يتناول تسليم السيادة للدولة العراقية أو لعراقيين لأجل إعادة بناءها من جديد، لكن هذا الأمر جاء نتيجة وقع ضربات المقاومة العراقية بحيث غيرت الإدارة الأمريكية سياستها نحو العراق باتجاه إنشاء حكومة عراقية تدير سلطة البلاد. لقد جاءت حكومة السفير بول بريمر الأولى كسلطة احتلال تدير البلاد ولم يكن هنالك تاريخ محدد لنهاية صلاحيتها التي سرعان ما هربت من العراق مع اشتداد ضربات المقاومة لتنسحب من العراق بعد الاحتلال بأقل من سنة ونقل السادة إلى حكومة انتقالية، وكان الحديث قبل ذلك عن إدارة أمريكية دائمة للعراق. ويأتي الفضل بتغيير وجهة النظر الأمريكية إلى نشاط وجهود المقاومة والتنظيمات المسلحة. والعراق كدولة نشطت بها المقاومة فهي جزء من تجارب الشعوب التي تستعر بها المقاومة لكن في نفس الوقت تبرز فئات محلية تحاول قطف ثمار المقاومة لصالحها وهو ما اتضح بالحكومات الأربع التي أعقبت الغزو. فهؤلاء لم يأتوا إلى سدة الحكم نتيجة اساهاماتهم في مواجهة النظام السابق؛ فالإدارة الأمريكية التي أطاحت بالنظام لم يكن لديها مشروع سياسي واضح بالعراق لكن نتيجة جهود التنظيمات المسلحة التي ألحقت بهم الهزيمة دفعت المحتل إلى الحديث عن مشاريع إصلاحية تمخضت لاحقاً في صيغة حكومة أو مجلس حكم.

* من المستفيد مما يجري في العراق ؟

* أطراف عديدة مستفيدة من حالة عدم الاستقرار في العراق أولها أمريكا وإسرائيل، ولا اعتقد إننا بحاجة لإقامة الدليل على ذلك. واعتقد من المناسب تحويل السؤال بصيغة من الخاسر الأبرز بما يجري بالعراق ستجد الشعب والمواطن العراقي.

الحل الأمثل للمشكلة العراقية

* ما الحل للمشكلة العراقية برأيكم .؟

* سؤال أصبح تقليدي جداً لكن صدقاً يصعب الإجابة عليه أو رؤية أفق للعراق الآن؛أذكر جيداً عندما كان الأخضر الإبراهيمي يزور العراق كممثل للامين العام في العام 1996 آنذاك بطرس غالي لأجل التفاوض مع الحكومة العراقية ؛ بخصوص مذكرة النفط مقابل الغداء؛  وأذكر جيداً سؤال أحد الصحفيين العراقيين للأخضر هل تعتقد أن الحصار الاقتصادي في طريقه للزوال؟ هذا السؤال كان حديث الشارع العراقي آنذاك وأذكر جيداً كيف كنا ندخل بسجالات سياسية كثيرة بحيث كان يطغى هذا الحديث على جميع الأحاديث اليومية، متى يرفع الحظر وكيف وما الذي تبقى لرفع الحصار الاقتصادي الخانق؟

أذكر جيداً رد أو تعقيب الأخضر الإبراهيمي على الصحفي بالقول (هناك ضوء في نهاية النفق)، ولم تكذب الصحف العراقية الخبر وكان حديث الشارع العراقي آنذاك. أنا الآن أقول وباعتباري مراقب للشأن العراقي منذ ما يقرب العقد ونصف؛ إذا كان الأخضر يقول برؤية الضوء في نهاية النفق فأنا الآن وبعد عقد من زيارة المبعوث الدولي أنني لا أرى النفق ذاته.

* كيف تقيمون الأداء السياسي لهيئة علماء المسلمين في العراق؟

* لقد أثبتت الهيئة جدارتها بثباتها على رأيها واعتبار الموقف من الاحتلال ومخرجاته المتمثلة بالحكومة العراقية والعملية السياسية خط احمر لا يجدر بالأطراف الوطنية الاقتراب منه بل التصدي له كونه جزء من الاستعمار والاحتلال.

كان البرنامج السياسي للهيئة ولا زال يتكون من فقرة واحدة وهي تحرير البلد من المحتل بحيث لم يضعوا تصورا لما بعد الاحتلال. هذا الأمر لم يرق كثيراً للأطراف السنية الأخرى التي وجدت بموقف الهيئة ورفضها للاحتلال والتعامل مع الحكومة العراقية خسارة كبيرة لحقت بالسنة. لكن الآن وبعد أربع سنوات من هذا الموقف الصلب الذي لم يتزحزح قيد أنملة بدعم وإسناد المقاومة المسلحة أثبتت الهيئة قوة أكثر من ذي قبل. بل إن الأطراف التي راهنت على العملية السياسية واختارت أن تكون بالحكومة والبرلمان بدت الآن أكثر ضعفاً وانحساراً ولم تعد تمثل السنة الأمر الذي ضاعف من قوة وثبات وتمثيل الهيئة للسنة في العراق.

لقد أعد المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية في بداية الاحتلال وبعد مرور سنة على الاحتلال دراسة مستفيضة لدور الهيئة السياسي، وأذكر إننا تلقينا انتقادات عديدة من داخل الهيئة وخارجها حيث تناولنا دورها بإطار رؤيتنا للقوى التي تعاملت أو تصدت للاحتلال وعليه كان موقفي تجاهها بأنها قد تترنح في ضوء انسحاب ابرز رجالاتها وتشكيلهم لجبهات أخرى مما افقد الهيئة القوة الداخلية وأفقدها سيطرتها على الشارع السني لكن سرعان ما أثبتت العملية السياسية صحة معتقدات الهيئة وعمق رؤيتها. أذكر جيداً أنني دخلت بسجالات مع أستاذي المرحوم الدكتور خليل إسماعيل الحديثي الذي كان احد المستشارين للهيئة ورئيسها عن دور الهيئة، ولم يتسن لي التأكد من فعالية دورها وتأثيرها إلا في السنتين الأخيرتين، وأثبتت صحة توقعات أستاذي. لقد خسر العراق هذا الرجل بوفاته، ولعل ما نشهده من محاولات الحكومة والأمريكان باللجوء للهيئة لإنقاذها من الوضع والمستنقع الذي تعيشه يعزى لهذه الكوكبة من الرجال الذين أخلصوا للعراق. ولعل النجاح يعزى لثبات قيادتها ممثلة بالشيخ حارث الضاري على المبدأ الذي وضعه للهيئة منذ البداية بمقاومة المحتل ورفض التعامل مع مخرجاته.

احتلال مقر الهيئة

* كيف تنظرون للاقتحام الأخير لمقر الهيئة من قبل حرس ديوان الوقف بأمر رئيس الديوان احمد عبد الغفور ؟

* يمكن الإشارة إلى إن هذا الاستهداف لم يأت للمقر بقدر استهداف الهيئة ومشروعها السياسي المقاوم للاحتلال والرافض للتعاون مع الحكومة المعينة من الاحتلال الأمريكي. ولعل تصاعد الانتقادات مؤخراً من قبل بعض أطراف العملية السياسية ممن ارتضوا الدخول في هذه الحكومة بموجب إطار طائفي ونعني بهم ممثلي السنة - مع تحفظنا لهذا الوصف - واستهدافهم للهيئة وانتقادها بدعم العمل المقاوم المسلح ضد الاحتلال واتهامها بدعم "الإرهاب" على حد زعمها وتأجيج الحقد الطائفي وهي ادعاءات بدأت تتصاعد إنما يؤشر للدور المبيت للقضاء على حصن المقاومة الرئيس ممثلا بالهيئة وشخصها الشيخ حارث الضاري.

في هذا الإطار يمكن تأشير عدد من النقاط وراء استهداف الهيئة في هذا الوقت:

1-الاستفادة من الزخم الإعلامي والنجاحات النسبية المتحققة على الأرض المتمثلة بإضعاف دور القاعدة في العراق مما جعل بعض الجهات التي ارتمت بأحضان المحتل تحاول استكمال هذه النجاحات وتبرير مواقفها المتخاذلة عبر إضعاف الحصن الأخير المقاوم المتمثل بهيئة علماء المسلمين .

2-أعطاء الزخم المناسب للاتجاه الذي تقوده بعض الجهات خصوصا تلك التي أغلقت المقر لإنجاح الحوار مع المحتل لعلها تنجح أن تكون ممثلة للعرب السنة.

3- قوة وشعبية الهيئة عبر ممثلها الشيخ حارث الضاري التي أثارت العديد من الرموز في الساحة السنية.

* ماذا تقول سيدي الكريم للمقاومة العراقية ولهيئة علماء المسلمين في العراق وللشعب العراق؟

*لعلي اقرب الناس للعراقيين فبلدي هو الآخر محتل وتجربتنا مع المحتل مريرة وقد جربنا معها كل الطرق بدءا من العمل المسلح والمقاوم وصولاً إلى التفاوض السلمي، ولم نجد إلا بالعمل المقاوم سلاحاً لمواجهة المحتل، بل إن الجلوس مع المحتل على طاولة التفاوض لم يتم إلا بسبب انجازات المقاومة المسلحة، فهو الكفيل بفرض المعادلة على الأرض وهو ما وجدناه بتحرير غزة قبل سنتين عندما انسحبت إسرائيل من القطاع من طرف واحد. ولعل التجربة الفلسطينية ماثلة للعيان فبعد عقد ونصف من اتفاق أوسلو لم يتحقق شيء في طريق تمتع الشعب الفلسطيني لحقوقه في الاستقلال وتقرير المصير، وعليه تجارب الشعوب الحية تعلمنا أن المحتل أياً كانت انتماءاته وأهدافه لا يفهم إلا لغة القوة. بارك الله فيهم وليس أمامنا إلا دعمهم والإشادة بدورهم في تحرير العراق، وعلى المقاومة وباقي الأطراف العراقية الوطنية ضرورة الانتباه دون أن يجني ثمار المقاومة أطراف دخلاء.

* شكراً لكم وبارك الله بكم، ونتمنى أن نلتقي بكم في العراق.

* بارك الله بكم وأشكركم على إتاحة هذه الفرصة، وتحياتي الطيبة لأبناء الشعب العراقي الشقيق.

حاوره: جاسم الشمري – عمان


يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل

أضف تعليق