هيئة علماء المسلمين في العراق

التضليل الإعلامي أهم أسلحة أمريكا.... ولكن!!-أ. د. سليمان صالح
التضليل الإعلامي أهم أسلحة أمريكا.... ولكن!!-أ. د. سليمان صالح التضليل الإعلامي أهم أسلحة أمريكا.... ولكن!!-أ. د. سليمان صالح

التضليل الإعلامي أهم أسلحة أمريكا.... ولكن!!-أ. د. سليمان صالح

منذ بداية العدوان الأمريكي على العراق أكد مسئولون كبار في البنتاجون أن أمريكا سوف تستخدم التضليل الإعلامي باعتباره أهم الأسلحة الإستراتيجية. يقول رمزي بارود إن تلك التصريحات كانت تكشف نوايا البنتاجون في إمداد الصحفيين بمعلومات زائفة، وأن الحكومة قد تحالفت مع وسائل الإعلام الأمريكية لنشر الكثير من المعلومات التي تضلل الجماهير، كما أن الحكومة الأمريكية تستخدم الكثير من الخبراء وتدفع لهم بسخاء لتنفيذ إستراتيجيتها في التضليل الإعلامي.
ومن الواضح أن آلة الدعاية الأمريكية كانت قوية بحيث تمكنت من أن تشكل تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للأحداث طبقا لأهدافها.

تمثال صدام
لقد خدعت الحكومة الأمريكية العالم كله والشعب الأمريكي عن طريق دفع وسائل الإعلام للتركيز على أحداث معينة وتجاهل الكثير من الأحداث الأخرى، بحيث يصل للجمهور جزء من الحقيقة التي تستخدم لتزييف وعي الشعوب.
ولقد كان ذلك واضحا عندما سيطرت القوات الأمريكية على بغداد حيث دفعت وسائل الإعلام للتركيز على مشهد دعائي مصنوع هو إسقاط تمثال صدام حسين، بحيث أصبح العنوان الرئيسي للواقع كله الذي قدمته وسائل الإعلام هو سقوط الطاغية، وبحيث تدفع الجماهير لتأييد العدوان على العراق باعتبار أن الهدف تحقق، وأن القوات الأمريكية المنتصرة قد تمكنت من إسقاط الطاغية في مشهد رمزي مثير.
لقد أثبت خبراء الدعاية في البنتاجون أنهم يمتلكون خبرات متطورة في تصنيع الأخبار وتزييف الوعي، وتضليل الصحفيين واستخدامهم لتحقيق أهدافها.

أين الحقيقة؟
ويبدو أن وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية أيضا قد توقف بها الزمن عند مشهد سقوط تمثال صدام الذي يمكن اعتباره بداية مرحلة جديدة في تشكيل الواقع الإعلامي، ويبدو أيضا أن حرية الإعلام قد سقطت مع تمثال صدام.
وسائل الإعلام الأمريكية لم تحاول أن تبحث عن الحقائق، واكتفت بتقديم أنصاف الحقائق والمعلومات المضللة التي يقوم خبراء الدعاية في البنتاجون بتصنيعها.
وعلى سبيل المثال فإن وسائل الإعلام الأمريكية لم تحاول أن تتحدى المعلومات التي يقدمها البنتاجون عن عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية، واكتفت بنقل المعلومات الرسمية.
ورغم أن الواقع يتحدى الرواية الرسمية الأمريكية، وهناك الكثير من المعلومات التي تؤكد أن الحكومة الأمريكية والبنتاجون يقومان بإخفاء الحقائق عن أعداد القتلى والجرحى، وذلك لكي يتجنبا مصير حرب فيتنام، فمن الواضح أنها قد تعلمت الدرس جيدا ولذلك فقد قللت من قدرة الصحفيين الأمريكيين على الوصول للحقائق في الواقع العراقي وتغطية الأحداث بشكل مستقل. كما تحالفت مع وسائل الإعلام الأمريكية ولذلك لم تحاول تلك الوسائل الدفاع عن حريتها وحقها في البحث عن المعلومات ونشرها.

