هيئة علماء المسلمين في العراق

الضاري: المقاومة ستنتصر.. ولا مصالحة وطنية في ظل الاحتلال
الضاري: المقاومة ستنتصر.. ولا مصالحة وطنية في ظل الاحتلال الضاري: المقاومة ستنتصر.. ولا مصالحة وطنية في ظل الاحتلال

الضاري: المقاومة ستنتصر.. ولا مصالحة وطنية في ظل الاحتلال

الشيخ حارث الضاري: الاحتلال لا يحاور المقاومة لأنه ليس جادا في إنهاء وجوده.. الشيخ حارث الضاري يؤكد أن العراق سيحكمه أبناؤه لا القاعدة بعد انتهاء الاحتلال.. تؤدي (هيئة علماء المسلمين) التي يرأسها الشيخ حارث الضاري دورا وطنيا تحرريا يضاهي الدور الذي أدته (جمعية العلماء المسلمين) في الجزائر إبان سنوات الاحتلال الفرنسي. ومثلما قادت تلك الجمعية بزعامة الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس (1889-1940) أولى مراحل النضال ضد الغزاة، وأدت تاليا دورا رئيسيا في دعم فصائل جبهة التحرير الوطني ضد الاحتلال، فان لجة الأقدار وضعت "هيئة علماء المسلمين" في العراق في مقدمة حركة الجهاد والمقاومة، وذلك منذ الأيام الأولى لبدء الغزو.

وعلى الرغم من طبيعتها الدينية الشرعية، السنية، إلا انها سرعان ما تحولت، بفضل دعم وتضامن قيادات دينية وطنية من مختلف الطوائف العراقية، الى مؤسسة تنطق بلسان كل العراقيين، وتدافع عن وحدتهم وأواصر القربى بين أرحامهم.

لقد انطلقت الهيئة من رؤية وطنية جامعة، وتحولت بفضلها الى محور ينجذب اليه كل الوطنيين والأحرار وذوي الضمائر، بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية وانتماءاتهم العقائدية والدينية.

وكان هذا هو أكثر ما دفع الطائفيين الذين تولوا السلطة تحت ظلال دبابات "العم سام" (أو "الشيطان الأكبر" بلغة الخداع و"التقية")، الى توجيه نيرانهم الى الهيئة. ومثلما تولت "فرق الموت" التي يمولها ويسلحها الاحتلال أعمال اغتيال للعشرات من أئمة وأعضاء الهيئة، فقد تولت المليشيات الطائفية التابعة لحكومات الاحتلال المتعاقبة، حرق وهدم مساجدهم، وتصفية عشرات الآلاف من الأبرياء على أسس طائفية وذلك لنشر بذور الفتنة بين العراقيين. وكان للشيخ الدكتور حارث الضاري نصيبه الخاص من أعمال الملاحقة والتهديدات.

والحال، فانه لولا الدور الوطني والتحرري لهيئة علماء المسلمين، فان الطائفيين ما كانوا ليجدوا فيها مصدرا للخطر عليهم، ولا نموذجا أخلاقيا رفيعا يفضح انحطاطهم، ولا قوة توحيد تعرّي أهدافهم الخبيثة لتمزيق العراق تحت سائر "الفيدرالية" المهلهلة.

ولولا الدور الدعوي المتميز، ولولا الثقة التي يوليها المقاومون من الفصائل كافة، لقيادة الهيئة، فان الغزاة ما كانوا ليجدوا فيها تحديا سياسيا وميدانيا لسلطتهم ولجرائمهم وأعمالهم الوحشية في العراق.

واليوم إذ يجسد الشيخ الضاري صوت الضمير الوطني الجامع، فانه يحمل بين نبراته كل تبعات معاناة العراقيين وأوجاعهم، ولكن في الوقت نفسه صلابتهم وتمسكهم بالثوابت التحررية وعزمهم على مواصلة النضال حتى زوال الاحتلال وكل مظهر من مظاهره.

وهنا نص الحوار معه:

* الأوضاع الإنسانية في العراق تبدو أوضاعا مأساوية بدرجة تفوق التصور. بعض الأرقام تتحدث عن ما لا يقل عن مليون ضحية منذ بدء الغزو، كما ان هناك أكثر من أربعة ملايين مشرد داخل وخارج العراق. والمجزرة مستمرة. كيف حصل كل هذا؟ كيف انتهينا الى مأساة كهذه؟ لا شك ان الاحتلال يقف وراء الكثير من الجرائم؟ ولكن هناك قوى أخرى. من هي هذه القوى؟ ولخدمة من تعمل؟ وما هي أهدافها؟

الشيخ حارث الضاري: الأوضاع الإنسانية في العراق مأساوية بكل معنى الكلمة وهي تفوق حدود التصور بل الخيال، وما ذكرتم من نماذج السوء والإجرام ما هي الا جزء مما يجري في الواقع في العراق اليوم.

أما كيف انتهينا الى هذه المأساة؟ فبفضل الاحتلال انتهينا الى هذه المأساة. فالاحتلال هو الذي وقف ويقف وراء كل أعمال الهدم والتخريب والإجرام بكل أنواعه في العراق. فهو الذي اعتمد في السيطرة على العراق بالحديد والنار واعتمد في حكم العراق على أشخاص وفئات دربهم ووجههم الى ما يريد ان يفعله في العراق وأعطاهم في الوقت نفسه كل ما أرادوه منه مما لهم ومما ليس لهم، الى أن يُرضوا سيدهم المحتل.

اما الشعب العراقي فلا اعتداد به ولا اعتبار له. وهذا إجمالا هو ما انتهى بنا إلى هذه المأساة، لان الشعب العراقي أدرك انه هو الضحية وان الاحتلال وعملاءه متآمرون عليه وعلى سيادته ووحدته وهويته ومقدراته، فهب شرفاؤه وأبناؤه المخلصون في وجه الاحتلال وعملائه الذين يسعون الى تخريب العراق وتقسيمه طائفيا وعرقيا وربما عشائريا والاستحواذ على خيراته من قبل القوى المتحالفة والمهيمنة على القرار في العراق في ظل الاحتلال وبدعم من قبل بعض القوى الإقليمية الطامعة في العراق.

أما القوى التي تقف وراء مأساة العراق فهي عديدة وفي مقدمتها الاحتلال كما ذكرنا ويساعده في ذلك حلفاؤه كبريطانيا واستراليا وعملاؤه من الأحزاب التي اعتمد عليها في حكم العراق كالحزبين الكرديين "الاتحاد الوطني الكردستاني" برئاسة جلال الطلباني و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" برئاسة مسعود البرزاني، والأحزاب الإسلامية الشيعية (الطائفية) سلوكا وأهدافا، كالمجلس الأعلى وحزب الدعوة وجيش المهدي الذي لحق بهما فيما بعد، وكذلك عصابات الاجرام وفرق الموت التي تمولها جهات خارجية وداخلية.

وهدف الجميع إنهاء المعارضة لقوى الشر والقضاء على مقاومة الشعب العراقي لأعدائه.

أما لمن تعمل هذه القوى الشريرة؟ فالمتابع لأعمال هذه القوى لا يصعب عليه تحديد الجهات التي تقف وراءها وتحركها فمنها ما تحركه أحقاده الخاصة وأطماعه الشخصية ومنها ما تحركه دوافعه الطائفية والعرقية ومنها ما تحركه بعض القوى الخارجية والإقليمية والدولية، كإيران وإسرائيل وغيرهما ممن يسعون الى تمزيق العراق وتقسيمه او على الأقل إضعافه وتحجيم دوره.

* كيف تقيمون دور المنظمات الانسانية الدولية؟ كيف يعقل أن لا تقوم هذه المنظمات بدور فعال للتخفيف من عواقب المأساة، او في الأقل فضحها؟

الشيخ الضاري: للأسف لا دور للمنظمات الإنسانية الدولية في العراق وللأمم المتحدة، وكأن هذه المنظمات لا تسمع ولا ترى المأساة العراقية التي تعد مأساة العصر بلا منازع، بينما نراها تهتم بغيرها من النزاعات والمآسي التي تحدث في غير العراق وهي دون ما يجري في العراق بكثير ويبدو ان المنظمات الإنسانية والأممية لا تنظر الى المآسي والأحداث الإنسانية الا من خلال رؤية العم سام لها، ولذا فان العراقيين لا يثقون بالأمم المتحدة ومؤسساتها السياسية والإنسانية ويعدونها جزء من الأدوات التي يسيرها الاحتلال لمصالحه في العراق فهي بمثابة شاهد زور ليس الا.

*أوضاع المهجرين تبدو مأساوية أكثر إذا لاحظنا غياب مبادرات التنظيم بين تجمعاتهم لاقامة هيئات تتولى السعي للحصول على المساعدة وتوزيعها ومعالجة الشؤون الحياتية اليومية. ونحسب ان هذا جزء من العمل النضالي لمقاومة الاحتلال. هل فعلتم شيئا في هذا الاتجاه، وخاصة في الأردن وسوريا ومصر، وكذلك داخل العراق؟

الشيخ الضاري: وضع المهجرين مأساوي في الداخل والخارج، اذ فقد الكثير منهم مصادر عيشهم وما كان لديهم من حطام الدنيا ولم يجدوا من يسعفهم ويعينهم على مأساتهم لا من الأخوة في الدين والدم، ولا من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أو أية جهة أخرى.

وهذه الحالة تسجل معالم الخيبة والخزي والعار على كل هذه الجهات لخذلانها للعراق والعراقيين في الفترة العصيبة من تاريخهم علما ان العراقيين حتى في نكبتهم هذه قد أفادوا العالم سياسيا بإخراج أميركا من القطبية التي ظنت أنها قد تفردت بها، واقتصاديا حيث ارتفعت أسعار الطاقة الى ثلاثة او أربعة أضعاف عما كانت عليه قبل الحرب العدوانية على العراق مما ضاعف مداخيل دول الإقليم وغيرها من دول العالم القطبية.

أما دورنا في هذا المجال فهو دور متواضع في داخل العراق، وهو في عدة مجالات خدمية وصحية واغاثية محدودة نظرا لمحدودية إمكاناتنا وقلة المساعدين لنا في هذا المجال، والحمد لله على كل حال.

اما في الخارج فلا نريد ان ندعي ذلك لسعة حجم المشكلة، وان كنا قد سعينا لإيجاد بعض الآليات لتقديم ما يمكن تقديمه لإخواننا في الخارج، ولكن للأسف لم نجد من يعيننا على ذلك، وكأن الآخرين (لا حق لهم في) دوام نعمة الله تعالى عليهم.

* ماذا عن عشرات الآلاف من المعتقلين؟ هل لكم ان تقدموا لنا تصورا عن أوضاعهم؟ هل هناك من يراقب هذه الأوضاع؟ هل هناك من يسجل أسماء المعتقلين وأماكن اعتقالهم على الأقل، لكي نعرف من يتعرض للتعذيب ومن مات ومن بقي على قيد الحياة؟

ولا شك ان منظمة الصليب الأحمر الدولية تعرف الكثير عن هذه الأوضاع لانها الجهة الوحيدة التي تستطيع الدخول الى المعتقلات او بعضها على الأقل، كيف تقيمون دور هذه المنظمة؟ هل تقدم لكم أي مساعدة في وضع بيانات، على الأقل، باسماء المعتقلين؟ هل أجريتم اتصالات مع قيادة هذه المنظمة للمساعدة في وضع تلك البيانات؟ او للتحقيق في الانتهاكات؟ او للعمل على وقف الجرائم التي يتعرض لها المعتقلون؟

الشيخ الضاري: أوضاع المعتقلين مأساوية هي الأخرى، فلا أحد يعلم عددهم على وجه التحديد، ولا أحد يعلم ما يجري لهم بالضبط. وان كانت كل المؤشرات المستفادة من العدد القليل جدا من الخارجين والناجين من سجون الاحتلال والحكومة تؤكد تعرض السجناء والمعتقلين إلى صنوف من العذاب الذي يؤدي بكثير منهم الى الموت او العوق او الجنون في نهاية الأمر، ولا سيما سجون الحكومة.

ولا يسمح لأحد الاطلاع عليها او على أعدادهم في السجون المتعددة في كل أنحاء العراق، لا من لجان حقوق الإنسان المتعددة المحلية ولا من غيرها. أما الصليب الأحمر فدوره محدود ولا يسمح له هو الآخر بالاطلاع أو معرفة كل ما يريد، وهو لا يُعذر في هذا لان لديه من التفويض الدولي والحصانة ما يوجب عليه أن يكون أكثر فاعلية في هذا الموضوع.

ولكن للأسف لم يقم في هذا المجال بالدور المطلوب منه. ويبدو لنا ان ما يجري في هذه السجون من فضائع يندى لها جبين الإنسانية وتخجل منها حتى سجون الجبابرة والطغاة، وهي وراء هذا التعتيم عليها وعلى عدم العمل على إخراج المساجين الذين مضى على أكثرهم ما يزيد على أربع سنين دون محاكمة او توجيه تهمة.

هذا وقد جرت بيننا وبين بعض مسؤولي هذه المنظمة اتصالات أكثر من مرة وعاتبناهم على ما نشعر إنهم قصروا فيه وطلبنا منهم أن يكونوا أكثر ايجابية وتفاعلا مع هذا الموضوع ووعدوا خيرا، وشكوا من عدم التفاعل معهم من قبل الحكومة الحالية وقوات الاحتلال وعدم توفير الأجواء الأمنية وما إلى ذلك ولم نر شيئا ملموسا منهم إلى الآن. ولعل هذا من سوء حظ العراقيين الذين لازمهم في هذه الفترة من تاريخهم.

* هل أجريتم اتصالات بأية هيئات ومنظمات انسانية دولية للنظر في كارثة اللاجئين والمهجرين والمقيمين في مخيمات؟ واذا كانت هناك وعود، فماذا تحقق منها؟ أين الجامعة العربية من هذه المسألة؟ أين الحكومات العربية؟ أوضاع مأساوية كهذه يجب ألا تكون موضع خلافات. أم هل هي الأخرى موضع خلافات؟

الشيخ الضاري: لم تجر اتصالات مباشرة بيننا وبين من ذكرتم من هيئات ومنظمات إنسانية دولية ولعلمنا ان الأبواب قد سدت من قبل سادة الساحة الدولية وهم من تعرفون، ولم يبق للعراقيين وغيرهم من المظاليم في العالم الا باب الله الواسع.

ولكننا قد طالبنا الدول العربية وغيرها من الدول والهيئات والمنظمات الدولية وناشدناهم أكثر من مرة من خلال وسائل الإعلام والمقابلات الصحافية وبيّنا للجميع خطورة ما يمر به الشعب العراقي من الحاجة الماسة لمساعدته ومد يد العون له وخاصة المهجرين في داخل العراق والمهاجرين من الخارج. ولكن للأسف لم تجد هذه المطالبات والمناشدات آذانا صاغية أو قلوبا حانية او أياد سخية إلى الآن.

* فصائل المقاومة تقول انها تقاوم احتلالين لا واحدا. إيراني من جهة واميركي من جهة أخرى. الوجه الاميركي للاحتلال معروف. فما هو الوجه الايراني للاحتلال. كيف يظهر، وبأي وجه يمارس تأثيراته؟

الشيخ الضاري: أكثر قوى المقاومة فيما نعلم أنها مع شعورها بوجود تدخل إيراني سافر في شؤون العراق يرقى الى مرتبة الاحتلال فانها مشغولة أولا بالاحتلال الأميركي لانه هو سبب كل المشاكل والتدخلات الخارجية الإيرانية والإسرائيلية وغيرها في العراق.

ولذا فهي تولي اهتمامها الأول بهذا الاحتلال لأنه بدون إنهائه لا يمكن إنهاء التدخلات الخارجية المشبوهة في العراق وهذا ما عليه كل القوى العراقية والوطنية الواعية الرافضة للاحتلال ومنها هيئة علماء المسلمين في العراق.

أما وجه الاحتلال الايراني فهو يتمثل في القوى المتحالفة مع ايران في العراق وعلى رأسها "المجلس الأعلى" وتشكيلاته وجلال الطلباني ومن معه، وآلياته هي المخابرات الإيرانية و"جيش القدس" وغيرهما من أنواع المخابرات والمرتزقة والعملاء الذين جندتهم إيران لتحقيق طموحاتها ومشاريعها في العراق والمنطقة بوجه عام.

* ما هو الدور الذي تلعبه هيئة علماء المسلمين؟ من الناحية الانسانية أولا، ثم من الناحية السياسية؟

الشيخ الضاري: الدور الذي تقوم به الهيئة من الناحية الإنسانية يتمثل في العمل على جمع كلمة العراقيين بالوقوف امام مثيري الفتن ودعاة الفرقة والطائفية من كل الأطراف الجاهلة والمأجورة التي سارت وتسير في هذا الاتجاه الضار والخطير على وحدة الشعب العراقي بقصد او بدون قصد من خلال التعاون مع الشخصيات والمرجعيات العراقية الوطنية في هذا المجال.

ومن خلال خطابنا الوطني العام وعدم مجاملتنا لجهات الشر ودعاة الفتنة من كل الأطراف ودعواتنا إلى الإخوة والتسامح وضبط النفس بعد كل حدث يثيره الأعداء والعملاء لتأجيج الفتنة وتمزيق النسيج الوطني العراقي، تلك الدعوات التي أسهمت، والحمد لله، في اخماد ومحاصرة كثير من تلك الفتن والمكائد الخبيثة التي اراد منها أصحابها الوقيعة بين أبناء شعبنا.

وثانيا، العمل الاغاثي والصحي. ولا شك ان دورنا في هذا المجال محدود وكما ذكرنا وذلك لقلة ما في أيدينا وسعة حاجة المحتاجين من أبناء وطننا وشعبنا وقلة الناصرين لنا في هذا المجال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وأما دور الهيئة من الناحية السياسية فهو دور ظاهر ومعروف ويكفي انه أزعج الاحتلال وعملاؤه وهو دور مستمر بعون الله ما دمنا أحياء ومؤمنين بعدالة قضيتنا ويتمثل هذا الدور في العمل الإعلامي بكل أنواعه المتاحة وفي مقدمتها الصحافة والتلفزيون وحضور الندوات والمؤتمرات والحوارات السياسية الخاصة بالعراق وغير الخاصة به لإيصال صوت العراق من خلالها، وشرح قضيته وتطوراتها وما آلت إليه الأمور فيه وبيان وجهة نظرنا لكيفية الخروج من الإشكال العراقي الذي وضعنا فيه الاحتلال وفي الاتصال المباشر مع الدول العربية الشقيقة وبعض الدول الصديقة المهتمة بالشأن العراقي لاطلاعها على الوضع العراقي ومجريات الإحداث التي تقع فيه.

