هيئة علماء المسلمين في العراق

الصراع على القبائل العراقية -باسم الطويسي
الصراع على القبائل العراقية -باسم الطويسي الصراع على القبائل العراقية -باسم الطويسي

الصراع على القبائل العراقية -باسم الطويسي

الوثيقة التي أصدرتها الأسبوع الماضي عشائر شيعية عراقية من جنوب البلاد، التي سجلت فيها دعوة ساخنة لتخليص الجنوب العراقي من النفوذ والهيمنة التي تمارسها إيران، تحمل - هذه الوثيقة- دلالات مهمة حول تطور الصراع حول مستقبل العراق، وحجم النفوذ الذي باتت تمارسه القوى الإقليمية، من جهة، ووزن القبائل العراقية التي أصبحت اللاعب الرئيس في موازين القوى المحلية من جهة أخرى. وإذا كان من المعروف خلال الفترة الماضية قوة التغلغل الأمني والاقتصادي علاوة على النفوذ السياسي الذي تمارسه إيران في جنوب العراق، فإن صدور وثيقة تحمل قوة تعبئة شعبية كبيرة، وفي ضوء ورود اتهامات متناقضة بين مراكز قوى محلية، يدل أيضا على دخول قوى إقليمية أخرى على خطوط التماس العراقية الإقليمية في ساحات الجنوب التي تنطوي على الكثير من الغموض.

ففي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه كل من بغداد وطهران وواشنطن عن إجراء جولة محادثات جديدة بينها بشأن القضايا الأمنية، أعلنت قبائل شيعية عراقية منتصف الأسبوع الماضي أن ما يزيد على 300 ألف شيعي عراقي وقعوا على وثيقة تدين ما سموه "التدخل الإرهابي الإيراني" في العراق، الإشارة المهمة هنا إلى حجم التعبئة والحشد الذي دفع كل هؤلاء للتوقيع على هذه الوثيقة، والذي شمل 14 رجل دين و600 شيخ عشيرة و1250 حقوقيا و2200 طبيب ومهندس وأستاذ جامعي و25 ألف امرأة.

حيث استغرق إنجاز هذه المهمة حوالي ستة شهور، واهم بنودها طلب الجماعات الشيعية من الأمم المتحدة إرسال وفد للتحقيق بأربع سنوات من "الجرائم بأيدي النظام الإيراني وممثليه في المحافظات الجنوبية".

وتضمنت الوثيقة ما نصه "أكثر الطعنات إيلاماً، التي غرزها النظام الإيراني في ظهر الشيعة في العراق، استغلال مذهب الشيعة وبشكل مخجل لتحقيق نواياه الشريرة".

يقال الكثير حول الانقسام الحاد في العقائد الوطنية للعشائر العراقية في هذا الوقت، وفي فهم كل منها وتقديره للموقف على خلفيات الفسيفساء المذهبية والسياسية، والموقف من الاحتلال والعملية السياسية التي يديرها.

ففي الوقت الذي تتشبث فيه الإرادة السياسية للاحتلال والحكومة العراقية بالرغبةبانخراط بعض العشائر في مقاومة أعمال كل من القاعدة والمقاومة الوطنية للاحتلال، تعد العشائر العراقية من دون جدال الرئة الحقيقية للكثير من أشكال المقاومة في المناطق الساخنة.

وكما هو معروف فقد دخلت تلك العشائر في علاقات تحالفية وتنظيمية، وأصبحت توفر للمقاومة الملاذ والإمداد بل والمجال الحيوي لأعمالها؛ ولعل الكثير من هذه التحالفات وعلاقات المصالح قد فرضتها الظروف الأمنية وعجز سلطة الاحتلال والحكومات العراقية التي قامت في كنفها عن توفير الحد الادنى من الأمن في بلاد تآكلت وسط دائرة عنف وحرب أهلية من دون بوصلة ولا دليل.

لا يمكن القفز عن الواقع بهذه السهولة. فالوقائع التي كرسها العنف الطائفي تحت وصاية الاحتلال تؤكد من دون شك ان استراتيجية تسليح العشائر العراقية مغامرة خاسرة في حسابات مستقبل الدولة العراقية، وهي في المحصلة تأسيس لجيل جديد للفاعلين في دائرة العنف والحرب الأهلية ومدها بأدوات أخرى، أي صب زيت جديد على نار مشتعلة لا يراد لها أن تُطفأ.

في المقابل ازدادت الأصوات التي تشير الى ظاهرة شراء ولاء بعض من اشخاص القبائل العراقية  في وسط العراق بالأموال الأميركية التي شكلت ما يسمى "رجال الصحوة" وهو تحالف أشبه ما يوصف بقوة عسكرية مسلحة يصل عدد أفرادها الى ثلاثين ألف رجل، الأمر الذي يثير الريبة والنقمة لدى قطاع واسع من قيادات قبلية سنية أخرى.

مع استمرار الاحتلال وتفاقم أشكال النفوذ الإيراني، واسترخاء الحكومة العراقية في بغداد، توظف القبائل بقوة في قوانين الصراع على مستقبل العراق، ومع هذا وذاك فإن الوثيقة الجنوبية، تعد إذا ما اتبعت بخطوات عملية قادمة، الصحوة  الحقيقية للقبائل العراقية.

* نقلا عن جريدة "الغد" الأردنية

المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق