خسائر أمريكا في حربيء العراق وأفغانستان تريليون، ونصف التريليون دولار، أي أن كل أسرة متوسطة، حسب التقرير، دفعت عشرين ألف دولار من دخلها الخاص، ولو حاولنا توزيع هذا المبلغ الهائل على قارة أفريقيا، لأقام بنية أساسية للطرق، والمطارات، والاتصالات وبناء الجامعات، ولنشأ في ظل هذا المشروع ارتفاع مستوى الأسرة، وقوة العمل، والاستثمارات المتعددة، وبناء هياكل زراعية وصناعية كبيرة..
ولو وجّه هذا المبلغ في وضع سلّم أولويات للنهوض بالاقتصاد العربي، وخاصة الدول التي تعاني ضائقة اقتصادية بسبب الحروب والكوارث، لاستطاعت أمريكا أن تضع أولى درجات سلّم الديمقراطية، ولأزالت عبارة "إنهم يكرهوننا" من الشوارع والطرقات ومحطات السكك الحديدية، والمطارات، ولأصبحت صديقاً وحليفاً مثلما فعلت لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أنشأت مشروع "مارشال" الذي أعاد إعمارها وجنبها السقوط في فخ الاتحاد السوفياتي المناهض لها..
عندما تترجم الأرقام الكبيرة في مصروفات حروب وتكاليف تديرها غرائز الساسة الحالمين بالامبراطوريات والهيمنة على العالم، تتحول الهزائم والخسائر العسكرية إلى مواجهة ليست مع القوى المحركة للاقتصاد والمستفيدة من الحروب بسبب صفقات صناعة الأسلحة وتمويل الجيوش، وإنما التساؤل يطال دافعي الضرائب من أصحاب الدخول المحدودة، وهم الرمز المكثف في محاكمة تلك الأسباب والتظاهر ضدها، وإدراجها ضمن محاسبة قانونية وأخلاقية لهذا الهدر المالي الذي يصنف بالجنون..
صحيح أن قوة الاقتصاد الأمريكي كبيرة، لا تتأثر مباشرة بمثل هذه الخسائر، لكن المشكلة هنا، ما هي العوائد التي تتكافأ من مصروفات نصف هذا المبلغ، إذا ماعرفنا أن البلدين اللذين تم غزوهما يعيشان أسوأ الحالات الأمنية، والاقتصادية، ثم إن الخسائر البشرية أمريكية كانت أو عراقية - أفغانية، تحولت إلى كوارث، والدليل أن سياسات الدول الكبرى ليست دائماً تُبنى على حقائق الواقع ومفاجآت المستقبل وتحولاته، ولعل ما حدث في تلك الحربين أن أمريكا لم تخسر فقط في الجانب المادي وإنما كسبت عداءً متصاعداً مع العالم كله، وأظهرت أن عقلية الراعي والقطيع ليست دائماً ناجحة لأنه مثلما هزمت التكنولوجيا، والاقتصاد المتقدم قوى شريرة مثل النازية والفاشية، كانت البربرية القبلية عند هولاكو وجنكيزخان، والفايكونغ التي دمرت أوروبا، وكذلك القبائل الصينية التي شُيد السور العظيم بسببها، تستنسخ نموذجها المعاصر من قبيلة، الآلة الحديثة للدمار الشامل، والقيادة العشائرية التي ترفع شعار الديمقراطية، وإصلاح الشعوب، ونشر القيم الأمريكية باسم تلك الهمجية، ولعل مسار التاريخ يظل متحركاً لكنه ثابت الأهداف فيما يتصل بسلامة الإنسان وقيمه وأخلاقه..
فأمريكا قامت على هجرات اغتصبت الأرض وأبادت الإنسان الأصلي لتلك القارة، ولا يعنيها في توسعها، أن تبقي على نفس المبادئ، لكن الظروف ربما تعاكسها، لأنها مثلما جعلت الحروب هدفاً ثابتاً في سياستها، واجهت معضلة مقاومة الدول الأضعف، ومن هنا خسرت حروبها في كوريا، وفيتنام والعراق وأفغانستان، وحتى مع البذخ الهائل في المصروفات، رأت أن المقاومة في الداخل الأمريكي، لا تقل شراسة عن مواقف ونضال الآخرين ضدها، وتلك هي الحقيقة التي لم تعد تراها أو تقبلها..
كلمة الرياض السعودية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
من دفع ثمن الحروب الأمريكية؟!-يوسف الكويليت