وفي اللقاءات اليومية تقريبا مع الفعاليات العراقية والعربية ومع الصحافيين والممثلين السياسيين لعدد من الدول العربية والأجنبية الذين يزوروننا للاستفسار عن الشأن العراقي وتطوراته وغير ذلك، مما يتعلق به، وفي الدعم المعنوي والسياسي لقوى الرفض والمقاومة للاحتلال في الداخل والخارج وغير ذلك مما اكسب القضية الوطنية والمشروع الوطني العراقي قوة وسعة وأنصارا يزدادون يوما بعد يوم، والأمر الذي أقض مضاجع المحتلين وأعوانهم ودفعهم الى توجيه التهم الزائفة والفاشلة إلينا وإصدار المذكرات الخائبة ضدنا لكشفنا لجرائمهم وسوء أفعالهم بالعراق والعراقيين.

* ما هو مستقبل ما يسمى بـ "العملية السياسية" التي يرعاها الاحتلال؟

الاميركيون وعملاؤهم يتحدثون عن "مصالحة وطنية"، ما هو المقصود بهذه المصالحة؟ ومن هم المقصودون بالمصالحة؟ اعني، المصالحة بين من ومن؟

الشيخ الضاري: العملية السياسية عملية غير شرعية لأنها عملية صنعها الاحتلال وفاشلة لأنها بنيت على المحاصصة الطائفية والعرقية والإقصاء للغير، لذلك كان أداؤها فاشلا وحصادها خرابا ودمارا ودماء جارية.

وعملية كهذه فالمتوقع لمستقبلها، وخاصة اذا طالت، ان يكون كارثيا على العراق والمنطقة.

أما المصالحة التي يتحدث عنها الأميركيون وأزلامهم فالمقصود منها مصالحة تكون على مزاجهم من أشخاص او أطراف عراقية من المكونات المقصية وغيرها تشاركهم في العملية السياسية دون أي تغيير للعملية السياسية او الأداء السياسي الذي درج عليه لاعبوها او الموقف من الاحتلال والإفرازات التي أفرزتها العملية السياسية كالدستور والفدرالية.

ولذا لا يمكن ان تتحقق المصالحة الوطنية الحقيقية في ظل الاحتلال وعمليته السياسية الحالية المدمرة. وما يبثه الإعلام أحيانا من صور للقاءات تجمعات يقال عنها أنها لقاءات مصالحة وطنية فإنها مصالحة صورية لا تجمع الا الأشخاص والفئات المشاركة في العملية السياسية والانتهازيين الذين يدقون على كل طبل، حتى لو كان من جلد خنزير.

* اذا كان الاحتلال وحكومة عملائه تعاني من عقدة فمما لا شك فيه هو ان المقاومة وفصائلها هي هذه العقدة. ولكن الولايات المتحدة وحكومة المنطقة الخضراء تستنجد بدول الجوار تارة وبالأمم المتحدة تارة أخرى، وغدا ربما سيقولون انهم يجرون اتصالات مع كواكب أخرى، إلا انهم لا يضعون المقاومة بالحسبان كجهة يمكن التحدث معها علنا؟ ولكننا نعرف انه جرت محاولات سرية لاجراء محادثات ولكنها فشلت فيما يبدو. ماذا حصل؟ والى أين انتهى الأمر؟

الشيخ الضاري: نعم العقدة هي المقاومة وفصائلها ولكن الاحتلال لا يريد ان يعترف بهذه الحقيقة لان الاعتراف بها يلزمه الاعتراف بالمقاومة وبمحاورتها والتسليم بمطالبها وعلى رأسها الانسحاب الكامل من العراق وهذا ما لا يستطيع تجرع مرارته، الآن على الأقل، وأملا في أن يحدث اختراقا في المقاومة لإنهائها او إضعافها بواسطة عملائه المكلفين بذلك وما أكثرهم.

واذا كان الاحتلال لا يعترف بهذه الحقيقة فكذلك عملاؤه لا يعترفون بها أيضا، لان اعترافه بها سيفقدهم كل المكاسب التي جنوها في ظل الاحتلال وسيقضي على كل الآمال التي بنوها على وجود الاحتلال في العراق، ولذلك أدّعوا أنهم أجروا اتصالات مع المقاومة او مع بعض من يمثلها او يمثل أطرافا منها، ولكننا لم نسمع شيئا يُعوّل عليه في هذا المجال، ولم نعلم إلى أين انتهى الأمر، والذي اعتقده هو أنهم لم يجتمعوا بمن له تأثير حقيقي في المقاومة، أو انهم أجروا اتصالات ببعض من يتاجر باسمها، ولهذا لم تأت هذه الاتصالات بشيء يذكر.

وقد يكون الغرض من هذه الاتصالات هو الاختراق وزرع الشك في صفوفها لإنهاء دورها او إضعافها كما أسلفنا، ليس الا.

* اذا لم تكن هناك جهة واحدة تكون هي المحاور باسم المقاومة، أليس من الطبيعي ان يكون التجاهل من جانب الطرف الآخر هو الشيء المتوقع؟

الشيخ الضاري: ليس السبب لهذا التجاهل في تقديرنا هو عدم وجود جهة واحدة تحاور الطرف الآخر، وإنما السبب هو عدم وجود رغبة حقيقة لدى الطرف الآخر في الحوار الجاد وإنهاء المشكلة. ويوم تكون عنده هذه الرغبة ويكون مستعدا لتلبية مطالب المقاومة او بعضها وفي مقدمتها الانسحاب من العراق فانه سيجد من المقاومة المؤثرة من سيحاوره، لكن كل المؤشرات المتوفرة لدينا تؤكد ان الاحتلال ليس جادا فيما يجري من حوارات هنا وهناك، بل هو ليس جادا في البحث عن إنهاء مشكلة وجوده في العراق. ويبدو انه يعول على عامل الوقت، وعلى من اشترى من عملاء لتحقيق بعض الأهداف التي دفعته لاحتلال العراق.

* أحدث إحصاءات البنتاغون تقول ان القوات الاميركية ومليشيات عملائها تتعرض لأكثر من 5000 عملية في الشهر، او ما يصل الى نحو 170 عملية كل يوم. ماذا تعكس هذه الأرقام بتصوركم؟ ماذا تعني؟ وهل يمكن الحفاظ على هذا المستوى من زخم العمليات ضد الاحتلال وعملائه؟ من أين يأتي المقاومون بالمال والسلاح والمعدات للقيام بكل هذا العدد من الهجمات؟

الشيخ الضاري: تعكس هذه الأرقام ان المقاومة العراقية نشطة وفعالة ومؤثرة ضد خصومها وتأثيرها بالغ. وتعني أن العراقيين يرفضون الاحتلال وكل ما ترتب عليه. وعليه ان يفكر جديا في ترك العراق لأهله.

ونعم، يمكن الحفاظ على هذا المستوى اذا توفر للمقاومة الدعم المادي والمعنوي والظروف المناسبة. ولكن في كل الأحوال فان المقاومة ستستمر، وربما ستزداد في المستقبل، ما دام الاحتلال موجودا رغم المعوقات التي يثيرها ضدها الاحتلال وعملاؤه في هذه الأيام.

* كم تستطيع الولايات المتحدة ان تصبر إزاء هذا الواقع؟

الشيخ الضاري: لا أظن ان الولايات المتحدة تستطيع ان تصبر أكثر مما صبرت في الماضي، ولذا لا بد لها من ان تفكر جديا للخروج من المأزق الذي هي فيه لأنها لا تستطيع ان تصمد طويلا امام الضغوط الامنية والميدانية في العراق، والسياسية والشعبية والنفسية في الولايات المتحدة نفسها.

* ماذا سيكون مصير ومستقبل المليشيات التابعة لاحزاب الاحتلال؟ وهل يمكن تخيل قيام وحدات من الجيش الإيراني بتولي مهمات الدفاع عن السلطة الطائفية القائمة اذا انسحب الاميركيون؟

الشيخ الضاري: سيكون مصير ومستقبل هذه الميليشيات مصير احزابها، اذا ثابت الى رشدها ثابت عما اقترفت من اثام وخطايا بحق وطنها وشعبها وغلبت مصلحة البلاد والعباد على مصالحها الشخصية والفئوية.

واعتقد ان قلوب العراقيين طيبة وواسعة، وهي ستسع كل من يعود الى سبيل الرشد والصواب. وهذا ما ندعو اليه هذه الميليشيات واحزابها، ان كان الامر بيدها. واما ان كان الامر بيد غيرها ولا نية لها للعودة عن غيّها وعن الاساءة الى ابناء شعبها، فاعمالها هي التي تحدد مستقبلها.

وعن امكانية تخيل قيام وحدات من الجيش الايراني بالدفاع عن السلطة الحاكمة في العراق في ظل الاحتلال فنقول: نعم هناك امكانية لذلك، بل توجد مظاهر من الدعم لها الان في كثير من مناطق العراق، وخاصة في الجنوب، تتمثل في الدعم التوجيهي والمخابراتي والتسليحي وما الى ذلك، مما يذكر لنا الإخوة المواطنون الشرفاء في الجنوب وفي مناطق اخرى من العراق الجريح.

* لو افترضنا ان الولايات المتحدة قررت الانسحاب غدا. قل بعد سلسلة من العمليات الكبيرة، فان دابة الاحتلال قد تفطس، فيقرر الاميركيون الانسحاب، فماذا سيحصل في اليوم التالي؟ كيف تستشرفون أوضاع ذلك اليوم والأيام التي ستليه؟ هل ستكون هناك حرب أهلية فعلا؟

الشيخ الضاري: سيكون هذا اليوم عيدا لاكثر العراقيين ولا يحصل مكروه ان شاء الله تعالى، لان حجم الفرحة التي تضمر العراقيين ستذيب بعون الله تعالى الكثير من شوائب ومعكرات متوقعة.

وهي في كل التقديرات والتوقعات لن تصل الى الحرب الاهلية التي يبشر بها الاحتلال وعملاؤه الذين يسعون جاهدين لابقائه حفاظا على مراكزهم ومكاسبهم وامتيازاتهم التي حصلوا عليها في ظله.

* من هي القوى التي ستحكم العراق في اليوم التالي للانسحاب؟ كيف ستفصل الأوضاع فيما بينها؟ أم هل انها ستخوض حربا فيما بينها للاستيلاء على هذا الموقع او ذاك؟

الشيخ الضاري: اعتقد ان القوى التي ستحكم العراق بعد انسحاب الاحتلال هي قوى الشعب العراقي المقاومة الرافضة للاحتلال، وهي تمثل كل مكونات الشعب العراقي التي عارضت الاحتلال وقاومته ورفضت كل مخططاته الخبيثة، وذلك من خلال التفاهم لعبور المرحلة، ومن ثم الاعداد لانتخابات لمن يتوافق عليهم العراقيون من خلال البرلمان او غيره، من اي مكون كان، بشرط ان يكون مؤمنا بالله ايمانا حقيقيا وحريصا على سيادة العراق ووحدته ارضا وشعبا وعادلا محايدا في حكمه.

هذا ما نتمناه ونسعى اليه مع كل القوى الخيرة من ابناء شعبنا الذين أنضجتهم التجربة المريرة التي عاناها شعبنا في ظل الاحتلال وعملائه.

اما ما يتوقع من خلافات بين القوى بعد ذلك اليوم، فنرجو ان لا يحصل شيء من ذلك. واذا حصل - لا سمح الله - فنامل ان لا يصعب حله، اذا توفرت الارادات الخيرة والنوايا الحسنة.

واحسب انها موجودة عند اغلب اخواننا العاملين في الساحة. وعلى اي حال فلا بد من رحيل الاحتلال وتحمل العراقيين مسؤوليات بلدهم كأي شعب من شعوب العالم لا تخيفهم التوقعات والاحتمالات التي يثيرها الاحتلال ومن رضي العيش بكنفه.

* ماذا بشأن وحدة فصائل المقاومة؟ لدينا العديد من الفصائل، وثلاث جبهات على الأقل. هل هناك تنسيق فيما بينها؟ هل هناك تعاون ميداني؟ ما الذي يحول دون تشكيل هيئة تنسيق عليا، على الأقل لتنسيق الجهود ميدانيا فيما بينها؟ هل لعبتم دورا في الاتجاه الرامي الى وحدة هذه الفصائل؟ لا شك ان هناك خلافات عقائدية وسياسية فيما بينها، ولكن ألا يفترض بمواجهة العدو الواحد ان تشكل أرضية للتلاقي، وتأجيل الخلافات الى ما بعد التحرير؟

الشيخ الضاري: يوجد منذ عام او يزيد سعي لدى عدد من فصائل المقاومة ومؤيديها الى توحيدها وجمع ما يمكن جمعه من فصائلها وقد مرت هذه المسائل بمراحل من التقدم والتراجع بسبب الظروف المحيطة بها ولما هي عليه من تفاوت في الافكار وفي الظروف الحالية والمستقبلية للصراع مع العدو، وكذلك في الاهداف المستفادة نسبيا بينها، ومع ذلك فقد انتجت المساعي بروز تجمعين للفصائل الوطنية والاسلامية كما ذكرت وبقيت فصائل خارج هذين التجمعين قد تلحق بها اذا انجحت تجربتها وادت الدور المطلوب منها.

اما دورنا في العمل على وحدة الفصائل فقد كنا اول الداعين لوحدة هذه الفصائل وتعاونها من السنة الاولى لانطلاقتها الميمونة، وكنا نتمنى ان تكون هذه الوحدة بمثابه مجلس تفاهم او تنسيق يجمع هذه الفصائل المؤثرة والرئيسية منها على الاقل التي كان لها دور بارز في الساحة الجهادية، بحيث يشرف هذا المجلس على عمل المجاهدين يحدد لهم مسارات الجهاد والاهداف التي يسعون لتحقيقها وكيفية التعاون فيما بينهم والعلاقات المطلوبة فيما بينهم وبين ابناء شعبهم وغير ذلك مما هو ضروري لانجاح الجهاد وتحقيق الاهداف المطلوبة منه، ولا يتعدى ذلك الى ما يسمى بالوحدة الاندماجية التي قد تعرض الجهاد والمجاهدين الى مخاطر الاختراق والتطاول وغيرهما من المخاطر الاخرى المتوقعة، ولا سيما في هذه المرحلة التي كثر فيها السماسرة والمتساقطون.

* الولايات المتحدة تقول انها لا تريد الانسحاب لكي لا يقع العراق بيد تنظيم القاعدة. ما حجم نفوذ وفاعلية هذا التنظيم؟ وهل سيقع العراق بيديه فعلا لو انسحب الغزاة؟ وكيف ترون مستقبل وجود هذا التنظيم بعد التحرير؟ هل تجري فصائل المقاومة الوطنية والاسلامية الأخرى اتصالات تعاون مع هذا التنظيم؟ ام ان التنافس والاحتراب هو الشيء الأبرز؟

الشيخ الضاري: الولايات المتحدة (تبحث عن مبررات) لوجودها في العراق بملل. فاحيانا تقول: لا تخرج من العراق ما دام الارهاب موجودا فيه. واحيانا تقول: لا نخرج خوفا من ان تستغل ايران الفراغ الذي سيحدث بعد خروجنا وتبسط تفوذها في العراق. واحيانا اخرى، ولا سيما هذه الايام، تقول لا نخرج حتى لا يقع العراق بيد القاعدة، وهكذا فانها تتملل، كل يوم بملّه، وكأنها هي القدر الحامي للعراق وليس المدمر له الذي فتح عليه ابواب كل هذه الشرور التي يعاني منها اليوم.

ولذا نقول جازمين: ان العراق لا يقع الا بيد ابنائه الحريصين عليه وعلى وحدته وامنه واستقراره بعون الله تعالى، سيكون مستقبل هذا التنظيم، كغيره من التنظيمات المقاومة الأخرى. كما هو مستقبل غيرهم من العراقيين المقاومين والمعارضين للاحتلال من الشراكة في قيادة بلدهم وخدمته واعادة ابنائه واسعاد ابنائه، بعد المعاناة التي عانوها في ظل الاحتلال وخدمه.

وهذا ما ينبغي ان يكون عليه كل المخلصين من ابناء العراق وفي مقدمتهم مجاهدوه، ومن يفكر في غير هذا، فاعتقد انه سيكون في مواجهة كل العراقيين بعد التحرير. وليس من المصلحة لاحد، كائنا من كان كان، ان يخرج على اجماعهم بعد ذلك.

هذا ولا اعلم اذا كانت هناك اتصالات بين فصائل المقاومة او تعاون مع تنظيم القاعدة الان ام لا، ولا اظن انه يوجد تنافس او احتراب ظاهر بينهم الان، حتى ساعة الاجابة على هذه الاسئلة.

* ما هي الحقيقة وراء المسعى لعقد مؤتمر دمشق لاقامة ما زعم انه سيكون "الجبهة الوطنية والقومية والاسلامية"؟ لماذا انتهى الأمر الى الفشل؟

الشيخ الضاري: كان المسعى لعقد مؤتمر يضم القوى العراقية المعارضة للاحتلال مسعى حميدا، وكنا نتمناه ونؤيده ونتوقع منه ان يكون مؤتمرا جامعا لكل هذه القوى ومن مختلف الاطياف والمكونات للشعب العراقي، وفي أي بلد عربي يجوز شرف الموافقة على انعقاده على ارضه، ليعبر به العراقيون عن رفضهم للاحتلال والفيدرالية والتقسيم، ورفضهم للاعمال والممارسات التي تقوم بها قوات الاحتلال، وقوات الحكومة وميليشياتها المجرمة، وليبينوا للعالم موقفهم المعارض والرافض لكل ما يجري في العراق اليوم من خراب ودمار وفساد.

ولما اخبرني الاخ العزير فضيلة الشيخ جواد الخالصي بانه قد وافقت الحكومة السورية مشكورة على عقد هذا المؤتمر ودعاني لحضوره وافقت مباشرة وكان الوقت المحدد له هو يوما (7و6) من شهر 2007/7 وقد سافرت من عمان الى دمشق لحضوره وقبل حضوره ببضعة ايام، علمت بان هذين اليومين مخصصان للتحضير لانشاء جبهة للقوى الرافضة للاحتلال.

