التفاؤل مشروع حينما تتوافر شروطه، وعندما تتواجد عوامله، وإلا فيصبح كاستقسام الأقداح للاستخارة. وجميل أن يتفاءل السياسي حينما يرى أن عوامل النجاح قائمة تحتاج إلى جهد لإخراج نتائجها إلى حيز الواقع. لكن تفاؤل الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقع في عالم التمنيات، وليس في عالم الواقع المتاح.
فهو قد عمل بكد من أجل أن يحصل على أي شيء من “الإسرائيليين” مقدمة لذهابه إلى أنابولس، فلم يفلح في تغيير الموقف “الإسرائيلي” في ذلكم اللقاء، إلا إذا كان يتصور خطأ أن السياسة الصهيونية يؤسسها المزاج، وتحددها اللحظة الراهنة، وليس الغايات المقررة والاستراتيجيات المجمع عليها.
ولا يختلف عن هذا التفاؤل الحديث عن أن “أمامنا ثمانية أشهر” من أجل تحقيق السلام. فهو حديث يثير الاستغراب مهما قلب المرء نظره فيه. فالحديث عن حل القضية الفلسطينية صار له ما يقرب من الستين عاما، والمفاوضات المباشرة لحلها مضى عليها أكثر من عقد من السنوات وهي لا تزداد إلا تعقيدا من حيث حصول الفلسطينيين على حقوقهم. ومن ينظر فيها يجد تنازلاً إثر تنازل من دون أن يعرف الفلسطيني ما الذي سيحصل عليه في نهاية المطاف اللهم إلا الخوف من “الترانسفير” للبقية الصامدة في ارضها.
فهل الثمانية أشهر تشير إلى بعض ما تبقى من فترة الرئيس الأمريكي الذي ذهب في التزامه تجاه “إسرائيل” أبعد من أي رئيس أمريكي آخر سبقه. فهو الرئيس الذي ألزم نفسه بأن أي تغيير في ما تم تغييره على أرض الواقع أمر غير عملي. وحينما نترجم هذا الالتزام فهو يعني بقاء المستوطنات والجدار كما هي عليه، ما يفسر أيضا استعجال الكيان خلق مزيد من الوقائع في الضفة الغربية، وذلك يعني بقاء اللاجئين حيثما كانوا، أو في أي مكان بعيدا عن ديارهم، مع بقاء القدس في أيدي “الإسرائيليين”.
فهل يا ترى ستغير “البطة العرجاء”، التي لم يبق لها من التأييد الداخلي إلا اللوبي الصهيوني، ومن التأييد الخارجي إلا التشرذم العربي، موقفها الذي اتخذته في عز قوتها إلى آخر مناقض له في منتهى ضعفها؟ ولا نظن أن الرئيس الفلسطيني يشير بقوله إلى حكومة أولمرت التي تضم عتاة الفاشيين في صفوفها الذين لا يرون في التنازل إلا ترحيل الفلسطينيين من داخل كيانهم.
ولا يعقل أن يقصد الرئيس الفلسطيني الوضع الفلسطيني أو الوضع العربي، اللذين يزايد أحدهما على الآخر في التفكك والاختلاف. إن القدرة على إجراء مفاوضات خارجية مثمرة حقا ينبغي أن تشهد لها التجربة الناجحة في إجراء مفاوضات داخلية فعالة صدقا. ولم يقدم الفلسطينيون ولا العرب نموذجا ناجحا في المفاوضات بين بعضهم حتى يمكنهم أن يجروا مثله مع خصومهم وأعدائهم.
لكن يبدو أن التسارع من أجل تبرير الذهاب إلى أنابولس يؤدي إلى التخبط في التصريحات الصادرة عن المسؤولين العرب. وكان يمكن أن يكون أكثر قبولا لو قيل إن الضغوط الدولية تتجاوز قدراتنا على التحمل.
الخليج الاماراتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
استقسام الأقداح-افتتاحية الخليج الامارتية
