هيئة علماء المسلمين في العراق

سماحة الأمين العام للهيئة يوجه رسالة مفتوحة إلى العشائر العراقية
سماحة الأمين العام للهيئة يوجه رسالة مفتوحة إلى العشائر العراقية سماحة الأمين العام للهيئة يوجه رسالة مفتوحة إلى العشائر العراقية

سماحة الأمين العام للهيئة يوجه رسالة مفتوحة إلى العشائر العراقية

وجه سماحة الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ الدكتور حارث الضاري رسالة مفتوحة إلى العشائر العراقية، بثت على قناة الجزيرة مباشر مساء أمس الجمعة 30/11/2007، وفيما يأتي نصها: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد:

فنوجه رسالتنا هذه إلى أصول العراق الطيبة، وركائز نسيجه المتماسك، وضمانة وحدته وسلامته، وسلم الارتقاء به من حفر الاحتلال، والتآمر إلى قمم التحرير والاستقلال والتطور والإبداع.

إلى عشائرنا العراقية الزكية، في الشمال والوسط والجنوب من بلادنا الحبيبة، وعلى اختلاف أطيافهم، ومكوناتهم.

أيها الإخوة الكرام..يا أبناء العراق الغيارى

كنتم عبر التأريخ مطمع نظر العدو، ومطمح نظر الصديق، وملاذ قوى الخير والجهاد في الوطن، لأنكم تمثلون القوة الحقيقية للبلاد، فالعدو يطمع فيكم، ليصل من خلالكم إلى أهدافه، والصديق يطمح إليكم، ليبلغ بكم منافعه، وقوى الخير والجهاد تلوذ بكم كلما داهم الوطن خطب، أو ابتلي باحتلال، لينال أزركم في إزالة الخطوب، وتحرير الأرض والعرض من براثن العدوان.

وكنتم دائما ـ وهذا فضل الله عليكم وعليناـ شوكة في عين العدو، تقض مضجعه، وتحول بينه وبين مطمعه، ووعاء للصديق، تبلغونه بسخاء ما يحتاجه من منافع، وسيفا في يد قوى الخير والجهاد، لا يعود إلى غمده حتى يزول الخطب، وتتحرر البلاد.

هكذا عهدناكم، في الماضي البعيد والقريب، وأقرب الماضي إلينا استذكارا بهذا الشأن ثورة العشرين المباركة، فقد كنتم أبطالها، ومسطري ملحمتها سنة وشيعة، وعربا وكردا وتركمانا، وغير ذلك من أبناء العراق الآخرين الأخيار.

أيها الإخوة الأفاضل...

اليوم يخوض العراق ملحمة كبرى، لم تحدث في التأريخ من قبل، فلم يحدث أن ابتلي بلد باحتلال من قبل دولة عظمى تنفرد في الهيمنة على العالم، وتعد القطب الأوحد فيه.

ولقد أبلى أبناؤكم بلاء حسنا، وأذاقوا العدو شر مذاق، وهو اليوم في أزمة خانقة، فجنوده في وضع منهار، ونوابه في الكونغرس يشترطون على إدارته تمويل عمليات الجنود بشرط اتخاذ قرار الانسحاب، لأن طوابير الموت لجنوده لم تتوقف لحظة، ولأن كلف الحرب لم تعد مقبولة بالمرة، فنحن إذاً على مشارف النصر، وعلى مشارف الخلاص، وعلى أبواب الحرية المنشودة بإذن الله.

أيها الأحباب..

لكن العدو لم ييأس بعد، وهو ـ اليوم ـ يبحث عن حيلة ينقذ بها نفسه، ويحفظ من خلالها شيئا من ماء وجهه، ولأنه يعلم ما لكم من ثقل فإنه توجه هذه المرة إليكم، وهو نفسه الذي استهدفكم حين دخل البلاد، وسعى من قبل إلى إذلالكم، وكان يقتحم دواوينكم وبيوتكم، ويجر أشرافكم إلى المعتقلات والسجون، ويتعمد إذلالكم، والقضاء على ما لديكم من قيم وأعراف وتقاليد.

يظهر لكم هذه المرة بمظهر الصديق، الودود، الذي يحرص عليكم، ويقسم لكم  ـ كما أقسم الشيطان من قبل لأبيكم آدم ـ أنه لا يريد لكم إلا الخير، وأنه ما قدم بخيله وخيلائه، إلا حبا بكم، ومن أجل توفير الأمن لكم، وأنه يخشى عليكم من ظلم الآخرين.

وسيعمل على جركم إلى مؤتمرات، ومشاريع، وتجمعات، وسيزين لكم اللقاء بالدعم والتأييد تحت ادعاءات هذا القسم غير الشريف.

وأنتم يا أبناء العشائر أهل تجربة وبصيرة، وحصافة وفطنة، منكم يتعلم الناس دروس الحياة، ومن دواوينكم تظهر الحكمة، فلستم في موضع يجعلكم تصدقون مثل هذا الهراء، والتزييف للواقع. 

أيها الإخوة الأعزاء..

لقد سعى عدونا منذ بداية الاحتلال إلى تقسيم البلاد عرقيا وطائفيا، لأن ذلك يجعل من البلاد ضعيفة هشة، يسهل انقيادها، والتحكم بثرواتها، وإبقائها ساحة للفوضى، تعجز عن تطوير نفسها، واستغلال إمكاناتها للتقدم، وإسعاد أبنائها.

إنه يريد أن يجعل من العراق لبنان ثانية.. انظروا حال البلد الشقيق لبنان، الذي يوصف بأنه جوهرة المنطقة، إن حاله اليوم لا تسر الصديق، ولا تسوء العدو، فمنذ أن فرضت عليه المحاصصة الطائفية والعرقية سياسيا، لم يعرف هذا البلد قرارا، ولا استقرارا، وصار ساحة مكشوفة يتدخل فيها البعيد والقريب على حساب أمن أبنائه ورخائهم.

إذا اغتيل فيهم وزير اشتعلت بين مكوناتهم الفتنة، وأخذت التهم تتقاذف بينهم كالحمم، وإذا قربت الانتخابات بدت الأزمات بينهم كأنهم مقبلون على حرب، واليوم من اجل انتخاب رئيس لهم تتزلزل البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وتتدخل الدول من الشرق والغرب  لتفرض عليهم أجندتها وسياساتها ومصالحها، ولو كان لبنان بلدا قويا لم يحدث هذا كله.

إن الشعب اللبناني طيب المنبت، أصيل في ذاته، لكن نظام المحاصصة ألحق به أضرارا فادحة، ولذا سعى هذا الشعب في مراحل عدة وبما يمتلك من أصالة إلى لملمة جراحه، وتجاوز آلامه، للعيش بسلام، لكن أعداءه كانوا يعملون على زعزعة أمنه، كلما هدأت له حال، وكان الاستهداف الدائم لرموزه إحدى الوسائل المتبعة في هذه السبيل، وبسبب نظام المحاصصة فيه فإن النقمة لم تكن تتوجه إلى الفاعل الحقيقي الخفي، بل تتوجه إلى المكونات، فتستيقظ الفتنة بينهم من جديد.

لذلك استعرت بين مكوناتهم من قبل حرب أهلية دامت أكثر من خمس عشرة سنة، أتت على الأخضر واليابس، وأغرقت البلاد في الديون، ويراد لها اليوم أن تستعر من جديد.

ونحن في الوقت الذي ندعو الله أن يسلم هذا البلد الشقيق من الأزمات، وان ينعم عليه بالأمن، والرفاه، والقوة والاستقرار، ندعو العراقيين جميعا إلى اخذ العبرة من لبنان، لأن العدو يسعى إلى زعزعة أمننا على هذا النحو، من أجل أن يمرر علينا ما مرره على هذا البلد الشقيق.

وعليكم أن تتذكروا مجلس الحكم الذي قسم البلاد لأول مرة تقسيما عرقيا وطائفيا ثم الدستور الذي أرسى دعائم هذه المحاصصة، وأعد لها القاعدة لتتحول من النظرية إلى التطبيق، ثم سياسات القتل الطائفي التي تبناها المحتل، وساعدته في ذلك قوى الشر من الداخل والخارج لترسيخ الانقسام، والذي دفعنا جميعا ثمنها غاليا من دماء أبنائنا، ولازلنا ندفعه مجانا بسبب فتن الاحتلال، والسياسات الممالئة له ممن ارتضاه الاحتلال لحكمنا. كل ذلك مخطط له ليصب في سياق إضعاف العراق، وأهل العراق.

لقد جاء مشروع بايدن سيئ الصيت الذي قسم العراق إلى أقسام لجس النبض، ورصد نضوج الفكرة، ومدى تقبل الشعب لها، وأشهد أنكم رفعتم رؤوسنا، وخيبتم آمال عدوكم، حين كان رفضكم لهذا المشروع رفضا جماعيا قاطعا والحمد لله.

نعم انبرى بعض الساسة من أصحاب العملية السياسية لتأييد هذا المشروع، ولكن الجميع بات يعلم أن هؤلاء الساسة لم يعودوا يمثلونكم، وأنهم متوجهون لتحقيق مصالحهم دون مصالحكم، وأن ما يهمهم من نظام الفدرالية أن يكونوا هم على رأس السلطة فيها، والمنتفعين من عوائدها، مثل أمير في إمارة، تبقى له طول الحياة، ولذريته من بعده، وهم الذين أذاقوا الناس الأمرّين دون هذا الوضع، ولم يقدموا لهم الخدمات الضرورية، ولم ينقذوهم مما هم فيه من مصائب ومشاكل وإقصاء وحرمان، فكيف إذا آل الأمر إليهم، أمر البلاد والعباد، تحت مشاريع الفدرالية المزعومة، والإمارة المنتظرة.

واليوم يسعى المحتل إلى أسلوب آخر مساعد لمشاريعه هذه، وهو التفتيت، تفتيت الطائفة الواحدة، والعشيرة الواحدة، والمنطقة الواحدة، ومن ثم انشاء كانتونات، ومناطق مسلحة يقتل بعضها بعضا، وصناعة أمراء حرب متنافسين، ليوقد الفتنة في بلدنا العزيز، وليمزق أوصاله، وليبقيه ضعيفا، وليبقى هو السيد، ومن جاء بهم من قوى الشر، ويوصل البلاد في النهاية إلى حرب أهلية يستعر أوارها في كل مكان من أنحاء الوطن.

ومن دون شك فإن أبناء العشائر بالنسبة له أرض مهمة للنجاح، وسيبذل جهده وماله لإحداث مراكز استقطاب في العشيرة الواحدة، وسيغذي الأقطاب جميعا بالمال والسلاح، وبالطبع من مال العراق أيضا، ليحدث من ثم صراعات دموية داخلية، بل إنه بدأ فعلا باتخاذ مثل هذه الخطوات في الوسط والجنوب من أرض العراق.

فالحذر الحذر يا أبناء شعبنا، ويا أبناء عشائرنا .. يا أبناء الرافدين جميعا الحذر الحذر من هذه الفخاخ، التي ستذهب في المحصلة بالمال والرجال، وستحول البلد وأهله إلى رهينة بيد المحتل..

إن ثقتنا فيكم عالية يا عشائرنا العربية الأصيلة، ويا عشائرنا الكردية، والتركمانية، ويا عشائر العراق جميعا.. إن ثقتنا بكم عالية، وظننا فيكم حسن، وآمال الأمة منعقدة على وعيكم وجهدكم وجهادكم.

أيها الإخوة الأكارم..

لقد صدرت شكوى من جهات تمثل عشائر من إخواننا في الجنوب ـ ولم تكن الأولى بل سبقتها شكاوىـ يعربون فيها عن استيائهم من ظلم دولة جارة ترتبط مع مناطقهم بحدود طويلة ولها نوايا عدوانية، وأنها استعملت الطائفية جسرا لتحقيق مصالحها القومية، وعدوا ذلك منها أكثر الطعنات إيلاما وأكثر الخناجر تسمما، وجاء في الشكوى اتهامهم لهذه الدولة بسعيها لتقسيم العراق، وأنها تستهدف المصالح الوطنية للعراق،وتعمل على فصل المحافظات الجنوبية عن البلد الأم،عراق الآباء والأجداد.

وفي تقديرنا إن هذا التشخيص في شكواهم دقيق، وإن ثمة ما هو أدهى وأمر، وإن ظلم هذه الدولة لم يقتصر على المناطق الجنوبية، بل طال بغداد بشكل قاس، والمناطق الوسطى والشمالية أيضا.

لقد عمدت هذه الدولة الجارة هي ومن تعتمد عليهم في العراق إلى أساليب التصفية الجسدية، لكل من يعارضها في مشاريعها التوسعية، وأطماعها غير المشروعة، ولاسيما في جنوبنا العزيز، فلقد قتلت الكثير من رؤساء القبائل من المشايخ العموم في الجنوب، ورؤساء القبائل الصغيرة، ورؤساء الأفخاذ، الذين يعارضون الاحتلال، ويعارضون الفدرالية، وأي تدخل أجنبي في بلدنا العراق الغالي.

وإننا بهذه المناسبة نعلن تضامننا مع هذه الشكوى، وسنكون دائما في موقع التداعي والمناصرة لإخواننا في الجنوب، وكذا لإخواننا في الوسط والشمال، لأننا جميعا أصحاب بيت واحد، وعلينا أن نعمل معا كقوة واحدة رادعة لكل عدو طامع، من اجل إنقاذ هذا البيت.

بيد أننا ننبه إخواننا أصحاب الشكوى، وكل أبناء العراق الذين يحملون هذا الهم على أمرين مهمين:

الأول: ينبغي أن ننسى أن من مهد لدولة الجوار هذه طريق التدخل، ومد النفوذ غير المشروع، وارتكاب الجرائم والحماقات، وفعل الأفاعيل هو الاحتلال نفسه، وان ذلك تم بتنسيق بين الجهتين لمصالح مشتركة، لا رصيد فيها لمعاني الخلق الحسن، وشرف الجوار، وحقوق الإنسان، وان كل جهة سعت لاستغلال الجهة الأخرى لتحقيق أهدافها على حساب دمائنا ووحدتنا وكرامتنا، فحذار أن نسمح باستغلالنا لخدمة إحدى الجهتين لتحقيق مصالح لها، فالجهتان ليس في وارد تفكيرهما مصلحة العراق على الإطلاق.

الثاني: من الخطأ أن نعلق آمالا في الخلاص على جهات جاءت مع المحتل، ونفذت له سياساته، وكانت ومازالت ترتبط معه بأجندة، فلن تنفك هذه الجهات ـ في كل الأحوال ـ عن هذا الارتباط، ولن يكون بمقدورها أن تفعل ذلك، لأنها ذهبت في هذا الشوط المشبوه بعيدا للأسف الشديد.

أيها الأعزاء.. أبناء العراق الكرام

قبل أيام سمح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية رئيس دولة الاحتلال لنفسه أن يبحث في غرفة مغلقة اتفاقا ذا مساس بسيادة العراق، والمصالح العليا له، مع رئيس الوزراء الحالي الذي نصبه من قبل، ومنحه الدعم الكامل ـ على الرغم من انه الشخص الأسوأ الذي نصب على سدة الحكم في ظل الاحتلال  ـ ويراد منه الآن أن يدفع الثمن، أن يبيع العراق بيع مسود لسيد، وبما أن هذا الشخص لا هم له إلا أن يبقى في السلطة، فقد بدا مستعدا ليفرط بكل البلاد ثمنا لهذا المنصب الخائب لقد تضمنت هذه الوثيقة دعم دولة الاحتلال على المدى الطويل للحكومة الحالية وأجهزتها الأمنية المتورطة في قتل أبناء الشعب العراقي في الجنوب والوسط والشمال، وتعذيبهم في أقبية سجونها، وممارسة التطهير العرقي والطائفي، بشهادة منظمات دولية لحقوق الإنسان، ولقد عانيتم كما عانينا من ظلم هذه الأجهزة، التي ليس لها أي ولاء للوطن، والتي كانت ـ ولازالت ـ تتعامل مع العراقيين على أنهم أعداء.

نعم ..هكذا تفعل ..وعلى هذا النهج تسير.

كما تضمنت تقديم العون لهذه الحكومة لتصفية أعدائها، وهم كل من يقف عقبة في طريقها، فرموز العشائر الوطنية، والمقاومة العراقية المشروعة، وكل صوت يرفض ظلم هذه الحكومة، سيكون هدفا لهؤلاء.

