هيئة علماء المسلمين في العراق

نهايةُ راكبِ الهَمَرات -د. فهمي الفهداوي
نهايةُ راكبِ الهَمَرات -د. فهمي الفهداوي نهايةُ راكبِ الهَمَرات -د. فهمي الفهداوي

نهايةُ راكبِ الهَمَرات -د. فهمي الفهداوي

وتراه يلهث، بوصفه صاحب قضية وطنية، ليس بمقدورك ولا يحق لغيرك، أن يمنعه عن النبض والكلام والشجن، وما عليك سوى أن تقرَّ له بالسبق في نقش فكرة النضال الحميم، وبالتالي أن تحترم لهاثه على عينك وعنادك وما ينتابك من الشك العارض والحرص المفترض. ثم تراه يلهث مجددا، ويتلاهث دون حدٍّ، ولا حدود للهاثه هذا الغريب، الذي يمضي عليه، بكل معنى الغرابة...! فتسمع منه منطق الإشكالية، وكيفية التفصيل بين عقم خيارات اللسان، بمقابل جدوى خيارات السنان، وأنَّ الوردود والأزاهير سوف تحوّل الهمرات والدبابات إلى ماكناتٍ متواصلة لإبادة العراقيين واصطياد الحياة، وأنَّ حسن النوايا لا ينفع مع الغزاة، لأن الطغاة مشربهم واحد، وربّهم الشيطان، وليس سوى الحذاء كفيل، بمصرع الغزاة وإزاحة الاحتلال، وكسر الهمرات.
وها.. هو.. يلهث من أجل الوطن، الذي تحوَّل إلى مدينة مختصرة وشوارع تضجُّ بالاشتعال والمجد والانكساريات، وأحيانا يبكي، وينخرط في صلاة يظللها حزن وقور، ويدخل في سورة صمت غريب ووجل أغرب وارتباكات ملفتة للعتاب، فأحسبني عالةً على شعوره وممتلكاته، ومتواضعاً إزاء عظمة عصفه وغضبه وطريقة بصقه على الهمرات المذعورة، التي تجأر في المسافات والبعيد، وهي تتخطف ضجيجها من الفزع الشائك.
إنَّه الوطني المنتظر، الذي قرر أن يخرج إلى الناس من مدرسة الفتية ودار المعلمين وجامعة الطلبة، ومن مسجد الناس، وساحات الشعب، يلهث من أجل العراق، الذي تحرقت خيامه بالموت والتهجير والقتل والنواح، ومن أجل الناس المُتَّعَبين وأحلامهم البريئة، التي تشققت بسكاكين الاحتلال، فلا يُمكنك وأنت العراقي المطعون من الخاصرة في كل شيء، إلا أن تشدَّ على يديه، وتنسى آلامك في لحظة استقواء مفاجئة، لتنهض متجاوزا عن عذاباتك نحو راحة مكان مستعاد من رائحة صافية مخبوءة، تذكّرك بالبطولات والرموز القدوة من بني البشر. وتستمر على رؤيتك له.. هكذا... لاهثاً - لاهثاً، وينتابك الأمل الجميل، لكي لا تحزن ولا تبتئس ولا تحبط ولا تخاف على وطن له من الحب والتحوّط والإحاطة، ما لم يجعله وطناً سيذهب مع الريح، بقدر ما يجعله وطناً ملحمياً في معاناته، التي لم تقو الفجائع على ذهاب روحه وملكوته وبقائه في المعجزات، حُلماً من الأطفال والبرتقال والأناشيد.
ثم تقف َ مختالاً بقلبك، لتُحيّ ذلك التتابع السرمدي من العظمة والترسيخ، وتفرح قرارة نفسك، وتنتعش دواخلك المنكسرة، وتشعر بالمعزَّة الغائبة، وتفتخر بالتماسك المحدث، وتغدو روحك حائمة في طيران عجيب، يصل حدَّ التسامي والغرق في الموروثات والأثير والإثارة، وتشطب فكرة سوداوية، ظلت تحفّ برأسك وتلازم قناعاتك في لحظات اليأس، والمحتلون الغرباء يستولون على عالمك الهادئ النظيف بغبار أوساخهم وأخلاقياتهم القبيحة:
- من كونك وحيداً....!
- من كون قلبك وحيداً، وثمة كذابون كثر في حياتك المتفجرة، على قيم وسلوكيات، مقحمة على وجوديتك، من خلال الهمرات والتماثيل الأميركية، التي يصنعها الاحتلال، قريبا من أنفاسك وصباحات أبنائك المبللة بالفراغ.
- من كونك حقا لا تشعر بوطن عميق، يمشى على الطرقات ولا ينام قريبا في المخيلة، طالما أميركا الحيزبون تسرق من العراق والعراقيين كحل العيون.
- من كونك وأنت دائماً تُردّد:
ليس عندي أصدقاء..
لا ولا عندي وطن...!!
لي حبيب في الغياب..
وتقاويم شجن..
ها أنت تراه.. فتؤجل ما لديك من الأفكار والحذر، وتتخطى على رؤيتك الذاتية في التحفظ الزائد على وصف الإرهاصات والجهود بأوصاف مقلقة، وتندهش على مدى مسافة طويلة من التفاؤل، وأنت تراه يمضي مسترسلا – مسترسلا في إحصاء الأكاذيب، وفي تقصّي المتاهة، التي حاكها الاحتلال في الرمادي وبغداد وبقية مدن العراق.
تعود إلى قلبك، وروحك وأنفاسك، وتقول: أيعقل أن أصادف مَنْ هو أقوى مني حبَّا للعراق والرمادي وطرقاتها وفراتها، وأشدَّ كرها مني للهمرات العاهرة، التي حبست إمدادات ذلك العشق كله عن مشاعري، أيعقل - أيعقل..؟
هل بمقدور الأسئلة والتساؤلات أن تُغيّرَ الحقيقة.؟ وأيَّة حقيقة.؟
أن تُغيّرَ حقيقة هذا الوطني المنتظر.؟
لماذا لا ترجع إلى الطوامير النائمة، فتوقظ صفحاتها بالكلام الموثق، عُدْ إلى قلبك وشكوكك وتصفح، كُنْ عراقياً مباحاً على فتح باب الجراح... ورويدا... رويدا حاول أن ترى الصور والمشاهد، التي تمنحك التفاصيل المهمة لهذا الوطني المنتظر، الذي أجهدت مشاعرك من أجله، وأحرقت عضاتك في سبيل أن يكون مقيما على أعيننا، وهيا – هيا.. قلْ لنا ماذا ترى:
- منذ البداية، لم يكن وطنيا ولا منتظرا، ولا هم يحزنون.... !
- منذ البداية، كان حذاء ساقطاً، يلهث مُردّداً مثل انتهازي صغير محفوظات وطنية لم يحفظها جيداً، فأقعى في البعيد مثل كلب أجرب، انتهازياً بين الانتهازيين، وعشائرياً فاقداً لغيرة العشائريين...!
- منذ البداية، كان هارباً عن الوطن...!
- منذ البداية، عندما جاء، صار يسرق الامتيازات والمناصب ويولغ في نفق الفساد والتخريب، طاعناً رفاقه بالغدر، وحاز ثمرات المفصول السياسي، الذي يسترجع حقه المفترى عليه بالتزوير، ليغدو مجنحاً بالفقاعات والذباب...!
- منذ البداية، كان يُمثّل على المشاهدين دور الوطني المنتظر بصفاقة، خارجاً عن النص في أكثر من موقف متأرجح، وحركة مثيرة للتساؤل وتحتمل الشبهات والشكوك....!
- منذ البداية، كان من أوائل راكبي الهمرات في الرمادي، وكان جليسا لجنرالات الغزاة، ومعجبا جداً بسلاسة المشروب الأميركي بعد الكأس الأولى، عند مروره بين تلافيف الحنجرة...!
- منذ البداية، كنتُ قد دونتُ جملة مكتوبة في قصاصة بحقه، وأنا أراه يدخل الجامعة: هذا أول مَنْ سيخونني، حلما يصفو له ريش الحلال، وبالفعل خانني.. وعلى كتفيه ريش الحرام، لكونه لم يعرف الحلال عبر جميع ادعاءاته بكثرة الحج....!
- منذ البداية، كنت أعرف وأتوقع، كيف ستكون النهاية - نهاية تلك البداية التي عليها الوطنيون المنتظرون، وما هم بوطنيين منتظرين، ولا هم يحزنون أصلا...!

ميدل ايست اونلاين
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق