استقالة كارين هيوز وكيلة وزارة الخارجية الامريكية للدبلوماسية العامة، واحدي اكثر الشخصيات الامريكية قربا من الرئيس جورج دبليو بوش، هي دليل اضافي علي ان المعركة التي تخوضها الادارة لكسب عقول وقلوب العرب والمسلمين معركة لا يمكن كسبها.
السيدة هيوز تعتبر من اكبر العقول الامريكية في علم العلاقات العامة والاتصال الجماهيري، فقد عملت صحافية ومسؤولة اعلام في مكتب الرئيس بوش، وتصدرت حملتي انتخابه واعادة انتخابه رئيسا للجمهورية، ومع ذلك لم تستطع البقاء في مهمتها الجديدة غير عشرين شهرا، ودون ان تحقق اي نجاح يذكر علي صعيد تحسين الصورة الامريكية في العالم الاسلامي.
المشكلة ليست في السيدة هيوز او كفاءاتها العلمية، وانما في اصل الصورة التي جاءت من اجل تحسينها. فالاصل سيئ جدا، وملوث بالدماء، والنفاق، والحروب، والمجازر، والتعذيب والدمار، والغزو، والفسفور الابيض، والتطهير العرقي.
صورة امريكا سيئة لان الادارة الحالية فعلت كل ما يتناقض مع الدستور الامريكي، بل والتراث الامريكي في الديمقراطية ودعم الحريات، وحماية حقوق الانسان، ونصرة الضعفاء، ومحاربة الفساد.
ومن المفارقة ان الولايات المتحدة مكروهة ليس في العالم الاسلامي فقط، وانما في معظم انحاء العالم الثالث، بل وفي اقطار عديدة من اوروبا الغربية، مثل اليونان واسبانيا والمانيا وفرنسا وان بنسب متفاوتة. فقد كشفت احصاءات رسمية ان الغالبية الساحقة من اليونانيين يكرهون الامبراطورية الاعظم في العالم، واكثر من تسعين في المئة من الاسبان يشاطرون اليونانيين المشاعر نفسها.
اينما يذهب الرئيس الامريكي او المسؤولون في حكومته يجدون المظاهرات الصاخبة تنتظرهم وتندد بسياساتهم، حتي في الدول المفترض ان تكون من اقرب حلفائه مثل استراليا وبريطانيا.
فالرئيس الامريكي سيدخل التاريخ علي انه الرجل الذي مارست ادارته التعذيب في سجن ابو غريب العراقي بطريقة همجية، واقامت معتقل غوانتانامو في كوبا واحتجزت المئات فيه لاكثر من سبع سنوات دون محاكمة، وارسلت بعض المعتقلين الي دول عربية واوروبية قمعية لتعذيبهم واجبارهم علي الاعتراف بالانتماء الي تنظيم القاعدة وممارسة الارهاب.
امريكا مكروهة لانها تدعم الانظمة القمعية الاستبدادية الفاسدة في المنطقة العربية، وخاضت حربين ضد دولتين اسلاميتين اسفرتا عن مقتل مليون ونصف المليون في الاولي (العراق) وربع هذا الرقم تقريبا في افغانستان، وساندت وما زالت تساند حرب تطهير عرقي تمارسها الدولة العبرية في فلسطين المحتلة، حيث يوجد حاليا اكثر من ستة ملايين لاجئ في دول الشتات، وعمليات استيطان واسعة تنهب الاراضي، وحصار اقتصادي وانساني خانق ضد ابناء قطاع غزة والضفة الغربية. ففي القطاع اوصل هذا الحصار مليونا ونصف المليون فلسطيني الي المجاعة وانتشار الاوبئة وتدمير الاقتصاد، الثاني اما في الضفة الغربية فتحول الي اذلال يومي مقيت لمليونين ونصف المليون فلسطيني امام اكثر من 575 حاجزا عسكريا علي الاقل، ناهيك عن عمليات التوغل والاغتيالات وقصف بيوت الابرياء بالصواريخ.
السيدة هيوز كانت صادقة مع نفسها ومع رئيسها، وقررت ان تضع حدا لعذاباتها بعد ان ادركت صعوبة مهمتها، وقررت القفز من سفينة الادارة الغارقة في وحل التعذيب والنفاق والازدواجية وانتهاك حقوق الانسان. وربما ادركت ان مهمتها ستزداد صعوبة اذا ما قررت هذه الادارة الاقدام علي حرب جديدة وارتكاب مجازر جديدة في ايران.
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
صورة بشعة يستحيل اصلاحها -راي القدس العربي