كما تضمنت احترام الدستور الحالي وصيانته والوقوف بحزم أمام أي محاولة لتعطيله أو تعليقه أو تجاوزه، وانتم تعلمون أن هذا الدستور هو أصل المشاكل بعد الاحتلال، وهو الذي يؤسس للتقسيم، والذي غيبت فيه إرادة الشعب بطريقة القرصنة، واقتصر في تدوينه على الأحزاب المتواطئة مع مشروع الاحتلال، كما تضمنت هذه الوثيقة المنوي التوقيع عليها في السنة القادمة تمهيد السبيل لعقد اتفاقات أمنية وعسكرية واقتصادية طويلة الأمد، وغير ذلك من البلايا والطامات التي رضي رئيس الوزراء الحالي - من أجل تحقيقها لأسياده - أن يوقع على بياض.

إن هذه الوثيقة بمثابة رهن للعراق ومستقبله وثرواته بيد جلاديه، وهي فضيحة بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد، فضيحة على الإدارة الأمريكية التي لم تكتف باحتلال العراق وتدميره، بل تسعى اليوم للاستيلاء عليه مدى الحياة، وفضيحة على ساستها الذين نصبتهم على سدة الحكم، ورضوا لأنفسهم الارتماء في أحضانها، والعمل في خدمتها.

وفي كل الأحوال فإن على الرئيس الأمريكي ومن معه أن يكفوا عن تجاهل إرادة الشعب العراقي، والمواثيق الدولية، وانتهاك حقوق الإنسان العراقي، وان يفكروا ـ بدلا من ذلك ـ  بالتكفير عن خطيئتهم بحق هذا الشعب، والاعتذار له، وتقديم تعويض عادل له عما اقترفوه بحقه من جرائم ضد الإنسانية طالته في كل ناحية من نواحي الحياة، أما أحلامهم هذه في الهيمنة على البلاد والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها، فهي أوهام، سيمزق أبناء شعبنا بكل أطيافهم رداءها بعون الله تعالى.

أيها الإخوة الفضلاء..يا أبناء شعبنا الأبي

لا حل لنا في الأفق إلا باعتصامنا بحبل الله أولا، ثم التطلع إلى وحدتنا واعتبار التجاوز عليها خطا أحمر،  والمضي قدما في  جهودنا لإبعاد العدو وكل مخلفاته من أرضنا بشتى الوسائل المتاحة، وتسامينا على الجراح، والتواصل فيما بينا لنرسم معا مستقبل بلادنا، بعيدا عن مآرب الاحتلال، ونزوات الساسة، وأطماع دول الجوار، فنحن وإياكم أبناء العراق، ونحن وإياكم من يرسم مستقبله، بعون الله تعالى ولا ينبغي أن نسمح لغريب وافد أو قريب جاحد، أو جار طامع حاقد، أن يحول بيننا وبين هذا الحق، حقنا في العيش الآمن، وفي الحرية والاستقلال، وفي الوحدة في إطار بلدنا العزيز العراق.

إن الاحتلال لابد أن يخرج أولا، لنستطيع تدبر أمرنا، فهو الذي يضع الحواجز بيننا من اجل ألا نلتقي، وألا نتحاور، وألا نتفق، وهو الذي يوقد بين آونة وأخرى فتنا عديدة، ويؤسس لمشاكل شتى طائفية وعرقية واجتماعية واقتصادية وأمنية وغير ذلك، ولديه من أبناء جلدتنا ـ للأسف الشديد ـ من ينفذ له رغباته، ولديه من جيراننا ـ للأسف الشديد أيضا ـ من يشاركه في مآربه، ويعينه على تنفيذ مخططاته، وما ذاك إلا لتبقى الفوضى عارمة في بلادنا، وليشعرنا أننا بحاجة إليه، وانه إذا خرج فإن الأمور ستزداد سوءا، فإذا لم تحل المشاكل مع وجود مئات الآلاف من مقاتليه، فكيف يمكن حلها برحيله؟ هكذا يزعم هو، ويزعم من يعتمد عليه، وهكذا يريدنا أن نفكر ولقد سقط في أحابيله كثيرون، واليوم نسمع من ساسة كانوا من قبل يطالبون برحيله، يصرون هذه المرة على بقائه، ويظنون أن بقاءه  ضمانة للحيلولة دون الانزلاق إلى قتال داخلي، وهذا وهم، فالاحتلال أصل المشاكل، وفي ظله تفاقمت أزمات وولدت أزمات أخرى، وفي عهده برزت صراعات وحدثت جرائم لم يألفها العراقيون من قبل، ولا يعرفون لها نظيرا في تأريخهم، أتدرون لمَ ذاك ؟ لأن الاحتلال نفسه هو من يقف وراء ذلك دائما، ألا ترون أننا كلما نجحنا في حل مشكلة، وأوشكنا على استئصال جذورها وضع في طريقنا أخرى، ليبقينا في هذه الدوامة، دوامة الاختلافات والفتن، لذلك لن نتمكن من حل أي مشكلة مع وجود الاحتلال، لكنه يوم يخرج سيكون بمقدورنا حصر مشاكلنا، والعمل معا على حلها الواحدة تلو الأخرى، ونحن العراقيين ليس لدينا مشاكل عظمى، فأرضنا واسعة، وتستوعب أضعاف أعدادنا الآن، وهي بفضل الله خصبة من شمالها إلى جنوبها، ومياهنا غزيرة، ومواردنا تكفينا، وتكفي عشرات الأجيال القادمة من أبنائنا، وهذا هو الذي جعل عدونا يطمع فينا فلنتفق إذاً على إخراجه، ولنحل بينه وبين أطماعه، وأطماع الآخرين .

أيها الإخوة الأعزاء..يا أبناء بلدنا العزيز

البلدان في كل العالم لديها جيوش تحميها في الشدائد، وتؤازرها في الملمات، والعدو حين غزا أرضنا، وكان عازما على إذلالنا، كان من خطواته الأولى حل جيشنا، ليبقينا بلا سند، كالريشة في مهب الريح يتصرف بنا كيف يشاء .

والجيش العراقي الذي حله العدو، من أقوى الجيوش في العالم، ولديه خبرات عالية، وفيه كفاءات نادرة، وصرفت مليارات من أموالنا، على إعداده، وتطوير قدراته، فبأي منطق يطلب منا تجاهله، وعلى أي أساس نضحي به، ونهدر إمكاناته.

إن هذه رغبة العدو، ورغبة الحاقدين على العراق، وهم معروفون لكم، ولكل العالم.

إن أبناء هذا الجيش أولا وآخرا أبناؤنا، وهم كانوا صورة مشرقة تعكس فسيفساءنا، لأن عناصره من كل المكونات العراقية طوائف وأعراقا وديانات ومذاهب، وهم متعلمون على الإخلاص للوطن بعيدا عن النعرات الطائفية والعرقية،  وكلنا يذكر أن إثارة أي جدال طائفي أو عرقي في الجيش السابق كان خطا أحمر، فلن نجد أفضل من هذا الجيش اليوم لحفظ البلاد، واستعادة الأمان.

لذا ندعوكم إلى المطالبة بعودته، والتمسك به، على الرغم مما يشاع حوله من إشاعات باطلة ومغرضة، مفتراة ممن كانوا يحقدون عليه لإنجازاته في خدمة البلاد، وخوفا من عودة العراق بلدا له شأن .

وإذا كان ثمة اعتراض ـ أيها الإخوة ـ على شخصيات فيه أساءت إلى شعبنا من قبل، فهذا أمر يمكن معالجته من خلال إقصاء هذه الشخصيات، وان من الظلم لأنفسنا أن نفرط بجيش عالي الكفاءة ـ نحن أحوج ما نكون إليه في هذه الأزمة وفي هذه الأيام  ـ من اجل بعض المسيئين.

تأملوا اليوم الجيش الحالي وأجهزة الشرطة، التي أسست أصلا لخدمة المحتل، وتنفيذ مشاريعه، ماذا جنينا منهم؟ فالقتل الطائفي، والقتل بين الطائفة الواحدة، والقتل العرقي، وسرقة أموال الناس، وأموال الدولة ومنها النفط، واستهداف الأبرياء، واجتياح المدن مع المحتل، وتعذيب السجناء وهتك الأعراض، واستهداف بيوت الله والعتبات المقدسة، كل ذلك وغيره تورطت به عناصر كثيرة منهم، فكيف نتأمل أن ينقذونا من العذاب الذي نحن فيه، وكيف يراد منا إن نطمئن إليهم، إذا كانوا هم جزءا من البلاء الذي سلط على العراق وشعبه.

من دون شك ـ أيها الإخوة ـ بين هؤلاء عناصر لا تحب الظلم، ولا تمارسه، لكنها مغلوبة على أمرها، لا حول لها ولا قوة، وهذه العناصر الطيبة يمكن احتواؤها، وعزلها عن هذا المحيط السيئ الآسن.

إن إعادة الحياة إلى هذه المؤسسة العسكرية الوطنية بعد رحيل الاحتلال، من شأنه إن يختصر علينا الزمن في استتباب الأمن، وإعادة الوضع الطبيعي للبلاد، وحينها ستختفي كل المظاهر المسلحة، ولن يسمح لأحد بعد ذلك بحمل السلاح مهما كانت مبرراته .

فلنعمل معا على عودة الجيش الوطني، فهو مربط الخلاص، ولنصم آذاننا عن إرجاف المرجفين، وادعاءات المدعين .

أيها الإخوة...

أما مستقبل العراق فلن يستأثر به أحد، فنحن قادرون جميعا ـ بإذن الله ـ على رسم مستقبل له لا يقصى منه احد، تناط فيه الأمور بأهل الكفاءة، وذوي القدرة على مجاوزة المحنة وإعادة إعمار البلاد دون النظر إلى الطائفة أو العرق، ويكون قوامه التداول السلمي للسلطة بالوسائل المشروعة، ويحظر فيه أي عمل سياسي يعتمد برامج طائفية أو عرقية، ويمكننا أيضا الاتفاق على دستور جديد للبلاد، يحفظ حقوق الجميع بعيدا عن حراب الاحتلال، وأطماع الطامعين، دستور يشارك فيه الجميع بلا استثناء، وليس كدستور الاحتلال، الذي غيب إرادة الشعب العراقي، وصيغ على نحو يلبي رغبات المحتل، وفئات سياسية معينة متورطة معه يعرفها الجميع.

إننا إذا اتفقنا على هذه الخطوط العريضة، سيكون بمقدورنا ـ بعون الله تعالى ـ إيجاد الآلية المناسبة لتنفيذها، وإجبار العدو وغيره من المتربصين على القبول بها، فان إرادة الشعوب إذا اتحدت لا تقهر، وان الله سبحانه ظهير لأصحاب الكلمة الواحدة الذين يستهدون بهداه، ويتوكلون عليه.

وأخيرا وليس آخرا..

ندعو العشائر العراقية الطيبة ذات المنابت الكريمة ..عشائر العراق التي رفعت الرؤوس عاليا في كل الملمات التي تعرضت لها البلاد، فهم عبر التأريخ قادوا جيوش الدفاع عن الحياض، ووقفوا في وجوه المحتلين، ندعوهم وندعو أنفسنا لنتخذ من الصبر رداء ومن الصمود طريقا ..

فصبرا وصمودا يا رجال ..لأن البلدان لا يمكن الدفاع عنها من دون صبر وصمود، وانتم أهل الصمود والصبر، وعليكم تعقد الآمال.

يا أبناء عشائرنا العراقية المباركة عليكم أن تفشلوا مشروع الاحتلال تماما، وقد أوشك ذلك أن ينجز بإذن الله، وأن تعدوا أنفسكم لمرحلة التحرير الآتية، فاستعدادكم لها ضرورة لتبنوا البلاد بيد الأبناء..

لا تتوقعوا أن يبني لكم الاعداء بلدا، فما جاء الأعداء إلا للهدم والتخريب .. هذه الأموال التي تهدر بالمليارات تحت شعار ما يسمى بعقود الإعمار، إعمار هذه المحافظة أو تلك ..أين هي ؟ لقد تلاشت ولا إعمار..لأنها لا تذهب إلى الإعمار حقيقة، بل إلى جيوب العملاء الموالين للاحتلال رشى، وشراء للذمم، تذهب إلى حسابات الذين اختارهم الاحتلال، أو اختاروا هم أن يكونوا في خدمة الاحتلال، هؤلاء لا يبنون، ولا يعمرون ..

إذاً إعمار البلاد وبناؤها سيبقى متوقفا عليكم، فلنتهيأ لهذا اليوم الذي نبني فيه بلادنا بيد أبنائنا البررة المخلصين على نحو يعيد العراق لأهله، ويعيد له موقعه المتميز في العالمين العربي والإسلامي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ الدكتور حارث الضاري

الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق


يرجى الإشارة إلى المصدر عند النقل

أضف تعليق