هيئة علماء المسلمين في العراق

(( فقه الحج والعمرة ))بقلم حسين الرشيد
(( فقه الحج والعمرة ))بقلم حسين الرشيد (( فقه الحج والعمرة ))بقلم حسين الرشيد

(( فقه الحج والعمرة ))بقلم حسين الرشيد

(( فقه الحج والعمرة ))بقلم حسين الرشيد بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
فإنَّ الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة لمن استطاع إليه سبيلاً، قال تعالى : ((ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً )) [ آل عمران الآية 97 ] . وقال تعالى :((وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق*ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير )) [ الحج الآيتان 27 – 28 ] .. وهو الاجتماع الأكبر لأبناء الدين الواحد ، إذ يستشعر المسلم بأنه مقبل على الله تبارك وتعالى يناجيه جهاراً وإسراراً ، ملبياً الدعوة الخالدة : (( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك )) . دعاء تهتف به حناجر المسلمين ، دعاء عمرت به قلوبهم ، ودمعت له أعينهم ، وهم يؤدون فريضة الحج .
وقد كان الحج في أيام العرب قبل الإسلام موسماً من مواسم الثقافة والسياسة والاقتصاد والعبادة والتقارب والألفة والتعارف ؛ لانه كان يأتي عقب سوق عكاظ ، حيث تجتمع العرب من كل أقطارهم بالجزيرة ليتبادلوا المنافع ، وقد كانوا يدركون أنَّ الحج عمل تعبدي مقدس ، فكانوا يقيمون قبل موعده سوق عكاظ ثم يحجون مع ما في حجهم من المخالفات الشرعية ((وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً )) [ الأنفال : الآية35 ] …
ولما جاء الإسلام أقر الحج ، وجعله أحد الفروض والأركان الخمسة ؛ لأنه مفروض على الناس على لسان إبراهيم  ثم نقَّاه الإسلام مما كان قد علق به من الشركيات والبدع ، فصار الحج الإسلامي فرصة لا تعوض للفوز والسعادة ؛ لأنه في حقيقته عبادة وقربى ، والعبادة تكسب الإنسان الخير في حياته وبعد مماته .
وقد نظَّم الإسلام شعيرة الحج خير تنظيم ، ورسَّخ قواعده على تمتين قواعد الإنسانية والمحبة والسلام ، وجعل قوامه العمل الصالح الذي تلتقي فيه كل الخلائق .
وكل أركان الإسلام الخمسة في حقيقتها وأبعادها صرح للإنسانية الفاضلة ، وأول هذه الأركان (( الشهادة )) ؛ ليتحرر الإنسان من عبودية غير الله ، ويكون الناس سواء ، لا يفرق بين أحد منهم اللون ولا الجنس ولا اللغة ولا الحياة المادية ، كل من قال : (( لا اله إلا الله محمد رسول الله )) فقد أسلم لربهِ وجدَانَهُ وذوقه وروحه وأشواقه العليا وأموره في الدنيا وبالتالي فهو معصوم الدم والمال والعرض .
وكل من ينفي عن نفسه العبودية لأحد غير الله فقد تحرر من أوهامها وانطلق من وثاقها إلى حيث يصبح الناس أخوة متساوين متكافئين في الحق والواجب ، فينظرون إلى أعلى ، لا يستعبد أحد أحداً ، بل كلهم عبيد لله تعالى .
ولذلك تجد المسلمين من كل قارات العالم يجتمعون من كل فج عميق في البلد الأمين، ما جمعتهم مصالح خاصة ، ولا مغانم زائلة ، ولا سمعة ولا رياء ، تحملوا المشاق المادية والبدنية ليشهدوا هذا اللقاء العظيم الذي دعا له رب العالمين ، فحدد زمانه ومكانه ومدته ووسائله وأهدافه .
فقه الحج
قبل أن ندخل في الكلام عن (( فقه الحج )) نود أن نشير إلى أنه ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم انه حج فقال : (( خذوا عني مناسككم )) … وقد ورد حديث شامل وجامع لأفعال ومناسك النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ، وهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ونود أن نذكِّر القارئ بضرورة قراءته ، لأنه أشمل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، وقد نقلناه من أصح الروايات في آخر الكتاب ، فارجع إليه تجد فوائد – إن شاء الله - . 

تعريف الحج
الحج في اللغة : القصد .
وشرعاً : هو قصد البيت الحرام للطواف حول الكعبة المشرفة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وأداء سائر المناسك امتثالاً لأمر الله تعالى .

حكم الحــج
هو فرض واجب على المسلم إذا كان بالغاً عاقلاً حراً مستطيعاً ذكراً كان أو أنثى . وهو واجب على الفور عند الحنفية والمالكية والحنابلة والإمامية ، وعلى التراخي عند الشافعية .
ودليل فريضته قوله تعالى : (( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً )) والاستطاعة : أن يكون قادراً على الزاد والراحلة ، سليم البدن ، آمن الطريق … وهي أمر نسبي يختلف باختلاف الأفراد وظروف معيشتهم ، وما يلزم لأمثالهم في
الحج ، وصحتهم وقوة تحملهم ، وأمنهم على أنفسهم … إلى غير ذلك مما يوفر للشخص الاطمئنان على نفسه ، وعلى من يتركهم من عائلته ، وما ورائه من مصالحه.
والضابط لهذا : أن لا يترتب على أداء الحج ضرر ومشقة فادحة له ولمن يعوله .
ودليل وجوبه من السنة : ما اتفق عليه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا اله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، والحج )) ، وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم فقال : (( يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا …)) .
وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي بلغت مبلغ التواتر والتي تفيد اليقين والعلم القطعي بثبوت هذه الفريضة .
ومن أنكر فرضية الحج فقد كفر … وهو واجب في العمر مرة واحدة ، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن ابن عباس  قال : خطبنا رسول الله  فقال : يا أيها الناس كُتِب عليكم الحج ، فقال الأقرع بن حابس : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال : لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا … الحجُ مرة ، فمن زاد فهو تطوع )) .
فضائل الحــج







قال الله تعالى : ((وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق*ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام …)) [ الحج 27-28 ] .
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )) .
وفي صحيح مسلم عن السيدة عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة … )) .
وروى الترمذي وصححه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)) .
وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((الحجاج والعمَّار وفد الله ، إن دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم )) .
الحكمة من مشروعية الحج

لقد شرع الله تعالى الحج ، وجعله فرضاً من فرائض الإسلام لما فيه من مصالح ومنافع وحكم ، ففي الحج يجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها في مكان واحد ، فيتشاورون في مصالحهم وفيما يعود عليهم بالنفع العام بما يمثل مؤتمراً إسلامياً عالمياً… وفيه يشهد المسلم الأماكن المقدسة والمشاهد العظيمة التي شهدت انتصار الإسلام في أيامه الأولى ، ويرى الحاج موطن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويعيش فترة من الوقت في الأماكن التي عاش فيها الصحابة والتابعون – رضوان الله عليهم – فيستيقظ شعوره الإسلامي ، ليدفعه هذا الشعور المتحفز للسير في الطريق نفسه الذي سلكه هؤلاء الأبطال لرفع كلمة الله عالية خفاقة على ربوع العالمين ...
وفي الحج تتضح صور المساواة في أبهى صورها وأجلى معانيها إذ يقف المسلمون جميعاً على صعيد واحد ،  كلهم قد أظهر ضراعة وخشوعاً لله تعالى … لا فرق بين جنس ولون … ولا بين غني وفقير … ولا بين رفيع ووضيع …
ثم إنَّ الحج بعد ذلك كله تدريب للنفس البشرية على العبادة الحقيقية ، والطاعة الصادقة ؛ لأن الحاج يترك ماله وبيته وأهله وعشيرته ، ويذهب إلى مكة لأداءِ مناسك قد لا يُدرك عقله سرها وحكمتها ، ولكنَّه يفعلها تقرباً لله تبارك وتعالى وامتثالاً لأمره.
والحج عامل فعَّال لتوحيد كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ومظهر رائع كريم من مظاهر الوحدة العقدية الغراء تحت راية الإسلام التي تجمعهم على الحب في الله ، وتهيئ لهم فرص التعارف والتآخي التي يحس فيها المسلم الصلة الوثيقة التي تربط المسلمين فيما بينهم في كل مكان .

إرشادات عامة لمن يريد الحج

إذا عزم المسلم على السفر لأداء فريضة الحج أو العمرة يستحب له أن يفعل ما يأتي :
(1) يحث أهله وإخوانه وعشيرته على التمسك بتعاليم الإسلام والتزام العمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
(2) يكتب ما له وما عليه من الديون والحقوق ، وذلك من أجل أن يضمن حقه وحق الآخرين .
(3) يدون الوصية الشرعية ، ويستحب له الوصية بجزء من ماله للفقراء والمساكين .
(4) المبادرة إلى التوبة والمسارعة إلى رد مظالم الناس ، والندم على ما بدر منه من تقصير في حق الله تعالى وحقوق عباده .
(5) أن يختار أطيب الحلال من ماله ليستعين به على مطالب الحج ونفقاته ، لأنَّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ، وقد روى الإمام الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة ، ووضع رجله في الغرز فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء : لبيك وسعديك ، زادك حلال ، وراحلتك حلال ، وحجك مبرور … وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء : لا لبيك ولا سعديك ، زادك حرام ، ونفقتك حرام ، وحجك غير مبرور )) .
(6) يسن للحاج أن يصلى ركعتين قبل ركوب الراحلة وتسمى (( صلاة السفر )) .
ماذا يفعل الحاج عند ركوب الراحلة
(1) إذا ركب الحاج الراحلة التي تنقله إلى الديار المقدسة مهما كان نوعها ، يستحب له أن يسمي الله تعالى وأن يحمده ثم يكبر الله تعالى ثلاثاً .
وإذا سارت الراحلة يقول : (( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما
ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطو عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم اني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر ، وكآبة المنظر ، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد )) … 
(2) أن يصون لسانه وعينيه وجميع جوارحه عن كل ما يغضب الله تبارك وتعالى ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما صح عنه : ((من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه )) .
(3) يستحب له أن يكثر من الدعاء والذكر من تسبيح وتهليل وتحميد وتكبير .
أنواع الحـــج

الحج ثلاثة أنواع ، يمكن للحاج أن يختار أحدها فيؤدي مناسكه بناءً على الأحكام المتعلقة بهذا النوع ، وهي :
(1) الإفـراد            (2) التمتــع            (3) القِــرَان
أولاً : الإفراد : وهو أن ينوي الحج وحده ويحرم به من الميقات ، قائلاً : (( لبيك حجاً )) ويبقى محرماً حتى يفرغ من أعمال الحج .
ثانياً : التمتع : وهو أن يقدم العمرة على الحج ، ومعنى ذلك : أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات أولاً ، قائلاً : (( لبيك عمرة )) ثم بعد أن ينهي العمرة من طواف وسعي وحلق أو تقصير يتحلل من إحرامه ، ثم يبقى متحللاً إلى أن يحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة (( وهو يوم التروية )) أو في اليوم التاسع كما هو مخصص للعراقيين وبعض الدول من أجل الزحام ، ويكون الإحرام من مكة ومن محل سكنه .
وسمي هذا النوع تمتعاً ؛ لأنَّ الحاج انتفع بأداء النسكين في أشهر الحج في عامٍ واحد .. ولأنَّ الحاج يتمتع بما حَـرُمَ على غيره من المحرمين بعد تحلله . والغالب على حجاج العراق والعالم الإسلامي أداء فريضة الحج حسب هذا النوع .
ثالثاً : القِرَان : وهو أن يقرن الحج والعمرة فيحرم بهما معاً ، قائلاً : (( لبيك حجاً وعمرة )) ، ويبقى محرماً إلى أول أيام العيد بعد أن يرجم ويحلق . وسمي هذا النوع قِراناً ؛ لأنه قرن بين الحج والعمرة بإحرامٍ واحد . واختلف العلماء في افضل الأنواع ، والصحيح : أنَّ التمتع أفضلها ( ) .
مواقيت الحج 
الحج له مواقيت زمانية ومكانية :
فالمواقيت الزمانية : هي الأشهر التي يجب الحج فيها حصراً ، وهي : شهر شوال ، وشهر ذي القعدة ، والعشر الأُوَل من ذي الحجة ، وتنتهي بطلوع فجر يوم النحر .
أما المواقيت المكانية : فهي الأماكن التي يكون الإحرام منها ، فلا يجوز للحاج ولا المعتمر أن يتجاوزها دون إحرام ، وهي كما يأتي :
(1) ذو الحليفة : وهو المسمى اليوم ( أبيار علي )) وهو ميقات أهل المدينة ومن يحج عن طريقها وهو الآن ميقات أهل العراق ؛ لأنهم يمرون من هناك .
(2) الجحفة : وهي قرية بين مكة والمدينة اندثرت وعوِّض عنها (( رابغ )) التي تبعد 240 كم تقريباً ، وهو ميقات أهل مصر والمغرب والشام وبلاد الأندلس ، وكذا من يأتي عن طريقها .
(3) قرن المنازل : وهو جبل شرق مكة وقريب من المكان المسمى (( السيل )) وهو ميقات أهل نجد والكويت .
(4) يلملم : وهو جبل جنوب مكة ، وهو ميقات أهل اليمن والهند ، وكذا من يأتي عن طريقها .
(5) ذات عِرق أو (( وادي العقيق )) : وهو موضع في الشمال الشرقي من مكة ، وهو ميقات لأهل العراق أيضاً ، لكنهم – كما سبق – لا يمرون من هذا الطريق ، بل يمرون من المدينة .
وهذه المواقيت حددها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب البلاد التي ذكرناها ، ويحرم على المسلم الذي ينوي الحج أو العمرة أن يتجاوزها بدون إحرام سواء كان حجه براً أو جواً أو بحراً ، لقوله صلى الله عليه وسلم لما وقَّت هذه المواقيت : ((هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن أراد الحج والعمرة )) رواه الشيخان وغيرهما.
وعلى من كان مسافراً بالطائرة لبس الإحرام من بيته أو في المطار ، فإذا بلغ الميقات صلى ركعتين ونوى الحج … ولا ينوي الدخول في النسك قبل ذلك ، ولا يلبي إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه ؛ وليس في ذلك مشقة ، وإذا كان لا يعرف الميقات فإنه يسأل قائد الطائرة ، أو أحد مساعديه ، أو من يثق به من أهل الخبرة بذلك ؛ ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم إلا من الميقات ، والتلبية تكون بعد الإحرام .
أفعال الحاج عند وصول الميقات

ذكرنا أنَّ الحج ثلاثة أنواع ، وأنَّ غالب الحجاج العراقيين يأخذون بنوع واحد في الحج وهو (( التمتع )) لذا فإننا سنكتفي بتفصيل أحكام هذا النوع ، حتى يتبناه الحجاج لأنه الأسهل والأحسن … لا سيما وانه أفضل أنواع الحج عند الحنابلة ،وهو الراجح؛ لأنه يجمع بين نسكين ، وبالتالي يتضاعف فيه الأجر والثواب.
فإذا وصل الحاج الميقات ، كان من المستحب فعل الأعمال التالية :

(1) الاغتسال وتطييب البدن قبل لبس الإحرام ، وقد روي في الصحيح أن السيدة عائشة – رضي الله عنها – كانت تطيِّب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم. ولا يجوز تطييب ثياب الإحرام؛ فإن فعل ذلك فإنه يجب عليه غسلها من الطيب. 
(2) قص الشارب وتقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط مما يستدعي إزالته .