من يكشف مأساة العراقيين
كما عملت الحكومة الأمريكية على منع وسائل الإعلام الأمريكية من كشف حقائق المأساة التي صنعتها القوات الأمريكية للعراقيين، واستخدام هذه القوات لليورانيوم الذي أدى إلى صنع مذبحة، وعملية إبادة للشعب العراقي.
بالإضافة إلى نشر الكثير من الأمراض من أهمها السرطان نتيجة استخدام الأسلحة الأمريكية.... ولذلك فإن ما قامت به القوات الأمريكية في العراق هو جريمة حرب وعملية إبادة وتطهير عرقي ومأساة إنسانية.
العدوان على العراق لم يكن ذلك المشهد المصنوع الذي ظلت وسائل الإعلام في العالم كله تكرر إذاعته بدون وعي، وهو مشهد إسقاط تمثال صدام حسين، ولكن هذا العدوان صنع مأساة إنسانية تاريخية، بالإضافة إلى أن المقاومة العراقية قد قدمت نموذجا نضاليا متميزا، واستطاعت أن تلحق بالقوات الأمريكية خسائر كبيرة، وأن تلقنها درسا لم تستطع أن تستوعبه بعد لأن خبراء الدعاية في البنتاجون بالرغم من اعترافي بكفاءتهم لم يتوقعوه، وهذا الدرس سوف يكون له الكثير من النتائج على أمريكا وعلى العالم كله.

الحاجة إلى الشفافية
خبراء الدعاية في البنتاجون هم الجنرالات الجدد الذين أداروا الحرب العالمية، وعملية التضليل الواسعة للشعب الأمريكي وللعالم كله، وهم قد نجحوا حتى الآن، لكن ما يتعرض له الجيش الأمريكي في العراق، سوف يتعرض له خبراء الدعاية، وربما يكون الاعتراف بالهزيمة، وتغيير الإستراتيجية وإتاحة الفرصة لمزيد من الشفافية هو الحل.
إن البقاء في العراق تحول إلى عبء ثقيل على الشعب الأمريكي وهذه الحرب لن تنتهي، والأرقام الحقيقية للقتلى والجرحى قد تزيد على ضحايا حرب فيتنام، والتكلفة الاقتصادية أكبر بكثير من أن يتحملها الاقتصاد الأمريكي.
وسائل الإعلام الأمريكية استطاعت أن تنقذ أمريكا من حرب فيتنام يوم أن امتلكت الشجاعة والحرية لتنشر أوراق البنتاجون التي كانت تتضمن التقارير السرية التي يرسلها القادة الميدانيون لقادتهم في واشنطون.
والشعب الأمريكي امتلك الشجاعة ليخرج إلى الشوارع ويرغم الإدارة الأمريكية على الانسحاب من فيتنام.
لكن الواقع تغير كثيرا فالشركات عابرة القارات أصبحت تسيطر على وسائل الإعلام الأمريكية، وهذه الشركات تحالفت مع اليمين المسيحي والإدارة الأمريكية والبنتاجون.
ولذلك ساهمت في تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية في التضليل الإعلامي ومنع وصول الحقائق للجماهير، وتقييد حرية تدفق الأنباء والمعلومات.
هل يجهل الصحفيون الأمريكيون الحقائق ولا يعرفون المعلومات ؟! قد يكون ذلك صحيحا فالقوات الأمريكية عزلت الصحفيين الأمريكيين عن الواقع العراقي لتتحكم في إعطائهم المعلومات... ولكن هناك أيضا الكثير من المعلومات التي يمكن الحصول عليها من مصادر بديله مثل مصادر المقاومة العراقية... والصحفيون الأمريكيون لم يحاولوا الحصول على هذه المعلومات ونشرها لأنهم يعرفون أن وسائلهم الإعلامية قد دخلت في إطار التحالف، وتم تقييد حريتها عندما سيطرت عليها الشركات عابرة القارات.
لذلك لم يتمكن الصحفيون الأمريكيون وربما لم يرغبوا في الدفاع عن حريتهم وحقهم في البحث عن المعلومات ونشرها وخضعوا لخبراء الدعاية في البنتاجون الذين يقدمون لهم الأخبار المصنعة لتضليل الجماهير... ولكي تتوقف وسائل الإعلام الأمريكية عند مشهد سقوط تمثال صدام.
لقد تحالفت الشركات عابرة القارات التي تمتلك وسائل الإعلام الأمريكية مع آلة الدعاية في البنتاجون والإدارة الأمريكية لتزيف وعي الشعب الأمريكي ولتقيد حقه في المعرفة... لقد تحالفوا جميعا على الجمهور الأمريكي.

تناقص العنف في العراق
من أهم الأحداث التي جرى الترويج لها في الفترة الأخيرة أن معدل العنف في العراق قد تناقص، وأن عدد الضحايا في الجيش الأمريكي قد تناقص أيضا، وهو ما يؤكد أن الجيش الأمريكي قد حقق نجاحا كبيرا في الواقع. ولقد قامت وسائل الإعلام الأمريكية بالتوسع في نشر التقارير التي تؤكد ذلك، لكن هناك ما يؤكد أيضا أن وسائل الإعلام الأمريكية تتجاهل نشر الكثير من المعلومات التي تتحدى هذه التقارير.
وربما تكون هناك بعض الحقيقة في التقارير التي تنشرها وسائل الإعلام الأمريكية عن تناقص العنف والضحايا في الجيش الأمريكي لكن هذه الوسائل لم تحاول أن تجيب عن سؤال لماذا، أو تبحث عن الحقائق بشكل مستقل.
خطورة هذه التقارير أن الشعب الأمريكي قد يتعرض لصدمة عندما يكتشف أن الواقع العراقي المعقد أفرز ظواهر جديدة أكثر خطورة، وقد تأتي أحداث مفاجئة تنهار في فيها دعاية الجيش الأمريكي عن النجاح الذي تحقق.
هذه التقارير أيضا يمكن أن تغري الإدارة الأمريكية بإرسال المزيد من القوات للعراق بناء على تفسيرها لتناقص العنف، وأن ذلك يرجع إلى إرسال بوش ثلاثين ألفا من القوات لدعم جيشه في العراق.
لذلك فإن هذه التقارير قد تزيد مشكلة الجيش الأمريكي في العراق تعقيدا، وتزيد أزمته التي سوف تمتد لسنوات دون التوصل إلى حل حقيقي.

سيناريو فيتنام
قد يكتشف الشعب الأمريكي أن وسائل الإعلام قد كذبت عليه وخدعته وضللته، وأنها كانت السلاح الذي استخدمه خبراء الدعاية في البنتاجون لتنفيذ إستراتيجيتهم في التحكم في المعلومات وتضليل الجمهور.
فقد يكون معدل الضحايا في الجيش الأمريكي قد تناقص بالفعل خلال الشهرين الماضيين، لكن ليست تلك هي كل الحقيقة فمازال الضحايا من الجيش الأمريكي يتساقطون، ومازالت القنابل تتفجر في كل أنحاء العراق، ومأساة الشعب العراقي تتزايد بحيث لم يعد أمامه سوى المقاومة باعتبارها الطريق الوحيد للدفاع عن حق الحياة.
والقنابل الأمريكية ما زالت تتساقط على رؤوس العراقيين حتى على أولئك الذين تحالفوا مع الجيش العراقي ضد قوى المقاومة فوجدوا أن القنابل الأمريكية لا تفرق بين الأعداء والحلفاء فليس لها عقل أو ضمير.
إن أهم الحقائق التي تتجاهلها وسائل الإعلام الأمريكية أن الجيش الأمريكي لم يترك للشعب العراقي أملا إلا في المقاومة، فليس هناك ديمقراطية ولا وسيلة للتغيير السلمي.
حكومة المالكي تزداد أزمتها نتيجة وضوح ارتباطها بالجيش الأمريكي وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، وهي حكومة محاصرة داخل المنطقة الخضراء تماما مثل قيادة الجيش الأمريكي.
الواقع العراقي يقوم على حقيقة أساسية لا يمكن أن يتجاهلها عاقل هي أن المقاومة لا يمكن القضاء عليها، وهي تزداد قوة، وربما يكون تناقص العنف مؤشرا على أن هناك قدرا من الالتزام بين قوى المقاومة على تجنب تعريض المدنيين للخطر، وهذا مؤشر على النضج، وإشارة لإمكانية الوحدة بين قوى المقاومة أو على الأقل الاتفاق على مجموعة من المعايير الأخلاقية.
وربما يكون تناقص العنف خلال الفترة الأخيرة، وتناقص مشاهد السيارات المحترقة في شوارع العراق دليلا على نجاح المقاومة العراقية في الوصول إلى ميثاق غير مكتوب، وتعاون وتنسيق، وتركيز على مقاومة الاحتلال، وعلى أن الفتنة التي حاول الاحتلال أن يصنعها توشك أن تخمد.
لذلك قد يكون تناقص العنف ليس نتيجة لنجاح الجيش الأمريكي في حملاته العدوانية التي لا أستطيع أن أتذكر أسماءها، وإنما قد يكون بداية لانطلاقة جديدة لقوى المقاومة العراقية أكثر حكمة وعقلانية وتركيزا.
لذلك فإن وسائل الإعلام الأمريكية تخدع الشعب الأمريكي مرة أخرى وتضلله، والحل الوحيد هو أن تمتلك هذه الوسائل الشجاعة لتكرر سيناريو حرب فيتنام، فتكشف الحقائق عن مأساة العراقيين وأرقام القتلى والجرحى في الجيش الأمريكي، وبذلك تستطيع وسائل الإعلام الأمريكية أن تنقذ أمريكا مرة أخرى.
يقول توماس جيفرسون إنني أفضل الحياة في دولة يوجد بها صحافة حرة حتى وإن لم يكن لها حكومة.. ذلك أن الصحافة الحرة تتيح للمجتمع أن يعرف ويناقش ويغير ويتوصل لأفضل الحلول للمشكلات.

الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق