تعيش الأمة هذه الأيام وضعا صعبا فى تحديد اتجاهها إلى المستقبل وتتحكم فيها نزعتان بارزتان، الأولى تركن إلى التسليم بالأمر المقضي، والثانية تتطرف إلى درجة تلغى معها كل حسابات المنطق والعقل..
أمة بجناحين، واحد يقودها إلى الارتهان والتسليم بالقدر الأمريكى الإسرائيلي، وثان يقودها إلى القتل العشوائى والإرهاب ومن ثمة إلى خارج الحياة..
كم تحتاج الأمة فى لحظات الشدة هذه إلى عقل راجح يزن الأمور بميزان العقل والحكمة..
نقول هذا ونحن نتابع الطريقة التى انقاد بها المشاركون العرب فى مؤتمر أنابوليس إلى فضاء يتنافى مع مصلحة أمتهم.
مع علمهم أنه لا يعدو أن يكون تطبيعا مجانيا مهينا مع عدو يتبجح دائما بأنه أقوى منهم ويدنس مقدساتهم ويهين أسراهم ويخنق أهلهم فى الأراضى المحتلة فى صور مذلة..
قبل أسابيع كنا نفخر بأن دولا عربية مؤثرة احترزت على المشاركة فى هذا المؤتمر وطالبت بضمانات محددة مثل مناقشة قضية الجولان ووجود نية حقيقية للتفاوض من خلال الاتفاق مسبقا على وثيقة مبادئ بين الفلسطينيين وأولمرت..
لكن تلك اللاءات اختفت وانساق الجميع إلى أنابوليس دون ضمانات ولا أحد ينتظر منه شيئا سوى الدعوة إلى المزيد من المفاوضات المفتوحة التى لا تحدد بزمن..
فى جانب آخر، عجزت المؤسسة الرسمية العربية عن أن تصل بالفرقاء اللبنانيين إلى توافق يخدم أمنهم واستقرار بلدهم فيما الأطراف غير العربية تتحكم فى اللبنانيين وتحملهم يمينا ويسارا وقد تقودهم إلى حرب أهلية طاحنة تعيد إلى أذهانهم سنوات الدم والدمار..
تستطيع الولايات المتحدة وحدها أن تحدد مصير بلد مثل الصومال أو السودان رغم أنها لا تمد الخصوم والمتحاربين بالمال أو العتاد، فقط تضغط وتهدد ولا يجد أحد مفرا من الرضوخ إليها لأنها تتحكم بكل شيء..
بالمقابل يمتلك العرب المال والنفط والمواقع الإستراتيجية والروابط التاريخية التى لا تقدر أن توقف الدمار فى مقديشو ولا تطعم الأفواه المشردة فى مخيمات لبنان وسوريا والصومال وكينيا..
فى الملف العراقي، هناك فراغ كبير على الأرض بعد تأكد الإدارة الأمريكية من استحالة مواصلة الحرب واشتداد المقاومة وفشل محاولات تسليم "التركة" لإيران وتركيا، وفيما تتكالب طهران وإسرائيل وتركيا ومخابرات أجنبية عديدة وتيارات ومليشيات إرهابية على البلد تمزقه، لا نجد موقفا عربيا مؤثرا لدى عند القوى التى تحتل العراق أو لدى الشارع العراقي..
أحيانا تجد مواقف الدول العربية المؤثرة سياسيا وماليا مع أمريكا.. تبنى الحصون وتضع المتاريس لمنع تسرب السلاح والمقاتلين الذين يدافعون عن عروبة العراق وأمن جيرانه أمام الغزو الأمريكى والمطامع الإيرانية..
إذا طلبت واشنطن اعترافا سياسيا ودبلوماسيا بالسلطة التى نصبتها فى العراق نتداعى لنسمى السفراء والقائمين بالأعمال، وإذا طلب منا أن نستقطب المقاومة ونغريها فعلنا وحاولنا إرشاءها سياسيا وماليا وإذا رفضت هددنا ممثليها والمقربين منها..
نفعل كل هذا بوعى وحرص مع أن الظرف الدولى يقف معنا وضد أعدائنا..
أمريكا تغرق فى العراق وأفغانستان، وهذا تعترف به الأرقام الأمريكية وتردده الأصوات الرسمية، بما فى ذلك الجنرالات والقادة العسكريون..
إسرائيل أحدثت هزيمتها فى حرب تموز ضد المقاومة اللبنانية شروخا غائرة فى الاستعداد الجمعى الإسرائيلى وأصبحت تتخوف حتى من اجتياح أحياء فلسطينية معزولة ومحاصرة إلا من إيمانها بعدالة قضيتها وبحتمية النصر..
فما الذى جعلنا نحنى الظهور والرؤوس مع أنه بإمكاننا أن نفاوض من موقع أفضل ونقدم شروطا تليق بوضع أمتنا وحجمها فى العالم..
يجمع الكثير من المحللين على أن أزمة بعض القيادات العربية المؤثرة أنها تتصرف بعقلية المنهزم دائما وأبدا، تحركها دفاتر النكسات التى عاشتها أو ساهمت فيها ولا ترى بعيون الأجيال الجديدة فى زمن تقاربت فيه المصالح وتعقدت وأصبح المؤثر هو الذى يمتلك القوة الاقتصادية، وهذه يمتلكها العرب اعتمادا على الأسعار الملتهبة للنفط وأهميته المتواصلة فى الاقتصاديات العالمية..
كم تحتاج الأمة إلى قيادات شابة "خارج التوريث، طبعا" تعيد ترتيب الأولويات وتخرجنا من حالة الإحساس بالضعف وقلة الحيلة وتضع ملامح المستقبل القريب والبعيد..
ليست القضايا السياسية فقط التى تحتاج منا تغيير زاوية النظر، بل إن استمرار اقتصادياتنا تابعة ومرتهنة للاقتصاديات الكبرى هو عنوان آخر على التخلف والعيش خارج الزمن..
كم تربح الشركات العالمية الكبرى وقد حولتنا إلى أسواق استهلاكية نهمة لا تضاهيها حتى الأسواق الغربية؟
هناك الكثير من الأسئلة والتوقعات تتجاوز أنابوليس وبناء سور على الحدود مع العراق وليّ الذراع بين السنيورة وحزب الله، إلى ما هو أهم وأعمق لا تتعاطى معه إلا رؤية استشرافية جديدة.
العرب اونلاين
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
أمة بلا رؤية إستراتيجية- رأي العرب