(3) لبس الإحرام ، ويستحب للرجل أن يحرم بإزار ورداء أبيضين نظيفين ، أما المرأة فتحرم بثيابها الإعتيادية لكن عليها أن تجتنب ثياب الزينة . وليس لها أن تلبس النِّقاب والقفَّازين حال إحرامها ، ولها أن تغطي وجهها بغير النِّقاب ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرمة عن لبسهما .
(4) صلاة سنة الإحرام : وهي ركعتان ، ويستوي فيها الرجال والنساء ،  إلا إذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء فلا تصليها .
(5) النيـة : ثم إذا انتهى من الغسل والتنظيف ولبس الإحرام وكشف الرأس ينوي العمرة قائلاً : (( لبيك عمرةً )) أو (( اللهم لبيك عمرة )) . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلفظ بالنية بعد استوائه على دابته .
(6) الإكثار من التلبية في طريق الحج وهي : (( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك )). والتلبية بعد الإحرام مباشرة ، ويستحب الإكثار منها .
وكذلك يستحب تجديدها عند تغير الحال من صعود جبل أو الانحدار من مرتفع أو ركوب قافلة أو النـزول منها … ويرفع الرجل بها صوته ، أما المرأة فتسمع نفسها فقط .
محظورات الإحـرام
إذا أحرم الرجل فإنه يحرم عليه فعل كثير من الأشياء ، وهي تتمثل بالآتي :
(1) حلق الشعر وتغطية الرأس : وقد قال الله تعالى : (( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ )) [ البقرة : 196] ، وقد قال الإمام الشافعي: في الشعرة كفارة مدٍ، وفي الشعرتين مدّان، وفي الثلاثة فصاعداً دمٌ … والناسي والمتعمد في ذلك سواء .
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس )). والمقصود من تغطية الرأس بملاصق ، أما إذا لم يكن ملاصقاً فلا بأس كالشمسية ونحوها ، وكذلك يجوز الاستظلال بالخيمة والشجرة والسيارة .
(2) قص الأظفار: وقد أجمع العلماء على حرمته للمحرم ، إلا إذا كُسِرَ فإنه يجوز له إزالته ولا فدية عليه .
(3) لبس المخيط: وهذا في حق الرجل خاصة ، كالقميص والفانيلة والسراويل والخفين والجوربين .. قال العلماء : إلا إذا لم يجد إزاراً فيجوز له لبس السراويل ، أو لم يجد نعلاً فإنه يجوز له لبس الخفين ؛ لما صح عن ابن عباس – رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين )) .
(4) التطيب في الثوب أو البدن : و قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( أما الطيب الذي بك فاغسله عنك – ثلاث مرات - )) .. وروي أنَّ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- وجد طيب من معاوية – رضي الله عنه- وهو محرم فقال : ارجع فاغسله ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( الحـاجُ : الشعثُ التفلُ )) والتفل : هو الذي يجتنب التطيب والزينة .
(5) صيد البر : وكذا المعاونة عليه أو تنفيره من مكانه ، لقوله تعالى : (( حرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حُرُماً )) .
(6) قطع نبات الحرم وشجره لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ هذا البلد – يعني مكة – حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يُعضدُ شجرها ، ولا يُنفَّر صيدها … )) .
(7) عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من حديث عثمان رضي الله عنه: (( لا ينكَح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب )) .
(8) الجماع ودواعيه ، وكذا اقتراف المعاصي والجدال ، لقوله تعالى : (( فمن فرض فيهنَّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج )) ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )) . والرفثُ : يطلق على الجماع ، وعلى الفحش من القول والفعل …
ملاحظة مهمة : قد يحتاج الحاج إلى تغيير ثياب الإحرام أو تنظيفها، أو أن يغسل رأسه وبدنه، فكل ذلك جائز، وإن سقط بذلك بعض شعر الرأس بدون قصد فلا شيء عليه – والله أعلم -.
ما يستحب فعله لدخول مكة المكرمة
(1) يسن للمحرم أن يغتسل قبل دخول مكة المكرمة  ، وهذا الغسل للنظافة عند جمهور العلماء فيطلب من المرأة الحائض والنفساء أيضاً ، فإذا لم يجد الحاج مكاناً للإغتسال أو وجد في الأمر حرجاً ومشقة فلا بأس بتركه .
(2) إذا دخل مكة يستحب له أن يبدأ بالمسجد الحرام بعد أن يطمئِّن على أمتعته ، ويتوضأ ، فإذا وصل إلى المسجد الحرام يسن له تقديم رجله اليمنى ويقول : (( بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ، أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم اللهم افتح لي أبواب رحمتك )) …
ويقول عندما يقع بصره على الكعبة ما روى عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - فيما رواه البيهقي : (( اللهم زد هذا البيت شرفا وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبراً ، اللهم أنت السلام ومنك السلام ، فحينا ربنا بالسلام )) … وله بعد ذلك أن يدعو بما شاء .
ثم يبدأ بأعمال العمرة حسب ما سنذكره من صفتها -إن شاء الله-.

صفة العمــــرة
كيف يؤدي الحاج العمـرة
ذكرنا سابقاً الأحكام التي تتعلق بخروج الحاج وما يتعلق بها من أحكام أثناء الطريق ، وماذا يفعل عندما يدخل مكة والمسجد الحرام ، وكذلك عندما يشاهد الكعبة …
والآن نريد أن نُعرّفه على الخطوات التي تلي دخوله المسجد الحرام ومشاهدته للكعبة المشرفة من أجل أن يؤدي عمرة صحيحة – إن شاء الله - :
1. إذا قاربتَ الكعبة ووصلتَ إليها فإن عليك أن تقطع التلبية ، وتضطبع قبل البدء  بطوافك .
والاضطباع : أن تجعل وسط الرداء تحت المنكب الأيمن وطرفيه على العاتق الأيسر.

2. ثم تذهب لتستلم الحجر الأسود بيدك اليمنى وتقبله - إن تيسر ذلك - وتقول : (( بسم الله والله أكبر )) . فإن لم تتمكن من استلامه فانك تشير إليه وتقول (( بسم الله والله أكبر )) .
ويستحب للحاج أن يقول في ابتداء طوافه : (( اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم )) .
3.ثم تطوف سبعة أشواط يبتدأ الشوط من الحجر الأسود وينتهي به ، وكلما حاذى الحجر الأسود في بقية الأشواط استلمه بيده وقبله أو أشار إليه ، قائلاً : (( بسم الله
والله أكبر )) .
4.ويرمل الحاج في طوافه في الأشواط الثلاثة الأولى  .
والرمل : هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى … وهو خاص بالرجال دون النساء . ويمشي في بقية الأشواط الأربعة مشياً اعتيادياً مع الدعاء والذكر والتسبيح وقراءة القران الكــريم .
5.يستحب للحاج أن يستلم الركن اليماني بيمينه ، ويقول (( بسم الله والله أكبر )).
6. يستحب أن تقول فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود : ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) …والطواف ركن فمن تركه فلا تصح عمرته .
ويشترط لصحة الطواف أن يكون الطائف طاهراً من الحدث الأصغر والأكبر ؛ لأنَّ الطواف مثل الصلاة غير أنه رُخِص فيه الكلام .
والمشي في الطواف للقادر عليه واجب عند الحنفية والمالكية والحنابلة ، وقال الشافعية والامامية : سنة .
7.فإذا فرغ الحاج من الطواف ذهب إلى مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقرأ قوله تعالى : (( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى )) .
8.ثم يصلى ركعتي الطواف خلف المقام – إن تيسر له ذلك – فإن لم يتيسر ففي أي مكان في المسجد ، ويقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وقل يا أيها الكافرون ، ويقرأ في الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد. 
وهذه الصلاة سنة مستحبة ... ويستحب للحاج أن يعود بعد أن ينتهي من الصلاة إلى الحجر الأسود ويقبله – إن تيسر له ذلك – فإن لم يتيسر لشدة الزحام فلا بأس بتركه .
9. ثم يذهب ليشرب من ماء زمزم ، ويسن له أن ينوي الاستشفاء عند شربه ونحو ذلك مما فيه خير الدين والدنيا ؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه أنه قال : (( ماء زمزم لما شرب له )) .
وكان عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما -  يقول : (( اللهم اني أسألك علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاءً من كل داء )) ، والشرب من ماء زمزم سنة ينبغي للحاج الإتيان بها .
10. ثم يذهب للسعي بين الصفا والمروة ، ويدخل من باب الصفا ، فإذا دنا من جبل الصفا قرأ قوله تعالى : (( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ )) . [ البقرة : الآية 158 ] ، ويقول : نبدأ بما بدأ الله به .
11. ثم يرقى على الصفا ويستقبل القبلة ويقول : (( الله اكبر ، الله اكبر ، الله اكبر ولله الحمد، الله اكبر على ما هدانا ، والحمد لله على ما أولانا ، لا اله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير .
لا اله إلا وحده لا شريك له ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ...
لا اله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون )) … ثم يدعو بما تيسر ، رافعاً يديه ، مع تكرار هذا الدعاء ثلاث مرات .
وهكذا يفعل عندما يصعد على المروة أيضاً ، إلا انه لا يقرأ قوله تعالى : (( إن الصفا والمروة … )) ؛ لأنها خاصة بالصعود على الصفا ...
وقد روي أن النبي عليه السلام كان يقول في سعيه، ما رواه الطبراني في معجمه الأوسط: ((رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك الأعز الأكرم )) .
12. وتتم السعي سبعة أشواط مشياً إعتيادياً إلا بين الميلين الأخضرين فإنه تستحب الهرولة بينهما… وهو خاص بالرجال دون النساء .
ملاحظة : السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة . ويستحب للساعي التطهر من الحدث والخبث ، ولو سعى على غير طهارة جاز مع الكراهة ، وكذلك المرأة إذا حاضت أو نفست وسعت أجزأها ذلك ؛ لأنَّ الطهارة ليست شرطاً في السعي وإنما هي مستحبة .
ملاحظات :
الأولى : يجب عند الحنفية والحنابلة والإمامية الموالاة بالسعي بلا تفريق كثير بين
الأشواط ، وقال المالكية : شرط ، وقال الشافعية : سنة . وعليه : فإنَّ الساعي إذا ابتدأ بسعيه ثم شعر بالإرهاق والتعب فله أن يستريح ، ويجوز لمن سعى ماشياً وتعب أو مرض أن يكمل سعيه بالعربة ونحوها .
الثانية : يستحب للحاج أن يأتي بالسعي بعد الطواف مباشرة .
الثالثة : إذا أدركت الساعي الصلاة في أثناء سعيه أو طوافه ، فإن عليه أن يصلي ثم يكمل من حيث وقف . 
13. فإذا انتهيت من السعي فأنت مخير بين الحلق أو التقصير ، والحلق أفضل لمن أتى بالعمرة وحدها …
أما إذا كنت متمتعاً فالتقصير أفضل ؛ حتى تحلق في نهاية المناسك بعد إتمام مناسك الحج – إن شاء الله - .
14. والمرأة الحاجة لا تحلق جميع رأسها، بل تقص من ضفائرها قدر الأنملة (( بقدر رأس الإصبع )) .
(( والحلق أو التقصير ركن من أركان العمرة لابد منه لمريد النسك )) .