وقد طلب منا المشاركة في هذه الجبهة، وقلنا للاخوة المشاركين في هذه الاجتماعات نحن هيئة شرعية ولسنا حزبا ولا حركة سياسية حتى ننضم اليكم، ومع ذلك فاننا نشارككم في المؤتمر العام ونساندكم في كل الاعمال الوطنية الرافضة للاحتلال فوافقوا وبقينا ننتظر حضور المؤتمر الذي تقرر عقده في يوم 23/7/2007 وقبل هذا اليوم بيوم واحد ابلغت بتأجيل عقد المؤتمر وقيل في حينه: ان تأجيله يعود الى خلافات حصلت بين بعض الاطراف المشاركة فيه، وقد تكون هناك اسباب اخرى ساعدت على التأجيل، وقد ضاعت بالتأجيل فرصة لمظاهرة سياسية واعلامية كبيرة تجمع اكبر عدد من العراقيين المعارضين للاحتلال على مختلف انتماءاتهم السياسية والدينية والعشائرية، كان من الممكن ان تشكل ضغطا سياسيا واعلاميا كبيرا على الاحتلال وعملائه في بغداد في احلك ظروفهم التي كانوا يمرون بها.

* لدينا حكومة، وزعت مناصبها على أساس طائفي، وتقاسمت أحزابها الحصص على أساس طائفي، وبنت برلمانها على أساس طائفي، وتتخذ لنفسها مرجعيات على أساس طائفي، وتتبنى خطابا سياسيا وإعلاميا طائفيا، وتريد تقسيم العراق على أساس طائفي، وتقتسم عائدات نفطه على أساس طائفي، ومع ذلك فانها تلاحقك بتهمة "التحريض على الفتنة الطائفية"؟ كيف تفسر ذلك؟ أهي نكتة؟ أم تقية؟ أم انكم تُلاحقون على دوركم الوطني في مناهضة الاحتلال؟

الشيخ الضاري: لا شك انهم يلاحقوننا لدورنا في مناهضة الاحتلال وكشفنا لمخططاته وجرائمه بحق الشعب العراقي وجرائم عملائه. ولذا فانهم يلاحقون كل من يناهضهم ويناهض الاحتلال لانهم ربطوا انفسهم بالاحتلال وبنوا على وجوده كل مشاريعهم وامالهم الخائبة ولو كان السبب لملاحقتنا هو: التحريض على الفتنة كما ادعوا لما لاحقونا ولرحبوا بذلك لاننا سنعطيهم حينئذ غطاء لطائفيتهم وذريعة لتحقيق مشاريعهم ومشاريع اسيادهم وفي مقدمتها تقسيم العراق لا سمح الله بل هناك اطراف عديدة ارادت ان تجرنا الى الخطاب الطائفي اللعين لتبرير توجهاتها الطائفية المرفوضة شرعا وعقلا ووطنيا وحينما يئسوا جميعا لاحقونا باتهاماتهم ومذكراتهم الفاشلة بعون الله تعالى.

* إلى أي مدى تشعرون ان المشروع الطائفي للاحتلال ومليشيات عملائه نجح في تثبيت أقدامه على الأرض؟ أعني ألا تبدو التقسيمات الطائفية الحالية قوية بما يكفي لكي تصمد حتى بعد زوال الاحتلال؟ وهذا المد الطائفي، ألا يبدو وكأنه قد صار له زخم خاص قائم بذاته، بحيث لم يعد من السهل القضاء عليه بين ليلة وضحاها؟ وبالتالي، فان الحرب الأهلية قد تنشب بالفعل على أساس هذا الزخم؟

الشيخ الضاري: لا اعتقد ان المشروع الطائفي للاحتلال وميليشيات عملائه قد نجح في تثبيت أقدامه الى الان. واصحابه اليوم محبطون ومرتبكون اكثر من أي وقت مضى، لانهم مختلفون فيما بينهم على المناصب والغنائم، ولان الشارع الشيعي العروبي الشريف قد رفضهم وكشف نواياهم، ولان سيدهم بدأ يساوره الشك في ولائهم واخلاصهم له. وبعبارة ادق بدأ يشعر بولائهم لايران والتزام بتوجيهاتها اكثر منه اضافة الى انهم، وعلى الرغم من كل التطهير والقتل بخصومهم الوهميين، لم يستطيعوا السيطرة على بغداد التي كانوا يرون انها المنطلق لتقسيم العراق.

ولذا فانني اكثر ايمانا من أي وقت مضى بعدم امكانية تقسيم العراق، بعون الله تعالى. وعلى هذا وغيره، من المعطيات فانني استبعد نشوب حرب اهلية بين ابناء العراق لفشل دعاتها وانكشاف نواياهم الشريرة.

* هل لكم ان تقدموا لنا دلائل تكفي للقول ان المقاومة في العراق ليست مقاومة سنية وانما مقاومة وطنية شاملة وجامعة بالفعل؟

الشيخ الضاري: المقاومة في العراق سنية الانتماء في غالبها، ولكنها وكما اعلم عراقية الاهداف والتوجهات في غالبها ايضا، وهذا ما نعرفه منها عن كثب، ومن خلال الممارسات والمنطلقات التي تنطلق منها، والبيانات التي تصدر عنها، ومنها بيانات التجمعات الاخيرة التي تضم اغلب الفصائل المؤثرة في الساحة الجهادية العراقية، ومنها التنصيص على تحرير العراق، ووحدة العراق، والاعتراف بمشاركة كل القوى الرافضة للاحتلال، بشرف الدفاع عن العراق وتحريره وما الى ذلك، مما سيصلب المقاومة ومما سيجعلها عراقية وطنية شاملة، وما نشاهده اليوم من مظاهر مقاومة عراقية وطنية في الجنوب، ويوم تتبلور هذه المقاومة، وليس ذلك ببعيد ان شاء الله تعالى، سيتقاسم العراقيون جميعا شرف المقاومة كما تقاسمها اباؤهم واجدادهم في ثورة العشرين على المحتلين الانكليز.

