من كان منكم يعتقد ان امريكا ستترك العراق لاهله هكذا وببساطة، وبعد كل الذي جري، هو علي خلق من الطيبة الزائدة جدا. من كان يعتقد ان قطع مشوار من الطريق سيكفل اختصار الطريق كله، هو متعب قبل المسير، وله نفس قصير يجعله يرحب باول استراحة آمنة يجدها امامه.
من كان منكم غير واثق من ان الاحتلال الامريكي للعراق، والعمليه السياسية الجارية فيه هما وجهان لعملة واحدة هي الهيمنة والتقسيم برعاية امريكية، عليه ان ينسي شيئا اسمه المقاومة.
من كان منكم يطبق مقولة ـ ما لا يدرك كله لا يترك جله ـ علي صراع حياة وموت كالصراع الدائر في العراق فهو بحاجة الي اعادة تأهيل.
من كان لا يؤمن بان البقاء ليس للاقوي بطشا ومالا، وانما للاصلب رؤية معرفية، وعدلا، واقداما، والاخف عدة مادية، واصلد عدة معنوية، والاكثر دراية بتضاريس الميدان سياسيا وعسكريا زمانيا ومكانيا ـ تكتيكيا واستراتيجيا ـ واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، عليه ان ينخرط وبسرعة بصفوف مقاولي العملية السياسية، مستغلا اقرب فرصة سانحة له ليعلن صحوته وتوبته قبل ان يبخس حقه وتفقد صحوته قيمتها المرصودة.
لا صلح بين المحتلين والمقاومين، ولا صلح بين المقاومين والمقاولين، واذا حصل شيء من هذا فان كلمة صلح لا تصلح للتعبير عن المضمون الحاصل، لانها ببساطة تعني انتقال طرف او جزء منه الي خندق الطرف الاخر، اي ان كلمة صلح هنا هي مغالطة للتستر علي خيانة ما او مساومة غير مشروعة حيث مازالت الاسباب الموجبة لانطلاق الصراع قائمة، وهي واقع الاحتلال وعمليته السياسية.
لقد حقق الاحتلال الامريكي نجاحا تكتيكيا واضحا خلال الفترة التي بدأت بزيادة قواته الميدانية واتباع نهج جر بعض الاطراف العشائرية للتعاون معه ـ مجالس الصحوة ـ بايجار الولاء مستغلين الخلافات المشتعلة بينها وبين ـ الواردين من انصار الجهاد ـ الذين ارتكبوا اخطاء جسيمة في مناطقها، اضافة الي النجاح الامريكي في تكريس الاشكال الطائفي في بغداد وجنوبها، حتي وصلت اعداد النازحين والمهجرين والمهاجرين الي ارقام 5 ـ 7 ملايين داخل وخارج العراق، مما يعني اخلاء وعزلا سكانيا لمناطق باكملها من الاختلاط الطائفي وخاصة في بغداد والبصرة والحلة ومعظم مناطق جنوب العراق وشرقه، ناهيك عما يجري في كركوك من اطلاق يد التطهير العرقي واشغال سكان مناطقها بمشاكل لا تقل اهمية عن مشاكل العزل السكاني في بغداد، اضافة الي سياسة الاستقطاع لمناطق باكملها في الموصل وبعقوبة وصلاح الدين لمصلحة ميليشيات البارزاني والطالباني المتعاونة مع المحتل ومهماته الخاصة، اضافة الي اطلاق يد ميليشيات بدر والدعوة وفرق موتها مع فرق المرتزقة ـ شركات الحماية الخاصة التي بلغ تعدادها ما يزيد علي 30 الف مرتزق ـ لاثارة غبار الحرب الطائفية التي تدر علي المحتلين درعا واقيا يعزز قوتها ويضعف قوة المقاومين، وبها ايضا اعطبت المنابر المقاومة في التيار الصدري بعد اختراقها وقصقصت اجنحتها الشعبية المقاومة، كما حصل في الديوانية وكربلاء، بدعم واسناد من القوات الطائفية الحكومية وتغطية القوات الامريكية، وهكذا الحال مع جماعة حزب الفضيلة في البصرة، لقد ثبت ان تفجيرات سامراء الاولي والثانية كانت بتدبير مخابراتي امريكي ايراني وتنفيذ لفرق خاصة من المرتزقة مع تغطية من عناصر مغاوير الداخلية المخترقة ايرانيا، وهذا بحد ذاته مؤشر علي المصلحة المشتركة امريكيا وايرانيا علي اشعال فتيل الحرب الطائفية.
كانت صحوة امريكية للاستفادة من دروس بيكر ـ هاملتون ومن سياسة الاحتواء المزدوج القديمة الجديدة التي تستدرج اطرافا من المعارضين لتقاتل بهم المقاومين ثم يأتي دورها في احتواء الجميع، حتي ان لجنة حل النزاعات الدولية غير الحكومية قد تشجعت ونصحت امريكا باتباع نفس الاسلوب مع التيار الصدري الذي يمثل حسب تقديرها القواعد الطبقية الشعبية الفقيرة وعدم المراهنة الكلية علي جماعة الحكيم الذين يمثلون الطبقة الميسورة من التجار المرتبطين بايران.
ان تعريق الصراع اي جعله عراقيا عراقيا هو جوهر السياسة الامريكية الحالية، حتي ان صدور القرار غير الملزم لمجلس الشيوخ الامريكي القاضي بتقسيم العراق الي ثلاث دويلات ـ شيعية، سنية، كردية ـ جاء ليترجم المنحي الذي تسير عليه فحوي السياسة الامريكية في العراق جمهورية كانت ام ديمقراطية وما يؤكد هذه الفحوي هو اتفاق الحزبين علي ضرورة النجاح في العراق، اي بجعله مختلفا شكلا ومضمونا عن سابقه مما يتيح استثماره باقصي قوة لمصلحة الاستراتيجية الامريكية بعيدة المدي لانجاز ترتيبات الشرق الاوسط الجديد الذي تعتبره امريكا مفتاحا للحفاظ علي مصالحها الحيوية في العالم، اما موضوعة جدولة انسحاب القوات ومواعيدها، واستبقاء قواعد ثابتة باتفاقات امنية طويلة او قصيرة المدي، وغيرها من الجزئيات والتفاصيل فهناك اجتهادات امريكية مختلفة حولها، كخلاف كلينتون مع سابقه بوش الاب من موضوع العراق ذاته.
كل هذا قد حصل ويحصل، ولم تتجاوز المقاومة العراقية نقاط ضعفها الكامنة بغياب وحدتها وانحساراشكال نضالها، وغياب الاستراتيجية البرنامجية لديها، اي العمل نظريا وتطبيقيا وميدانيا من اجل اقامة اوسع جبهة وطنية شعبية لدحر الاحتلال واقامة عراق مقاوم لكل اشكال التقسيم والتفكيك والتبعية والضعف، عراق، الوطن الواحد، والشعب الواحد، والامل الواحد بالبناء والسلم والتنمية الديمقراطية الفعلية، بحيث تقلب السحر علي الساحر، اي توسع دائرتها وتضيق الخناق علي دائرة المنخرطين في عملية الاحتلال السياسية، الذي يحصل الان هو العكس تماما، مع انه تتزايد موضوعيا فرص التحام اوسع قاعدة شعبية حول موضوعة المقاومة وخاصة بعد ان تجرع شعبنا الويل كل الويل بهذه السنوات الخمس العجاف، ولم يعد ينتظر العراقيين شيئا غير المصائب الجديدة، فما كانوا يوعدون الناس به تبين انه السراب بعينه، فلا الانتخابات او الدستور وفدرالياته او الحكومة الدائمة او نقل السيادة كانت مخارج او رحمة بل نقمة ما بعدها نقمة، فالخراب والفرار الجماعي هو النتيجة التي اوصلنا اليها الاحتلال وجلاوزته، وما تزايد الرفض الشعبي لقانون النفط والغاز الجديد والهبة الشعبية بوجه مشروع الفدراليات التقسيمي، والمعارضة الشعبية لمحاولات الزمر الباغية الطالبانية والبارزانية لافتعال حرب اهلية في كركوك الا دلائل علي التململ المتزايد الذي سيؤدي لو احسن استثماره لثورة شعبية عارمة تدك معاقل المنطقة الخضراء ومن يحميها، ان الفشل المطبق في تحقيق اي مكسب فعلي يمس حياة الناس وامنهم ومعيشتهم وخدماتهم ومستقبلهم يجب ان يكون حافزا قويا تستند عليه المقاومة في مجال تنظيمها وتجنيدها لابناء شعبنا وليس العكس.
اما الاستجابة لدعوات المحتلين واعوانهم التي تنبع من واقع الضعف كله، للتوصل الي تسويات ومساومات وتحاصصات رخيصة فهي بمثابة رمي طوق النجاة لهم وتزكيتهم بما لا تجوز التزكية فيه، فمن يتنازل عن مقاومته لا يحق له ان يزكي احدا حتي نفسه.
القدس العربي
المقالات المختارة لاتعبر الا عن راي كاتبها فقط
مقاومة الاحتلال وعمليته السياسية لا تؤتي ثمارها بالمساومات !-جمال محمد تقي
