تدمير الأمم المتحدة - افتتاحية الخليج
هيمنت على المحافظين الجدد في الولايات المتحدة فكرة التخلص من الأمم المتحدة لأنها تمثل لهم كل ما يكرهون، فهي التي أصدرت قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية، وهي التي وقفت حائلاً ضد كثير من مشروعات القرارات الأمريكية، وهي التي اضطرت الإدارة الأمريكية لاستخدام “الفيتو” ضد العديد من مشروعات القرارات، والإدارات المتعاقبة هي التي كانت تنفرد مع “إسرائيل” في رفض ما كانت تجمع عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة من قرارات.
كما أن مجرد وجود الأمم المتحدة أمر يناقض ما ذهب إليه هؤلاء من وجوب انفراد الولايات المتحدة في إدارة شؤون العالم لأنها تملك القوة العسكرية المطلقة. لقد كانت تجاربهم في تجاهلها وبالاً عليهم. ودرجوا منذ فترة على استخدامها بما يقوض مصداقيتها، وبخاصة في ما يملونه على مجلس الأمن أو على الأمين العام للأمم المتحدة، وهم لا يأبهون إذا ما غاصت الأمم المتحدة في وحل السمعة السيئة ما دامت تحقق أغراضهم.
ولعل ما تناقلته الأخبار عن مشاورات تجريها الأمم المتحدة من أجل تسويق فكرة تدريس “الهولوكوست” هي إحدى المناورات الجديدة لتدمير الأمم المتحدة. فهي ستثير قلق معظم بلدان العالم، كما أنها سلاح ذو حدين ينبغي التعامل معه بالتعديل الذي يجب أن يحضر له بحملة إعلامية وسياسية ودبلوماسية عربية وإسلامية بالمشاركة مع بلدان أخرى ترغب في ذلك.
ولعل ثلاثة عناصر ينبغي أن تدخل في مثل هذا القرار. الأول، الانطلاق من الأبحاث “الإسرائيلية” التي كشفت عن المذابح التي اقترفتها المنظمات الصهيونية والكيان نفسه في فلسطين. وثانيها، فتح ملف الاستعمار الأوروبي الذي قاد إلى قتل عشرات الملايين من البشر في إفريقيا وآسيا من خلال الغزو والاستعباد، وكذلك محق الملايين من السكان الأصليين في القارتين الأمريكيتين. أما ثالثها، فهو ما جرى في جنوب شرق آسيا وما يجري حالياً في العراق على يد القوات الأمريكية.
في الحالات الثلاث كما في حالة “الهولوكوست” كان الجاني هو الغرب نفسه. وهو أمر لو عرض على بساط البحث العالمي للنقاش لأدركت البشرية كم هو منافق هذا الغرب الذي ما زالت الدماء تنساب من بين يديه في الوقت الذي يعظ بقية الأمم بالعفاف. كما أن التصدي بالرفض سيعتبر نجاحاً لمن هم خلف الموضوع لأنه يحرف النقاش إلى أن العرب والمسلمين يرفضون إدانة الجرائم الإنسانية. النجاح في المواجهة يكمن في مناقشة الأمر بعقلانية لكن ليس من وراء ستار وإنما بطنين كبير، فمن مصلحة العرب أن يدرس مع العالم أجمع الجرائم التي ارتكبت ضد البشرية حيث إنهم من ضحاياها، فهو كسب معنوي لهم وخسارة معنوية صافية للبلدان الغربية. مقدمو المشروع يأملون برفضه فقط، حتى يتخذوا من الرفض منصة أخلاقية يعظون العالم من فوقها. وينبغي تفويت الفرصة عليهم.
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
تدمير الأمم المتحدة - افتتاحية الخليج