* النفط والغاز. هل سيحقق الامريكيون طموحاتهم في هذا الباب؟ ماذا تقولون في هذا الشأن؟ وماذا تقول المقاومة؟ واذا صدر القانون ماذا سنفعل به في المستقبل؟

الشيخ الضاري: (القانون المزمع) قد يحقق طموحاتهم وقد لا يحققها. وهذا يتوقف على المعارضين للاحتلال ومقاومتهم في هذا الوقت، وعلى المخلصين من ابناء العراق بعد رحيل الاحتلال الذين يستطيعون ان يرفضوا كل القوانين والاتفاقيات التي تمس بسيادة العراق ووحدته وتعريض ثرواته للنهب والضياع، باعتبار انها قوانين واتفاقيات غير شرعية وغير قانونية تمت في ظل الاحتلال وتحت حرابه. وهذا ما نقوله في هذا الشأن، وهذا ما نعتقد ان تقوله المقاومة ايضا. والذي سنفعله في المستقبل اذا صدر القانون هو ما ذكرناه قريبا من ان العراقيين الاحرار سيرفضون كل القوانين والاتفاقيات التي وقعت وتقع في ظل الاحتلال طال الزمن ام قصر. ومن الاجدر بالامريكيين ان يبادروا بالخروج من العراق بالحوار وبالانسحاب على أساس جدول (زمني) وقد يتيح لهم التعامل مع العراقيين مستقبلا، مثل غيرهم من الدول الاخرى التي تخدم سيادتها امن واستقرار ابنائها.

• الولايات المتحدة تريد ان تدفع الأمم المتحدة للعب دور أكبر في العراق. كيف تنظرون الى هذا الدور؟ هل يبدو الأمر مجرد سعي للبحث عن غطاء دولي للاحتلال نفسه؟ أم ان الولايات المتحدة تريد ان تخفف عن نفسها الأعباء؟ أم انها تحاول البحث عن غطاء للفرار؟

الشيخ الضاري: الولايات المتحدة، امام الضغط الامني في العراق والشعبي في الولايات المتحدة نفسها، والدولي المطالب لها بنقل الموضوع العراقي الى الامم المتحدة، طالبت بقيام الامم المتحدة بلعب بدور اكبر في العراق على حد قولها، ولكنها قد حددت دور الامم المتحدة بما لا يزيد كثيرا على دورها السابق في العراق.

وهو يقوم في غالبه على الاستشارات في المجالات الاجتماعية والصحية والانسانية والمساعدة فيما يسمى بالمصالحة الوطنية المزعومة، وغير ذلك مما لا اثر له في تغيير مجريات الأمور المأساوية في العراق.

ولذا فمطالبة الولايات المتحدة بتوسيع دور الامم المتحدة في العراق لا يعدو ان يكون مجرد بحث عن غطاء دولي لما تفعله في العراق من تدمير وحرب ابادة وطمس لكيان وحرية بلد عضو في الامم المتحدة. ولا يعدو دور الامم المتحدة عن كونه (شهادة زور) على ما يجري في العراق.
* مسيرة التحرير بدأت منذ أولى أيام الغزو. فهل، بعد أربع سنوات، نحن نقترب من النهاية؟ من أين سنبدأ صفحة الحرية، إذا طويت صفحة الاحتلال؟ ما هو الشيء الأول الذي يجب على حكومة ما بعد الاحتلال ان تقوم به؟

الشيخ الضاري: تبدأ صفحة الحرية برحيل كل قوات الاحتلال بحيث لا يبقى لها اثر فيه، لا قواعد ولا معاهدات امنية من أي نوع. واول ما يجب ان تقوم به حكومة ما بعد الاحتلال هو العمل الجاد على المصالحة الوطنية الحقيقية ونسيان الماضي، ومن مقتضياتها: اصدار عفو عام عن السجناء والمعتقلين، وتشجيع روح العفو والتسامح والمودة، وتغليب روح المواطنة والتعاون والاصلاح بين ابناء شعبنا، والعمل السريع على اصلاح الوضع الاجتماعي والخدمي والمعاشي للناس، ثم التوجه لبناء الدولة والمؤسسات وحماية الثروة وتوجيهها الى وجهتها الصحيحة، وما الى ذلك من اولويات مستعجلة لا تقبل التأخير.

* أي عراق تريد ان يكون عراق المستقبل؟ كيف تتصوره؟ ما هي طبيعة نظامه؟

الشيخ الضاري: العراق الذي نريده هو العراق المحرر من كل تبعية للغير. الواحد ارضا وشعبا كما كان وكما اراد الله له ذلك من فجر التاريخ. المستقر الامن الذي يكون لابنائه دون سواهم ودون اقصاء لفئة من فئاته او تمييز لأحد على أحد باي سبب من الاسباب. العراق الذي يكون عامل امن واستقرار وتوازن في المنطقة. هذا ما نتمناه ونتصوره لعراق المستقبل، عراق ما بعد التحرير.

اما طبقية (هيكلية) النظام فيحدد شكلها الشعب العراقي بعد التحرير من خلال البرلمان، الذي ينتخبه بحرية ونزاهة، وبناء على ما يقره الدستور الذي يختاره الشعب من خلال ممثليه الحقيقيين، لا الدستور المسخ الذي وضعه الاحتلال والقوى المتنفذة في عصره، دستور الفتنة والتقسيم. ويشترط ان يحافظ (دستور المستقبل) على احترام عقيدة الامة وقيمها وتقاليدها وعلى هوية العراق ووحدته وثرواته، وعلى ان لا ينص فيه على ما يتعارض مع ذلك من قريب او بعيد.

* هل هذا العراق ممكن التحقيق فعلا..؟

الشيخ الضاري: اعتقد ان هذا العراق ممكن التحقيق فعلا، بعد التجربة المريرة التي تشربها العراق في عهد الاحتلال وعملائه وافهمت العراقيين اصحاب العلاقة الحقيقية بالعراق ان الذين تكلموا باسمهم وحكموهم في عهد الاحتلال الأسود كانوا أشد وطأة واكثر إجراما منه، وانهم لا يدينون للعراق بالولاء.

وان العراقيين بعد هذا التجربة لا بد لهم من التفاهم والتعايش معا كما كانوا سابقا، وانه ليس للعراق الا أهله وليس لهم الا العراق بعد ان تخلى عنهم في محنتهم الجميع. وساعتئذ سيفرح المؤمنون، والعراقيون بالذات، بنصر من الله تعالى لهم، وبالشرف والدين الذي تفضل عليهم به.


حوار/ علي الصراف

ميدل ايست اونلاين

أضف تعليق