هيئة علماء المسلمين في العراق

\"ذروة هابرت\" ومؤامرة \"مثلث النفط\"-سعد محيو
\"ذروة هابرت\" ومؤامرة \"مثلث النفط\"-سعد محيو \

\"ذروة هابرت\" ومؤامرة \"مثلث النفط\"-سعد محيو

الأصح الآن، وبعد أن اقترب سعر البرميل من تجاوز حاجز المائة دولار، أن تعاد صيغة السؤال لتصبح: من المستفيد الأكبر من ارتفاع السعر؟ هل نلمّح هنا إلى وجود”مؤامرة” ما؟ أجل، وبقوة أيضاً. وهذا بسبب السوابق التآمرية العديدة التي رافقت التلاعب بأسعار البترول خلال نصف القرن المنصرم. فبعد الحرب العالمية الثانية، كان سعر النفط (بالنسبة للدول المصدرة للبترول) أقرب إلى سعر التراب، لأن هذه كانت مشيئة الشقيقات النفطية السبع. لكن، وقبل نحو سبعة أشهر من حرب أكتوبر/ تشرين الأول ،1973 كانت هذه الشقيقات نفسها تلتئم في إطار منظمة بيلدربرغ السرية التي تضم قادة المال والاقتصاد والسياسة في العالم، وتقرر بأن سعر النفط يجب أن يقفز 400 في المائة. وإذا ما تطلب الأمر إشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط، فليكن.

الآن، ثمة روائح شبيهة تكاد تزكم الأنوف. روائح تشير إلى أن وراء أكمة ارتفاع الأسعار ما وراءها، وأن المسألة لا تتعلق إلا جزئياً بعملية العرض والطلب، وربما ترتبط كلياً بتخطيطات استراتيجية عليا.

الأدلة؟

إنها متوافرة حين نتساءل عن المستفيد الحقيقي من ملامسة النفط لحاجز المائة دولار. نقول الحقيقي، لأن الدول المنتجة للنفط هي في الواقع المستفيد الوهمي منها. صحيح أن خزائنها ستمتلئ بالمزيد من الدولارات، لكن قيمة هذه الأخيرة في أدنى قيمتها هذه الأيام، من جهة، وجل هذه الدولارات سيعاد تدويرها إلى الغرب الأمريكي أساساً في صيغة شراء أسلحة أو تمويل حروب، من جهة ثانية. هذا إضافة إلى أن الوفرة المالية ستعرقل مجدداً كل جهود هذه الدول لإقامة قاعدة صناعية إنتاجية خاصة بها، وستبقيها في خانة البلدان المستهلكة والمستوردة للسلع.

المستفيد الحقيقي سيكون الشقيقات السبع التي تدير “المثلث النفطي” الدولي، الذي يدير بدوره النظام العالمي برمته.

قصة هذا المثلث بدأت مع الصعود الاقتصادي والصناعي لشرق آسيا (ولليابان تحديداً) في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تغذى أساساً من واردات النفط الشرق أوسطية الرخيصة. فخلال الحقبة 1974- ،1985 سجلت اليابان عجزاً تجارياً سنوياً قدره 17 مليار دولار مع الدول المنتجة للنفط في الخليج، وفائضاً تجارياً بقيمة 16 مليار دولار مع الدول الغربية. لكن أمريكا وأوروبا مولتا هذا العجز بتدفقات الأموال من الشرق الأوسط في شكل مبيعات الأسلحة والاستثمارات. وهذا ما خلق “مثلث النفط” بين شرق آسيا والشرق الأوسط والغرب، والذي كان في أساس النظام الإقتصادي العالمي منذ السبعينات.

هذا المثلث عزز تقسيم العمل الدولي الذي تطور منذ الخمسينات والستينات، والذي سيطر بموجبه الغرب الصناعي على الأسواق العالمية الخاصة بالأسلحة والخدمات المالية، فيما ركزت دول شرق آسيا على إنتاج السلع الصناعية المدنية.

بيد أن هذا الترتيب تعرّض في السنوات الأخيرة إلى تحديات جديدة أبرزها:

دخول ملياري صيني وهندي على خط استهلاك النفط؛ وزيادة اعتماد الغرب على الوقود الأحفوري. وتراجع الاستثمارات الغربية في بدائل الطاقة الأخرى، في وقت يقترب فيه إنتاج النفط مما يسمى “ذروة هابرت” (حين يبدأ إنتاج البترول غير القابل للتجديد هبوطه التاريخي).

وأخيراً، تحميل الرأي العام الغربي لدول أوبك، وبالتحديد لإيران، مسؤولية الأثمان الباهظة الجديدة لوقود المواصلات، الأمر الذي سيبرر لحكومات الغرب سياساتها التصعيدية في الشرق الأوسط، وصولاً حتى إلى إشعال حروب جديدة.

روائح المؤامرة وراء ارتفاع أسعار النفط، إذاً، حقيقية لا وهمية. وهي تتعزز من “الفوائد الكبرى” التي سيجنيها الغرب منها على المديين الأوسط والبعيد، برغم الآلام قصيرة الأمد. كيف؟


- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق