راي القدس العربي
الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قام بزيارة خاطفة يوم امس الي تشاد، لا ليبحث تزويد هذه الدولة الافريقية بصفقات اسلحة، ولا للاستمتاع برحلة صيد او قنص في صحرائها، بل من اجل العودة بثلاثة من مواطنيه واربع مضيفات اسبانيات كانوا محتجزين بتهمة خطف اطفال ايتام لتبنيهم في فرنسا.
قضية احتجاز هؤلاء هزت اوروبا بأسرها، واصبح الافراج عنهم بمثابة مسألة وطنية، لان للمواطن قيمة بالغة الاهمية بالنسبة الي الحكومات الاوروبية، لان هذا المواطن يختارها عبر صناديق الاقتراع من اجل ان تخدمه وتخدم مصالحه، وتسهر علي راحته وامنه.
وهذه ليست المرة الاولي التي تجند فيها اوروبا كل طاقاتها وامكانياتها من اجل فك اسر رعاياها المحتجزين في دول العالم الثالث، والاسلامية منها علي وجه الخصوص. فقصة الممرضات البلغاريات اللواتي احتجزن في ليبيا بتهمة حقن اطفال بفيروس الايدز ما زالت ماثلة للاذهان. فقد وقفت جميع الدول الاوروبية الي جانب بلغاريا في هذه القضية، ومارست ضغوطا شرسة علي السلطات الليبية حتي تم انقاذهن، ليس من حكم الاعدام فقط وانما من الاعتقال ايضا.
والانتصار لحقوق المواطن وامنه وسلامته لم يعد محصورا في الاوروبيين زرق العيون فقط وحكوماتهم، فالاكوادور وهي دولة من دول العالم الثالث انتفضت بقضها وقضيضها لضمان معاقبة شاب اسباني تطاول بكلمات عنصرية ضد احدي فتياتها كانت تزور مدريد، وتدخل الرئيس الاكوادوري رافائيل كوريا شخصيا في هذه المسألة.
الامثلة عديدة، ويحتاج سردها، او بعضها الي معظم صفحات هذه الجريدة او اكثر، فكم مرة تدخلت الحكومات البريطانية والكندية للافراج عن رعاياها في سجون المملكة العربية السعودية او دول الخليج الاخري، بتهم تهريب المخدرات والقتل احيانا مثلما كان حال الممرضات اللواتي قتلن زميلتهن الاسترالية في مدينة الخبر في المنطقة الشرقية، وشاهدنا كيف تسابقت الدول الغربية لاجلاء رعاياها اثناء العدوان الاسرائيلي علي لبنان في الصيف قبل الماضي.
نسوق هذه الامثلة للتذكير بالقصور الفاضح لدي معظم الحكومات العربية تجاه رعاياها المحتجزين في سجون العالم ومعتقلاته، اللهم الا اذا كان هؤلاء من ابناء الاسر الحاكمة، في الدول الملكية او الجمهورية، فقد ذابت الفوارق، وانعدمت بين النموذجين في السنوات الاخيرة.
هناك المئات من المعتقلين العرب في السجون الاوروبية والامريكية لم تكلف السفارات العربية نفسها بزيارة هؤلاء، او توفير هيئة دفاع لتمثيلهم امام المحاكم، او الاتصال باسرهم للتعرف علي احوالها واحتياجاتها، سواء كان هؤلاء محتجزين بتهم الارهاب او بقضايا جنائية.
لم نسمع او نقرأ ان حاكما عربيا استقل طائرته الخاصة الي اوروبا او حتي دول العالم الثالث من اجل فك اسر احد مواطنيه المعتقل في احد السجون، وجميع الحكام العرب يملكون طائرات خاصة، بل واكثر من طائرة في معظم الاحيان.
ساركوزي قدم درسا للحكام العرب في كيفية احترام المواطن والسهر علي راحته، ووضع سلامته وامنه علي قمة اولوياته، ودون ان يمنن مواطنيه بمثل هذا العمل، ودون ان يصطفوا علي طول الشوارع تصفيقا له، وتقديرا لجهوده، لانه يقوم فقط بواجبه، وينفذ الشق المتعلق به كرئيس جمهورية في العقد الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
درس ساركوزي للزعماء العرب