ملاحظة مهمة :
ذهب الشافعية إلى أن الترتيب بين أفعال العمرة ركن ؛ ومعناه أن يأتي المعتمر بأفعال العمرة مرتبة حسب ما ذكرنا ، فإنه بعد إحرامه وحضوره المسجد الحرام يبدأ بطواف العمرة ، ثم بالسعي بين الصفا والمروة ، ثم يحلق أو يقصر ، ولا يقدم بعض الأركان على بعض ... فمن لم يرتب بين الأركان لم تصح عمرته عند الشافعية .

وبهذا تنتهي أعمال العمرة ويرمي المحرم الاحرامات عن جسمه ، ويتحلل منها ، ويلبس الحاج ملابسه الاعتيادية ويمكث في مكة بملابسه تلك بدون سعي ، ويمكن أن يكرر الطواف ؛ لأنَّ تكراره مشروع مستحب وهو المسمى ((  طواف التحية  )) وهو الذي يفعله الحاج كلما دخل المسجد الحرام في أي وقت ؛ لأنه تحية المسجد ، وهو سنة تجزئ عن تحية المسجد ، ولا رمل ولا اضطباع فيه .

ملاحظة هامة :
يجب على المتمتع أن يذبح دماً ، ووقت الذبح هو بعد الحج في يوم النحر أو أيام التشريق بعده .
أعمال الحج
بعد أن أنهى الحاج أداء عمرته يبقى الحاج بمكة متحللاً إلى يوم الثامن من ذي الحجة فيحرم بالحج في هذا اليوم من مسكنه من مكة فيغتسل أو يتوضأ ، ويلبس الاحرامات  بعد أن ينـزع جميع ملابسه المخيطة الاعتيادية ، ويصلي ركعتي الإحرام ، ، ثم يقول : (( نويت الحج وأحرمت به لله تعالى )) أو يقول : (( اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني )) ثم يلبي (( لبيك اللهم لبيك )) .
وفيما يأتي تفصيل لأعمال الحج حسب أيامه :






اليوم الثامن من ذي الحجة
وهذا اليوم يسمى بـ(( يوم التروية )) وسبب هذه التسمية : أن العرب قديماً كانوا يروون ابلهم ومواشيهم من الماء استعداداً لمناسك الحج .
وفي هذا اليوم يجتمع الحجاج كلهم في مكة ، فينطلق قسم منهم بعد شروق الشمس إلى منى حيث يصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ويبيتون فيها ويصلون فيها أيضاً الفجر ، ثم ينطلقون بعد ذلك إلى عرفة صبيحة التاسع من ذي الحجة (( وهذه هي السنة )) .
والقسم الآخر من الحجاج يخشى الزحام ومشاق الرحلة ، فيتوجه في مثل هذا اليوم من مكة مباشرة إلى عرفة ويبيت فيها ويصبح وهو على عرفة … وبعضهم يبيت في مسكنه في مكة ثم يتوجه إلى عرفة صباح اليوم التاسع ؛ لشدة الزحام.. وفي هذا اليوم بعض الأعمال التي على الحاج أن يقوم بها كما يلي :
(1) الاغتسال والتطيب ثم لبس الإحرام قبل مغادرته السكن في مكة .
(2) يصلي ركعتين سنة الإحرام .
(3) النية بالحج قائلاً : (( لبيك حجاً )) .
(4) الإكثار من التلبية المعروفة : (( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك )) … ويستحب له كذلك الإكثار من الذكر والتسبيح والدعاء .
وقد أجمع الفقهاء على أنَّ المبيت بمنى ليلة عرفة هو سنة وليس واجباً ، لذلك فإنَّ انطلاق بعض الحجاج من مكة إلى عرفة مباشرة في هذا اليوم يعد أمراً فيه توسيع على الناس وتيسير لهم .
ومما ينبغي الانتباه إليه : أن الحاج عندما يلبس الإحرام وينوي الحج في هذا اليوم عليه أن يتجنب محظورات الإحرام فلا يقص شيئاً من شعر جسمه ، ولا يقلم أظافره ، ولا يمس الطيب ، ولا يقتل الصيد ، ولا يقرب زوجته ، ولا يغطي رأسه ، ولا يلبس الملابس المخيطة … حسب ما تقدم سابقاً في (( محظورات الإحرام )) .
التاسع من ذي الحجة
يسمى هذا اليوم بـ (( يوم عرفة )) وهو من أهم أيام الحج ؛ لأنه ركن الحج الأعظم ففيه يقف الحجاج بعرفة ، وقد قال رسول الله  فيما صح عنه : (( الحج عرفة )) .
وقد عرف يوم عرفة بـ (( يوم الموقف )) و (( يوم العيد )) ويسمى (( اليوم العظيم )) ،  وهو يوم إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، وهو عيد لأهل الموقف من حجاج المسلمين. وقد سمي بذلك؛ لأنَّ آدم وحواء تعارفا في هذا الموقف، وقيل لأنَّ الناس يتعارفون فيه لأنهم يجتمعون في مكان واحد . وقيل غير ذلك .
وهو يوم القسم؛ إذ أقسم الله به ؛ والعظيم لا يقسم إلا بالعظيم ، وهو اليوم المشهود في قوله تعالى : (( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ )) [ البروج : 3 ] على رأي بعض المفسرين .
وقد نقل عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما أسنده الطبري : (( اليوم الموعود يوم القيامة ، واليوم المشهود يوم عرفة ، والشاهد يوم الجمعة )) . وقال ابن عباس – رضي الله عنهما - : (( إنَّ يوم عرفة هو يوم الوتر الذي اقسم الله به في قوله : (( والشفع والوتر )) فالشفع يوم الأضحى ، والوتر يوم عرفة )) .
ويوم عرفة من الأيام الفضيلة ، تجاب فيه الدعوات ، وتقال العثرات ، ويباهى الله فيه الملائكة بأهل عرفات ، وهو يوم عظم الله أمره ، ورفع على الأيام قدره ، وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران .
وعرفات واد فسيح مترامي الأطراف ، ويبعد عن مكة ما يقرب من (25 كم) تقريباً وأرضه في الحل وليست من الحرم ، وفي شماله يقع ((جبل الرحمة)) . 
ووقت الوقوف يبدأ بزوال شمس يوم عرفة على الصحيح ، ويستمر إلى طلوع فجر ليلة العاشر ، فمن وقف نهاراً وجب عليه البقاء إلى غروب الشمس ، ومن وقف ليلاً أجزأه ولو لحظة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج )) .
والوقوف بعرفة : ركن من أركان الحج ، بل هو اعظم أركانه ، فمن لم يقف بعرفة فلا حج له ... (( وعلى الحاج أن يجتهد في الدعاء وان يكثر منه ويلح فيه  )) .
فإذا غربت الشمس توجه الحجاج إلى مزدلفة بالسكينة ، وقد أفاض صلى الله عليه وسلم بالسكينة ، وضمَّ زمام ناقته ، حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله ، وقال : أيها الناس عليكم بالسكينة ، فإنَّ البر ليس بالإبضاع – أي الإسراع - )) ، وعند وصولهم إلى مزدلفة يكون وقت العشاء قد دخل فيصلون المغرب والعشاء قصراً جمع تأخير .
ويجب أن يبيت الحجاج في مزدلفة حتى يصلوا الفجر ، وأجاز بعض الفقهاء لأصحاب الأعذار والنساء والصبيان الخروج من حدود مزدلفة بعد منتصف الليل … أما من يخرج منها قبل منتصف الليل فيجب عليه أن يذبح دماً .
وفي هذه الليلة يلتقط الحجاج سبع حصيات من مزدلفة - والحصاة الواحدة فوق الحمصة ودون حبة الباقلاء - ويحتفظ بها الحاج ليرمي بها الشاخص في الجمرات أيام العيد . أما بقية الأيام الثلاثة فإنه يلتقط لها من منى .
ولا يتعين أخذ الحصى من مزدلفة – كما يعتقد بعض الحجاج – بل إن التقطها من أي موضع جاز .
وقد ذكر الله تبارك وتعالى هذه الليلة في كتابه الكريم حين قال : (( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ )) [ البقرة : 198 ] ويعني بها مزدلفة ، لذلك يسن الإكثار فيها من الدعاء والثناء والذكر والتلبية ، لان هذا الوقت هو آخر وقت التلبية ، وفي صباح يوم العيد وبعد رمي جمرة العقبة الكبرى تتحول التلبية إلى تكبير : (( الله اكبر الله اكبر لا اله إلا الله ، الله اكبر ولله الحمد )) وذلك بعد رمي جمرة العقبة الكبرى .
عدد الحصي التي يُرمى بها الشاخص
يختلف العدد حسب الأصل في الرمي أو التعجل فيه ، فالأصل أنَّ العدد سبعون
حصاة ، وتسع وأربعون إن تعجل :
(1) سبع حصاة يرمى بها يوم النحر (( جمرة العقبة الكبرى )) .
(2) إحدى وعشرين حصاة يرمى بها الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر .
(3) إحدى وعشرين يرمى بها الجمرات في اليوم الثاني عشر .
(4) إحدى وعشرين يرمى بها الجمرات في اليوم الثالث عشر .
العاشر من ذي الحجة
هذا اليوم هو أول أيام عيد الأضحى المبارك ، ويكون الحاج في ليلة أمس قد نفر من عرفة ومر بمزدلفة والتقط الحصيات ، ثم يتوجه الحاج إلى جمرة العقبة الكبرى ويستقبل الشاخص الحجري فيها ، وتكون مكة عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ثم يرمي الحصيات السبع الواحدة بعد الأخرى ، ويكبر مع كل حصاة … وبانتهاء الحاج من الرمي يقطع التلبية ، ويلهج بالتكبير  …
ولا يشترط أن تصيب الحصاة التي يرميها الحاج الشاخص ، بل يجب أن تقع في الحوض الذي يحيط به ، وهو مجزىء  ...
وقت رمي الجمرات :
وقت رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة العيد إلى آخر أيام التشريق عند الإمام الشافعي وأحمد ، وعند غيرهم من الأئمة من فجر يوم النحر ، والأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس ، ويمتد حتى فجر اليوم الثاني عند أبي حنيفة .
ولا بأس باتباع مذهب الإمامين الشافعي وأحمد تلافياً لشدة الزحام وحرارة الشمس ، خاصة وان التيسير على الأمة واجب .
وبعدها يحين وقت ذبح الهدي ، ويستمر الذبح أربعة أيام – يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة – وينتهي وقته بغروب شمس يوم التشريق الثالث – ثالث عشر ذي الحجة -  وبعدها يحلق رأسه أو يقصر ، والحلق أفضل ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاثاً ، ويرتدي ملابسه الاعتيادية ، ويسمى هذا العمل بالتحلل الأصغر ، حيث يحل له كل شيء إلا النساء . ويستحب له بعد هذا التحلل التطيبُ والتوجه الى مكة ليطوف طواف الإفاضة ، وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به ، وهو المقصود بقوله تعالى : (( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق )) [ الحج الآية 29 ].
ثم بعد الطواف وصلاة الركعتين خلف المقام – إن تيسر ذلك – يسعى بين الصفا والمروة ، وهذا السعي للحج ، أما السعي الأول عند قدومه مكة فذاك للعمرة . والصحيح من أقوال العلماء : أنه لا يكفي سعي واحد عن العمرة والحج . وعندها يتحلل الحاج تحللاً أكبر حيث يحل له كل شيء حرُم عليه أثناء أداء الحج والعمرة حتى النساء .
إذن: الأمور التي يحصل للحاج بها التحلل التام ثلاثة أشياء، وهي:
(1) رمي جمرة العقبة الكبرى  (2) الحلق أو التقصير  (3) طواف الإفاضة مع السعي
فإذا فعل هذه الأشياء الثلاثة حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام كالنساء والطيب وغيرهما من محضورات الإحرام ، ومن فعل اثنين منها حل له كل شيء إلا النساء. ولا شك أن الحاج في هذا اليوم يعوض نفسه بزيارة إخوانه في رحلته إلى الحج ، فيسلم عليهم ويعايدهم ، ويدعو لهم بالخير والقبول ، ويحرص على الصلوات الخمس في جماعة ، ويكون لسانه رطباً بذكر الله تبارك وتعالى .
فمن خلال ما تقدم نجد أنَّ هناك جدولاً لأعمال الحاج في أول أيام العيد ما بين رمي وذبح وحلق وطواف وسعي ، فالسنة الترتيب على ما ذكرنا ، ولكنه إذا قدَّم شيئاً منها أو أخَّر جاز له ذلك ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في مثل هذه الأيام لمن سأله بأنه قدم كذا أو أخَّر كذا قال له : (( افعل ولا حرج )) .

حكم المبيت بمنى
المبيت بمنى واجب في الليالي الثلاثة، أو ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة عند الإمام مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية أخرى والحسن البصري : المبيت سنة، وقد قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : (( إذا رميت الجمار فبت حيث شئت )) .
الحادي عشر من ذي الحجة

هذا أول أيام التشريق ، وأيام التشريق سميت بذلك لان أصحاب الذبائح كانوا يشرقون اللحم في هذه الأيام على الشمس لكي يجف ويدخروه فلا يفسد .
وهو ثاني أيام عيد الأضحى المبارك ويسمى أيضاً بـ(( يوم الرؤوس )) كأنهم كانوا يأكلون رؤوس الضحايا فيه .
وفي هذا اليوم يجب على الحاج المبيت في منى وإقامة صلاة الجماعة ، والأفضل في مسجد الخيف ، ويحرم الصيام فيه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه مسلم : (( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله )) .
وبعد زوال الشمس - أي بعد الظهر - يرمي الحاج الجمرات الثلاث ، فيبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي الخيف فيرميها بسبع حصيات ، ويرفع يديه عند كل حصاة ، وتكون مكة أثناء الرمي على يسار الحاج ومنى عن يمينه إن استطاع ذلك ، ثم يدعو  الحاج لاهجاً بالتكبير مستقبل القبلة ثم ينتقل لجمرة العقبة الوسطى فيرميها بسبع حصيات أيضاً كما في الأولى ، ثم ينقل إلى الجمرة الكبرى فيرميها بسبع حصيات .
وجوز بعض الفقهاء الرمي ليلاً لأصحاب الأعذار ، وهو مجزئ عند أبي حنيفة ، أما عند مالك والشافعي وأحمد فلا يجوز تأخيره عن الغروب . ولو فات الحاج الرمي حتى غربت الشمس فإنه يرمي في اليوم الثاني عند الأئمة الثلاثة ولا يرميها ليلاً . 
تنبيهات مهمة :
(1) على الحاج أن ينتبه لطريقة رمي الجمرات فلا يرميها دفعة واحدة وانما يفرقها كل حصاة على حدة ، مع تكبيرة لكل حصاة ، ولا يفعل ما يقوم به الجهلة من الرمي بالأحذية أو السب أو الشتم بالنسبة للشاخص الذي يعتقدون بأنه شيطان ؛ لأنه لم يرد فعل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) على الحاج أن يرتب الرمي فيبدأ بالجمرة الصغرى ثم الجمرة الوسطى ثم الجمرة الكبرى ، وهي معروفة بتثبيت الأسماء عليها بكافة اللغات العالمية ، ولا مانع من السؤال والاستفسار عنها .
(3) عند رمي الحصاة يكبر الله تعالى ويقول : (( بسم الله والله اكبر رغماً للشيطان ورضاً للرحمن )) ويسن الدعاء عند الصغرى والوسطى فقط …
(4) لا ينسى الحاج ذكر الله والدعاء والشكر على نعم الله وتوفيقه تيسير المناسك وتبليغ المقاصد .
الثاني عشر من ذي الحجة
هذا اليوم هو اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى المبارك ، ويسمي بـ (( يوم النفر الأول )) ؛ لأنَّ الحجاج المتعجلين ينفرون فيه إلى مكة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : (( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى )) [ البقرة : 203 ] .
وبعد ظهر هذا اليوم يرمي الحاج الجمرات الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى كل على سبع حصاة ، فيكون المجموع إحدى وعشرين حصاة .
ويفعل ما عمله في اليوم الأول من الدعاء عند الصغرى والوسطى ، والتكبير مع كل حصاة ، وجواز تأخير الرمي بعد الغروب لأصحاب الأعذار … الخ
وفي هذا اليوم يخير الحاج بين أن يتعجل في سفره وهو مشروع له وبين التأخير ، وهو الأفضل لقوله تعالى : (( وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى )) [ البقرة : 203 ]، وقد رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم للناس التعجل ولم يتعجل هو. 
فإذا تعجل الحاج فيجب عليه الانصراف من منى قبل غروب الشمس ، فإذا غربت عليه وهو في منى وجب المبيت لإكمال اليوم الآخر في الرمي .
كما أنه يحق له المبيت في اليوم الثالث من أيام التشريق ، ويتأخر فيه ليرمي الجمرات الثلاث .
ويجب على الحاج الاهتمام بالصلاة في جماعة ، وملازمة الذكر ، وقراءة القران ، والإكثار من التكبير والتسبيح والتهليل .
الثالث عشر من ذي الحجة
هذا اليوم الثالث من أيام التشريق ويسمى بـ (( يوم النفر الثاني )) ؛ لأنَّ الحاج ينفر فيه إلى مكة. وهو في الواقع آخر أيام التشريق بمعنى أنه رابع يوم في عيد الأضحى ، وبغروب شمسه ينتهي وقت تقديم الهدي والأضحية.
والحاج الذي تأخَّر فبات ليلة هذا اليوم ينطلق بعد زوال الشمس ليرمي الجمرات الثلاث ، يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، كل بسبع حصيات متفرقات فإذا رمي الجمرات الثلاث يتوجه إلى مكة لأداء الطواف الركن إن لم يكن قد طاف .
طواف الوداع
وهو الطواف الذي يفعله الحاج عندما يريد السفر من مكة ، وهو واجب عند جمهور العلماء ، وسنة عند الإمام مالك بن أنس – رحمه الله - .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف )) . ويدعو الله تعالى أن لا يجعل هذه الزيارة هي آخر عهده بهذا البيت المبارك .
الجنايات في الحج
وما يتعلق بالفدية والعوض

اتفق الفقهاء على أنَّ من ارتكب شيئاً من محضورات الإحرام وجب عليه الجزاء ، فإن كان عامداً وجب عليه الجزاء والتوبة … وفيما يأتي تفصيل لذكر المحضورات مع الجزاء عليها :
أولاً : حلق الرأس
اتفق الفقهاء على أن من حلق رأسه وهو محرم فقد ارتكب جناية ، وعليه فدية كفارة لذلك …
والحلق أما أن يكون متعمداً أو لعذر … فإن كان لعذر من مرض أو نحوه فإنه تجب عليه الفدية مع التخيير ، وهو أما أن يذبح شاة ، أو يتصدق بما يقرب من ( 9 كيلو غرام ) من الحنطة أو قيمتها على ستة مساكين ، لكل مسكين كيلو ونصف تقريباً ، أو أن يصوم ثلاثة أيام … والأصل في ذلك قوله تعالى : (( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ )) [ البقرة : 196] .
أما المعذور بغير المرض أو الأذى كالناسي مثلاً فقد ألحقهُ الحنفية بالعامد ، وقالوا أنه لا يتخير على ما سيأتي …
وأوجب المالكية الفداء مخيراً  على ما سبق … وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية فيها إتلاف – كحلق الرأس أو تقصيره ومثله تقليم الأظافر – وما ليس فيها إتلاف – كلبس الثوب والتطيب – فأوجبوا عليه الفدية في الإتلاف ، ولم يوجبوا عليه في غير الإتلاف .
أما العامد فقد ذهب الحنفية إلى أنه لا يخير بين الأشياء المتقدمة ، بل يجب عليه الدم عيناً أو الصدقة عيناً حسب جنايته … وذهب المالكية الشافعية والحنابلة والامامية إلى أنه كالمعذور حيث يخير بين الأشياء الثلاثة .
ثانياً : اللباس
ذهب الحنفية : إلى أن من لبس شيئاً من الألبسة المحضورة في الإحرام نهاراً كاملاً أو ليلاً ، كأن لبس مخيطاً أو غطي وجهه أو رأسه فإنه يجب عليه الدم … وكذلك المرأة إذا غطت وجهها مع عدم خشيتها للفتنة .
أما إذا كانت المدة أقل من يوم وليلة فعليه الصدقة بلا دم ، هذا مذهب الأحناف في المسألة .
وذهب المالكية : إلى أن وجوب الفدية يشترط فيما إذا انتفع الحاج من لبس الثوب أو الخف من توقي الحر أو البرد مهما قلّت مدة اللبس ، أما إذا لم ينتفع به من توقي الحر أو البرد فانه يجب عليه الفداء بشرط أن يلبسه يوماً كاملاً .
أما الشافعية والحنابلة والإمامية فقالوا : يجب الفداء بنفس اللبس ، ولو لم يستمر زمناً أو ينتفع به .
ثالثاً : الطيب (( الرائحة ))
ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم إلى أنَّ الفداء واجب في الطيب مطلقاً لأعضاء البدن أو الثوب ، سواء أكان الطيب لعضو كامل كرأس أو يد ونحوهما أو لم يكن لعضو …
وذهب الحنفية إلى التفصيل بين تطييب بدنه وتطييب ثوبه وكما يلي :
(1) أما الطيب في البدن أو بعضه ، فقالوا تجب فيه شاة ، وتجب إزالة الطيب قبل الذبح ، ولو ذبح ولم يزل الطيب لزمه دم آخر .
(2) وأما الطيب في الثوب فيجب فيه الدم بشرطين :
- أن يكون كثيراً ، والكثير هنا ما زاد على الشبر .
- أن يستمر نهاراً أو ليلة كاملة .
فإن اختل أحد الشرطين وجبت الصدقة ، وإلا وجب عليه الفداء .
رابعاً : الدهن
المقصود بالدهن في مصطلح الفقهاء هو : دهن الزيت الذي لم يخالطه الطيب ، وهذا حكمه حكم الطيب عند أبي حنيفة ومالك ، وهو محظور عندهم في أي موضع من الجسم لغير مرض … إلا إذا كان استعماله للتداوي فلا كفارة عليه .
وذهب الشافعي وأحمد : إلى أنَّ الحاج إذا استعمله في شعر الرأس واللحية وجب الفداء ، وان استعمله في غير ذلك فلا شيء عليه .
وذهب الإمامية : إلى أن الادهان لا تجوز إلا لضرورةٍ أو علاج ، وكفارة المتعمد العالِم بالحكم شاة ، وكفارة الجاهل إطعام فقير .
وأما الادهان الشائعة في أيامنا سواء أكانت للرأس أم للبشرة فهذه كلها يجب في استعمالها الفداء ؛ لأنها مخلوطة بالطيب وغيره .
خامساً : الحلق والتقصير
مذهب الحنفية أنَّ من حلق ربع رأسه أو ربع لحيته وجب عليه الدم ، وإن حلق أقل من ذلك وجبت عليه الصدقة .
ويجب الدم أيضاً فيما لو حلق رقبته كلها أو أُبطه أو أحدهما ، وفي أقل من ذلك صدقة .
وذهب المالكية : إلى أنَّ الحاج إذا أخذ اثنتي عشرة شعرة فأقل ولم يقصد إزالة الأذى يجب عليه أن يتصدق بحفنة قمح ، وان أزالها بقصد إزالة الأذى وجبت الفدية ، حتى لو كانت شعرة واحدة . وان زاد الأخذ على اثنتي عشرة شعرة وجبت الفدية مطلقاً لأي سبب كان .
وقال الشافعية والحنابلة بوجوب الفدية فيما لو حلق ثلاث شعرات ، كما تجب لو حلق الرأس بشرط اتحاد الزمان والمكان .
أما الامامية فانهم يقولون بوجوب شاة في حلق الرأس من غير ضرورة ، ومع الضرورة يصوم ثلاثة أيام ، أو يطعم ستة مساكين باثني عشر مد لكل واحد منهم مدين… وكذا الأمر في نتف الإبط وفي مطلق إزالة الشعر …
وإذا سقطت شعرة أو شعرتان بإمداد اليد على الرأس واللحية فكفارته كف من الطعام .
والظاهر أنه لا شيء عليه إذا احتاج إلى حكِّه ، مع ضرورة الرفق والسهولة في ذلك .
سادساً : تقليم الأظافر
قال الحنفية : إذا قص المحرم أظافر يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد ، أو قص أظافر يد واحدة أو رجل واحدة تجب عليه شاة … وإن قص أقل من خمسة أظافر من يد واحدة أو خمسة متفرقة من أظافره تجب عليه الصدقة فقط لكل ظفر .
وذهب المالكية : إلى انه إن قلَّم ظفراً واحداً عبثاً يجب عليه صدقة حفنة من طعام … أما إذا فعل ذلك لإماطة أذى أو كان به وسخ ففيه الفدية …
وعند الشافعية والحنابلة : يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظافر فصاعداً في مجلس واحد .
وعند الامامية : إذا قلم أظافره يديه في مجلس واظافر رجليه في مجلس آخر فكفارة ذلك شاتان .
سابعاً : الصيد
لا داعي لذكر أقوال العلماء في هذه الجناية ؛ لأنها مما لا تفعل هذه الأيام .
ثامناً : الجماع ودواعيه
اتفق العلماء على أن الجماع حالة الإحرام جناية ويصدق ذلك على الأحوال الآتية :
(1) الجماع قبل الوقوف بعرفة
(2) الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول
(3) الجماع بعد الوقوف والتحلل الأول فقط

وهذا تفصيل لكل مسألة من هذه المسائل :
أولاً : الجماع قبل الوقوف بعرفة :
اتفق العلماء على أنَّ الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج ، ويجب عليه ثلاثة أمور: 1- الاستمرار في حجه الفاسد إلى نهايته .
2- أداء حج جديد في المستقبل قضاءً للحجة الفاسدة
3- ذبح الهدي في حجة القضاء … واختلفوا في الهدي ، فعند الحنفية شاة ، وعند الجمهور بدنة .
ثانياً : الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول
ذهب الحنفية : إلى أنَّ من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل الأول لا يفسد
حجه ، ولكن يجب عليه الهدي بدنة .
وذهب جمهور العلماء : إلى انه يفسد حجه ما دام قد واقع قبل التحلل ، وعليه بدنة أيضاً .
ثالثاً : الجماع بعد الوقوف والتحلل الأول
اتفق العلماء على أنَّ الجماع بعد التحلل لا يفسد الحج ، ولكن اختلفوا في الجزاء الواجب المترتب على الجماع :
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الواجب شاة .
وقال المالكية – وهو قول للشافعية والحنابلة – إلى أنَّ الواجب بدنة ؛ وذلك لعظم الجناية التي ارتكبها .
وقال الامامية : من جامع زوجته عامداً عالماً بعد الوقوف بمزدلفة لا يضر حجه ، ولكن عليه كفارة بدنة .
ملاحظات هامة :
(1) ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة : إلى أن من لمس امرأة بشهوة أو قبَّل أو باشر بغير جماع وجب علية الدم أنزل أم لم ينـزل .. ولا يفسد حجه بالاتفاق . لكن الحنابلة أوجبوا بدنة فيما لو أنزل .
أما الامامية فقد فصلوا الأمر فقالوا : من قبَّل بشهوة فأمنى فعلية بدنة ، وإن قبَّل ولم يُمْنِ فعلية شاة .. ومن مس بشهوة فكفارته شاة ، وان كان بلا شهوة فلا شيء
عليه ، وقال المالكية : إن أنزل منياً فسد حجة .. وإن لم ينـزل فعلية بدنة .
(2) ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة : إلى أنَّ النظر والفكر بشهوة لا يوجب عليه الفداء ، حتى لو أدى ذلك إلى الإنزال . لكن استثنى الحنابلة ما إذا نظر فصرف نظره فأمنى فعليه دم ، وإن كرر النظر حتى أمنى فعليه بدنه .
وقال المالكية : إذا فعل أي واحد من النظر أو الفكر بقصد اللذة حتى خرج المني فسد حجه ، وإن خرج بمجرد النظر والفكر من غير استدامة فلا يفسد حجه ، ولكن عليه فداء بدنة .
أما الامامية فقالوا : إذا نظر إلى امرأة أجنبية بشهوة أو بغير شهوة فأمنى فكفارته بدنة للموسر وبقرة لمتوسط الحال وشاة للفقير . واما إذا نظر إلى امرأته فلا شيء عليه بشرط أن لا يمنى ، فإن أمنى فعليه بدنه .

زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم

بقي على الحاج الذي أدى فرضه ، وأتم نسكه أن يشد الرحال إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لينعم بالقرب منه ، والصلاة والسلام عليه .
وزيارة المسجد النبوي سنة قبل الحج أو بعده لما صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)).
ويستحب للزائر إذا وصل مشارف المدينة ، ورأى مبانيها أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : (( اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار ، وأماناً من العذاب ، وسوء الحساب )) .
فإذا دخلها واطمئن على أمتعته وتعرف على مسكنه يستحب له أن يغتسل ويتطيب ، ويلبس احسن ثيابه ويتوجه إلى الحرم النبوي متواضعاً ، وعليه السكينة والوقار ، فإذا بلغ المسجد فعل ما يفعله عند الدخول في سائر المساجد ، فيقدم رجله اليمنى ويقول : (( بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم ، وبسلطانه القديم ، من الشيطان الرجيم ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك )) .
ثم يقصد إلى الروضة النبوية بين القبر الشريف والمنبر فيصلي فيها ركعتين لله تعالى سنة تحية المسجد ، ويدعو الله فيها بما أحب من خيري الدنيا والآخرة  ، موقناً أنه في مهبط الرحمة وموطن الإجابة ورياض الجنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام احمد وغيره : (( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )) .
ثم ينهض من صلاته ويتوجه إلى القبر الشريف ويقف عند رأسه صلى الله عليه وسلم في أدب وإجلال ، ويتمثل صورته البهية كأنه نائم في لحده يسمع كلامه .
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه احمد وأبو داود وغيرهما : (( ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله روحي حتى أرد عليه السلام )) فيسلم عليه في صوت خفيض ، ويقول : السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته ، السلام عليك يا نبي الله ، السلام عليك يا خيرة الله وخلقه ، السلام عليك يا سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، أشهد أنك قد بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ونصحت الأمة ، وجاهدت في الله حق جهاده .. ثم يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يتحول قدر ذراع حتى يحاذي رأس سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فيقول : السلام عليك يا خليفة رسول الله السلام عليك يا صاحب رسول الله في الغار ، السلام عليك يا رفيقه في الأسفار ، السلام عليك يا أمينه في الأسرار ، جزاك الله عنا افضل ما جزى إماماً عن أمة نبيه .
ثم يتحول قدر ذراع حتى يحاذي قبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، السلام عليك يا مظهر السلام ، السلام عليك يا مكسر الأصنام ، جزاك الله عنا أفضل الجزاء ، ثم يستقبل القبلة ويدعوا لنفسه ووالديه ، ولمن أوصاه بالدعاء ولجميع المسلمين .






تنبيهات هامة ينبغي أن يلاحظها
الحاج عند زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
(1) يلاحظ الزائر عند زيارة القبر الشريف: أن يبتعد عنه قدر ثلاثة اذرع أو أربعة، وأن لا يدنو أكثر من ذلك، وأن لا يتمسح بالحجرة الشريفة، أو يقبلها، أو
يطوف بها.
(2) يسن له بعد أن يفرغ من الزيارة أن يخرج إلى البقيع حيث يرقد الصحابة الكرام وال البيت العظام ، من المهاجرين والأنصار ، فيزور قبورهم ويدعو لهم ، وقد كان ابن عباس - رضي الله عنه - يمر بقبور المدينة ويقبل عليهم بوجهه ويقول : ((السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم ، أنتم سلفنا ونحن بالأثر )) .
(3) يستحب للحاج أن يزور شهداء أحد وفيها قبر سيدنا حمزة سيد الشهداء رضي الله عنه ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورهم ويدعو لهم .
(4) يستحب للحاج أن يأتي مسجد قباء ، لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما انه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور مسجد قباء راكباً وماشياً ويصلي فيه ركعتين .
(5) يسن لساكن المدينة المنورة أن يصلي الصلوات الخمس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يكثر من صلاة النافلة في الروضة الشريفة لما في ذلك من الأجر العظيم ، وأن يكثر من الدعاء والذكر والتسبيح والثناء والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
                        
إذا أراد الحاج الرجوع إلى بلده فلا بأس أن يودع المسجد النبوي بصلاة ركعتين فيه ، وأن يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي ويسلم عليه وعلى صاحبيه ، سائلاً الله تعالى أن لا يجعل هذا آخر عهده به ، وأن ييسر له العودة والزيارة مرات ومرات . 
زيارة المشاهد والآثار الإيمانية
في مكة المكرمة والمدينة المنورة
ثم إذا أنهى الحاج أعمال حجه أو عمرته ، وأدى مناسكه بصورة  كاملة حسب ما ورد في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ينبغي له أن يزور بعض الآثار والمشاهد الإيمانية المباركة التي لها عمقاً تاريخياً حافلاً ؛ إذ أن زيارتها يساعد على استيعاب سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه وأصحابه رضي الله عنهم .

أولاً : بعض المشاهد والآثار في مكة المكرمة

(1) جبل النور
ولعل اعظم المشاهد والآثار التي توجد في مكة المكرمة تلك التي حضرها الحاج ، وأدى فيها مناسكه ، ابتداءً بالمسجد الحرام وما حوله ، مروراً بعرفة ومزدلفة ، وانتهاءً بمنى …
ولعل أهم ما بقى من تلك الآثار هو (( جبل النور )) ، وفيه (( غار حراء )) ( )
ويقع شمال شرقي مكة المكرمة ، بين مكة المكرمة ومنى ، وهو اقرب إلى مكة المكرمة على بعد نحو 3كم …ويقع (( غار حراء )) بأعلى جبل النور .
ويذكر المؤلفون ( ) : أن في أعلى الجبل مسطحاً به حوض منحوت من صخر ، يقال أن هذا المكان هو الموضع الذي شقَّ فيه جبريل عليه السلام صدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وصعوده يستغرق اكثر من ساعة من الزمن ، وفي أسفله بعشرة أمتار تقريباً توجد صخرة كبيرة ، ومن أسفلها فجوة لا تسمح إلا لمرور واحد ، ثم تمشي قليلاً فتشاهد الغار الذي نزل فيه القران الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم.
والغار الذي كان يتعبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم شكله مثلث تقريباً ؛ فهو عبارة عن فجوة طولها إلى الداخل نحو مترين ونصف ، واتساع مدخله نحو متر وربع ، ثم يضيق إلى أن يصل من نحو نصف متر … أما سقفه فهو عبارة عن التقاء صخرتين عظيمتين على جانبيه وهو يتسع لصلاة شخصين أو ثلاثة .
(2) جبل ثور
وهو جبل يقع جنوب مكة المكرمة ، وقد ارتبط اسمه بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، وفيه (( غار ثور )) الذي دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما طاردتهم قريش بعدما علمت بخروجهم .
(3) مسجد البيعة
أقيم في موضعه (( بيعة العقبة )) التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم والأنصار قرب جمرة العقبة على يمين المتجه من منى إلى مكة المكرمة ، وقد بناه أبو جعفر المنصور عام 144 هجرية .
(4) مسجد الخيف
أقيم في موضع تآمر أحزاب الشرك لشن غزوة الأحزاب ، ويقع على السفح الشمالي لجبل الخيف في منى .
(5) جبل الرحمة
وهو قرن جبلي يمتد من جبل السعد نحو وسط أرض الموقف بعرفات ، ارتفاعه 339 متراً فوق سطح البحر ، وهو واحد من الجبيلات التي وقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(6) مسجد نمرة
وقد أقيم في موضع صلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيه صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً ظهيرة يوم عرفة ، حيث خطب خطبة البلاغ ، والبناء الحالي بناء العهد السعودي ، وجزء من هذا المسجد يقع خارج حدود عرفات .
ثانياً : بعض المشاهد والآثار في المدينة المنورة

(1) مقبرة البقيع
ويستحب للحاج أن يزور مقبرة البقيع المجاورة للمسجد النبوي الشريف ، وهي مقبرة دفن فيها نحو من عشرة الآف من الصحابة الكرام ، بينهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ، وعدد كبير من التابعين واتباعهم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع ويستغفر لهم ، ويقول فيما رواه مسلم في صحيحيه : (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، واتاكم ما توعدون غداً مؤجلون ، وان شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)).
(2) مسجد قباء
وهو من المساجد التي يستحب زيارتها والصلاة فيها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضله فيما رواه ابن ماجه : (( من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة ، كان له كأجر عمرة )) .
وهو مسجد كبير يستوعب ما يقرب من عشرين ألف مصل … وسبب بنائه : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء مهاجراً إلى المدينة المنورة نزل في منـزل كلثوم بن الهدم ، من بني عمرو بن عوف ، وكانت منازلهم بقباء وتبعد عن المسجد النبوي اكثر من 3 كم … وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسس هذا المسجد عن نزوله هنالك ، وهو أول مسجد بناه النبي صلى الله عليه وسلم ونزل في شأنه قوله تعالى : (( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ )) [ التوبة : 108 ] .
(3) مسجد القبلتين
وهذا المسجد مكان صلاةٍ صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت عليه فيها آية تحويل القبلة وهي قوله تعالى : (( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )) [ البقرة :144] فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر أو العصر - على خلاف في ذلك - في موضع من بني سلمة مستقبلاً بيت المقدس ، فنـزلت هذه الآية ، فتحول إلى الكعبة الشريفة وهو في صلاته ، فجمع في صلاته التوجه إلى قبلتين ، ومن ثم بني هذا المسجد في هذا المكان ، وسمي ((مسجد القبلتين)) ، ويبعد نحو 3,5 كم عن المسجد النبوي الشريف .
(4) جبل أحد ومقبرة الشهداء
وهو الجبل الذي وقعت عنده معركة أحد ، وقد جاء في فضله ما رواه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال : (( إنَّ أحداً جبل يحبنا ونحبه )) ... وروى الإمام البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرجف بهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إثبتْ أحد ؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان )) .
ويقع الجبل داخل حدود المدينة المنورة من الشمال ، وفيه رؤوس كثيرة وهضاب شتى، وأي حاج يمكن له زيارته ، وهو يبعد عن المسجد النبوي 4 كم تقريباً .
أما مقبرة شهداء أحد : فتلك المنطقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن الشهداء فيها ، وفيها قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير وغيرهم رضي الله عنهم ... وهذه المقبرة قريبة من (( جبل الرماة )) ، ويقع إلى الجنوب منه .


حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه
الجامع لأفعال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى الإمام مسلم في صحيحه ( 4/38 ) قال ( ) :
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا ، عَنْ حَاتِمٍ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنْ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ ، فَقُلْتُ : أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي ، فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى ، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي ، سَلْ عَمَّا شِئْتَ ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا ، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ ، فَصَلَّى بِنَا ، فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاجٌّ ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ
أَصْنَعُ ؟ قَالَ : (( اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي )) ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ : (( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ )) وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَلْبِيَتَهُ ، قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ : اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا ، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَام) فَقَرَأَ : (( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ : وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ : (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))  و (( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )) ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ : (( إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )) : أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ … فَبَدَأَ بِالصَّفَا ، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ : (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ )) ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى ، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى ، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ : (( لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ
الْهَدْيَ ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً ! فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً )) ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ : (( دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ ، لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ )) ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ) مِمَّنْ حَلَّ ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا ، قَالَ : فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ ، بِالْعِرَاقِ : فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ: (( صَدَقَتْ صَدَقَتْ ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ ؟ )) قَالَ : قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ ، قَالَ : ((فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِل )) ، قَالَ : فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِائَةً ، قَالَ : فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا ، حَتَّى إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ : (( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ
كُلُّهُ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ
اللَّهِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ! وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ : كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ! اللَّهُمَّ اشْهَدْ – ثَلَاثَ مَرَّاتٍ – )) ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا ، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : (( أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ )) …كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا ، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا ، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى ، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، كلٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ : (( انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ )) .


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين 
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أضف تعليق