هيئة علماء المسلمين في العراق

لحى وعمائم ومواقف متناقضة!!-ياسر الزعاترة
لحى وعمائم ومواقف متناقضة!!-ياسر الزعاترة لحى وعمائم ومواقف متناقضة!!-ياسر الزعاترة

لحى وعمائم ومواقف متناقضة!!-ياسر الزعاترة

يسألك الناس عن هذا المشهد السوريالي للساحة الإسلامية من ناحية الخلاف الذي يتجاوز حدود التناقض في بعض الأحيان ما بين أناس؛ الأصل أنهم يتبنون ذات المرجعية الفكرية، وبدأوا مشروعهم ضمن ذات الرؤية القائلة باستئناف الحياة الإسلامية، أو تحكيم الشريعة الإسلامية، أو إقامة الدولة الإسلامية، أو ما شابه من المترادفات. لا يتوقف الأمر عند حدود التناقض بين أصحاب المرجعية الإسلامية عموماً، بل يمتد ليشمل التناقض بين أبناء ذات المدرسة الفكرية الواحدة داخل المنظومة الإسلامية، فهنا ثمة من ينتمون إلى المدرسة السلفية ويوغلون في دماء الناس كما وقع في الجزائر وسواها، وكما يقع الآن في عمليات معروفة في أكثر من مكان، وهناك من بينهم من يوالون الحاكم حتى لو نصّبه الغزاة ما دام يأذن بالصلاة، مع أن الصهاينة لا يمنعون الناس من الصلاة، فضلاً عن «الدول الصليبية»، كما ستجد من بينهم أيضاً من يتبنون رؤىً معتدلة على الصعيد السياسي، فيما يجاهدون في سبيل الله ضمن بوصلة شرعية وسياسية صائبة.

كمثال آخر، هناك من بين التيارات ذات المرجعية الإخوانية من يتحالفون معه السلطة كما يفعل إخوان الجزائر، وهناك منهم من يملأون السجون كما في مصر، وهناك من يراوحون بين ذلك، ثم تكتمل دائرة الإثارة حين تجد من بينهم من انخرطوا في عملية سياسية في ظل الاحتلال، كما هو حال إخوان العراق، أو فريق منهم بتعبير أدق، لأن هناك منهم من يرفعون شعار المقاومة ويمارسونها بكل جرأة وشجاعة.

في الساحة الشيعية يبدو المشهد أكثر بؤساً، إذ هناك من يقفون في مواجهة العدو الصهيوني والأمريكي كما هو حال حزب الله، وهناك من يبايعونه كما يحدث في العراق الذي نتابع فيه ألواناً أخرى من الخيارات السياسية للقوى الشيعية ينحاز بعضها لقوى المقاومة، وكلهم للمفارقة يقدسون الحسين الشهيد ويلطمون في ذكراه ويلعنون يزيد ومعاوية، فأين هي الصلة الواقعية بين من يوالون المحتل وبين الحسين ورمزية شهادته؟!

في تفسير هذه الحالة يمكن القول أن المأساة تبدأ من هذه الدولة القطرية التي ترسخت في واقعنا السياسي على نحو يصعب تجاوزه، الأمر الذي ترك آثاره في واقع الحركات وساهم في خلق الكثير من التناقضات فيما بينها.

يضاف إلى واقع الدولة القطرية هذا الخلل في ميزان القوى مع الغرب الاستعماري ومع الدولة الحديثة المدججة بأدوات الأمن والقادرة على التلاعب بخيارات الأفراد والجماعات.
هناك أيضاً ذلك البعد الاجتماعي التاريخي المتعلق بالقدرة التي تملكها السياسة والمصالح الفئوية في ميدان التمرد على الأديان والمذاهب والأفكار، وأمثلة ذلك لا تحصى، من انحياز إيران إلى أرمينيا ضد الشيعة الأذريين، إلى موقف شيعة الأحواز ضد إيران، إلى قتال حزب الله وأمل في التسعينيات، إلى موقف حزب الشيخ محفوظ نحناح الموالي للسلطة الجزائرية ضد جبهة الإنقاذ، إلى مواقف بعض فصائل الحركة الإسلامية الطاجيك والأوزبك ضد طالبان البشتونية، إضافة إلى مواقف بعض القوى البشتونية ذاتها ضد طالبان، وهذه المرة على أساس حزبي أو على أساس مصلحة شخصية لهذا القائد أو ذاك.

هناك بالطبع ذلك الاستخدام المتعسف للنصوص الشرعية من قبل كل فريق، إذ تؤخذ نصوص تتحدث عن وقائع بعينها، أو من النوع غير المتفق على صحته، فضلاً عن دلالته، ثم يجري تنزيلها على الواقع الجديد، مع العلم أن النصوص العامة للشرع لا تشير في المسائل السياسية إلى حل وحرمة بالمعنى الحرفي المتوافر في القضايا الأخلاقية، بقدر ما تشير إلى أن مناط الحكم هو ما إذا كان الموقف يحقق مصلحة المسلمين أم لا، وبالطبع إعمالاً لفقه المقاصد والموازنة بين المصالح والمفاسد.

هكذا تتوزع اللحى والعمائم في الحالة الإسلامية على مختلف المواقف، ومن أسف أنها جميعاً تتحدث عن مصالح الأمة، لكن مصلحة الأمة غالباً ما تتقزم لتغدو مصلحة القطر، ثم مصلحة العرق أو الطائفة، ثم مصلحة الحزب وصولاً إلى مصالح الأشخاص. وكل ذلك يضرب الأساس التوحيدي للحركات الإسلامية.

ربما كانت التناقضات الداخلية من النوع الذي يمكن استيعابه، لكن ما ينبغي أن يكون مرفوضاً، وترفضه جماهير الأمة بالفعل هو أي شكل من أشكال التعاون مع المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، لأن الحد الفاصل بين القوى المنتسبة إلى مشروع الأمة والأخرى الخارجة عليها هو شكل التعامل مع ذلك المشروع.

من فلسطين إلى العراق إلى أفغانستان ثمة صراع تاريخي تواجه من خلاله الأمة هجمة تريد إعادة تشكيل واقعها على مختلف الأصعدة، بما في ذلك هويتها، ولا مجال للتسامح مع ضبابية الموقف من هذا الصراع.

بقي أن نقول إن هذا التنوع في الحالة الإسلامية في ظل صحوة دينية عارمة يجعل مجرد الانتساب للإسلام غير كاف لتحديد الموقف من هذه الحركة أو تلك، بل لا بد بعد ذلك من قراءة خريطة مواقفها من قضايا الأمة الأساسية.

الإسلام يتحول مع الوقت إلى عنصر جامع للأمة بكل تلاوينها السياسية، خلافاً لما كان عليه في السابق، وهو أمر إيجابي في واقع الحال، لأن الأصل أن يخرج الانتساب إلى الإسلام من دائرة الخلاف، ليغدو تحديد الموقف من الناس والجماعات مرتبطاً باقتراب كل منها من قيمه الحقيقية وليس أشكاله الخارجية، وقيمه الحقيقية مرتبطة بدورها بمصالح عموم المسلمين، وليس فئة منهم فقط.


- الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق