هيئة علماء المسلمين في العراق

الوضوح الأميركي في العراق-باسم الطويسي
الوضوح الأميركي في العراق-باسم الطويسي الوضوح الأميركي في العراق-باسم الطويسي

الوضوح الأميركي في العراق-باسم الطويسي

في الوقت الذي يستقطب فيه الاجتماع الدولي المنعقد في انابوليس انتباه المنطقة والفاعلين السياسيين فيها، أنهت الاتفاقية الأميركية العراقية التي أعلنت يوم الثلاثاء الماضي مرحلة من الغموض والجدل وتنازع وجهات النظر في تقدير الموقف حول مستقبل الاحتلال والوجود العسكري الأميركي في العراق، حيث حسمت الاتفاقية التي تناولت الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتشرع للوجود العسكري طويل الأمد للقوات الأميركية، التقديرات المتناقضة حول مستقبل الاحتلال، وتعني هذه الاتفاقية بشكل أو بآخر ميلاد جيل جديد من سياسات الوصاية الدولية.

على أقل تقدير، يوضح الطرف الأميركي الجديد عن رغبة وإرادة سياسية لاستمرار الوجود العسكري في العراق إلى مدى غير معلوم؛ وبهذا تُنهي هذه الرغبة إحدى أكبر أساطير الدعاية الأميركية التي وجدت من المجال السياسي العربي أكثر البيئات خصوبة لانتشارها، التي تضخم حجم المأزق الأميركي في العراق أحيانا، وتصور نهاية حكم الجمهوريين سيأتي بانقلابات في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وستجدنا نتحدث قريباً عن استراتيجية الوجود طويل الأمد بدلا من استراتيجية الخروج التي استهلكت ثلاث سنوات من النقاش والحسابات.

يؤسس الاتفاق الجديد إلى إنهاء تفويض القوات المتعددة الجنسيات المفوضة من قبل مجلس الأمن والتي تقودها الولايات المتحدة في صيف العام القادم، على أن تبدأ الولايات المتحدة والعراق مفاوضات للوصول إلى اتفاقية مستقبلية بمعزل عن التحالف الدولي تنظم الوجود العسكري الأميركي الطويل المدى، والذي من المحتمل أن يفضي إلى إعادة انتشار للقوات الأميركية خارج المدن العراقية، وبناء سلسلة من القواعد العسكرية الدائمة، من المحتمل أن تكون الأكبر في العالم للأميركيين خارج حدود الولايات المتحدة، أي نقل ثقل القيادة والسيطرة في النظام الأمني العالمي إلى هذا المكان، وهو الأمر الذي ينسجم استراتيجياً مع سلسلة من الخطوات التي اتخذتها إدارة الاحتلال خلال السنوات الماضية، ولا يتناقض في المقابل مع قصة استراتيجية الخروج عن الطريقة التي يتم تصويرها للرأي العام، وهي بالمناسبة لا تعد أكثر من واحدة من الأطروحات الدعائية التي أسهمت في زيادة تفاقم الأوضاع الأمنية في العراق من أجل إيجاد المزيد من المبررات للاستمرار والقبول بالخلاصة الإستراتيجية الراهنة.

من المتوقع أن يشهد هذا الاتفاق نقاشاً عراقياً واسعاً، لكنه في نهاية المطاف سيمر من البرلمان العراقي كما مر الدستور من قبله، بينما ستشغل القوى السياسية العراقية اعتباراً من العام القادم في مناقشة شروط وجود هذه القوات وسلسلة واسعة من التشريعات التي تنظم طبيعة القواعد العسكرية وأسس خروج ودخول العسكريين الأميركيين، أي التأسيس لمسار طويل الأمد، يضمن عملية انتقال سلس لثقل القيادة والسيطرة والتي حتما ستتجاوز الاحتياجات الأمنية والسياسية الأميركية من العراق الإقليم، ومن المحتمل ان نشهد مع مطلع العقد القادم كيف ستتحول بغداد إلى المركز العصبي لإستراتيجية أمنية واقتصادية عالمية تضمن استمرار قيم النظام العالمي السائد.

من يعتقد ان المهمة الأميركية في العراق في مأزق، عليه ان ينظر للموقف من زوايا رؤية أكثر واقعية، فقد استطاع المحافظون الجدد تحقيق هدفين استراتيجيين من أهم أولوياتهم، وهما امن إسرائيل ثم امن الطاقة ومصادرها، فقد انضج الاحتلال بالتواطؤ مع أطراف إقليمية الحرب الأهلية ودائرة العنف الداخلية التي ذهب ضحيتها وبفعل الاحتلال أكثر من نصف مليون عراقي. وها هي تنقل العراق إلى مرحلة التقسيم ثم الاقتسام بعد ان أوجدت هذه الحرب وقائع جديدة يصعب تجاوزها لأجيال طويلة، وتم تشريع هذه المهمة بكل شفافية من قبل البرلمان عبر مشروع الفدرالية، في الوقت الذي يذهب به الأكراد نحو المزيد من الاستقلال الذي لا ينقصه سوى انتظار أول المعترفين بالكيان الجديد، لكن إلى أي مدى سوف تستمر الولايات المتحدة بمنهج الاقتسام، هذا ما سيحدده تثبيت قواعد الوجود الدائم التي ستكون رمزا وضمانة لاستمرار شكل الدولة العراقية الموحدة.

جميع الأحداث والتفاعلات تقود إلى حقيقة مفادها ان الإدارة الأميركية عازمة وكمصلحة إستراتيجية أميركية عليا على تأسيس وجود عسكري سلمي طويل المدى في العراق، ربما يستمر عشر سنوات قادمة، على اقل تقدير، ما يوفر المناخ الحيوي لتمدد إمبراطوري في الشرق وبما يكفل استمرار التفوق العالمي للولايات المتحدة خلال العقود القادمة حيث يشكل العراق في هذا التمدد مركزاً للتحكم السريع والإدارة القريبة ودرة التاج الأميركي الجديد.

ان الانتقال من الغموض الذي أحاط بالاستراتيجية الأميركية انطلاقاً من العراق نحو المزيد من الوضوح في المرحلة الأخيرة يدل على ان ضمان هدف الوجود العسكري الآمن وطويل الأمد للولايات المتحدة يقتضي وجود قوتين إقليميتين في حالة تنافس واستقطاب هما اليوم القوة الإقليمية الإيرانية التي يجب ان تغذى وتسمن أميركيا حتى تصل إلى مستوى منافسة القوة الإقليمية الإسرائيلية من دون ان تصل إلى مستواها، مقابل استحكام حلقة الفراغ الاستراتيجي العربي والتي يفترض ان تبقى تسف رمال الصحراء، التي لا يمكن لها في يوم ما ان تتراكم، الأمر الذي يجعل استمرار الهيمنة الاميركية مطلبا محلياً مسوغاً.


الغد الاردنية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق