أردوغان الذي صرح لـ \"التايمز\" أنه ليس بحاجة لأخذ إذن من الإدارة الأمريكية لحماية بلاده وشعبه من الإرهاب سيما \"أنه قال للرئيس بوش أكثر من مرة إن موضوع الانفصاليين الأكراد في غاية الحساسية، دون أن يلمس أي نتائج\"،
وإن "مقالتي حزب العمال يتخفون وراء أمريكا والحكومة العراقية، وإنهم يقتلون الأتراك بأسلحة أمريكية"، يطرح تساؤلا كبيرا جداً حول مستقبل العلاقات بين البلدين، وإذا ما كانت تلك التوترات على الحدود التركية العراقية قد تغير خريطة التحالفات السياسية في الشرق الأوسط أو تخلق محوراً جديداً على غرار "محور الشر" و"محور الاعتدال" حسب التصنيف الأمريكي طبعاً.
لغط كثير يدور حول مستقبل العلاقات التركية الأمريكية على خلفية التوترات الدامية في شمال كردستان العراق والتي تعكسها وتيرة التصاريح المتزايدة بين الولايات المتحدة من جانب وتركيا من جانب آخر، حتى يخيل للمتابع أنها معركة تصفية حساب، ليس بين تركيا وحزب العمال الكردستاني الموضوع على قائمة المنظمات الإرهابية في كل من الولايات المتحدة وتركيا، وإنما بين تركيا والولايات المتحدة تحديداً.
فالحوار الذي أجرته جريدة التايمز البريطانية بتاريخ 22/10/2007 مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يظهر بوضوح مدى الغيظ والغضب الذي ينتاب الساسة الأتراك بعد أن اجتاح الشارع التركي ضد الممارسات الأمريكية المتراكمة منذ ما يزيد عن ستة عشر عاماً أي تاريخ دخول الولايات المتحدة المنطقة بجيوشها وحتى اليوم وفي أكثر من ملف، بدءاً بملف الغزو الأمريكي للعراق وتوفير ملاذ آمن لحزب العمال الكردستاني وفشل في مواجهة القاعدة وتصدير الإرهاب للحدود الجنوبية لتركيا.
أردوغان الذي صرح لـ "التايمز" أنه ليس بحاجة لأخذ إذن من الإدارة الأمريكية لحماية بلاده وشعبه من الإرهاب سيما "أنه قال للرئيس بوش أكثر من مرة إن موضوع الانفصاليين الأكراد في غاية الحساسية، دون أن يلمس أي نتائج"، وإن "مقالتي حزب العمال يتخفون وراء أمريكا والحكومة العراقية، وإنهم يقتلون الأتراك بأسلحة أمريكية"، يطرح تساؤل كبير جداً حول مستقبل العلاقات بين البلدين، وإذا ما كانت تلك التوترات على الحدود التركية العراقية قد تغير خريطة التحالفات السياسية في الشرق الأوسط أو تخلق محوراً جديداً على غرار "محور الشر" و"محور الاعتدال" حسب التصنيف الأمريكي طبعاً.
ما يعزز هذا الاحتمال إن الولايات المتحدة نفسها بدأت تشعر وبشكل جدي بخطر يتهدد طبيعة العلاقات بين البلدين وها هي تبحث -حسب ما سرب أحد قادتها العسكريين في المنطقة- عن موقع جديد خارج الحدود التركية لقاعدتها العسكرية الحيوية جداً والمتواجدة حالياً في "أنجرليك" التركية والتي تلعب دوراً مهماً في الدعم اللوجستي الذي تقدمه للقوات الأمريكية الموجودة في المنطقة.
الأخطاء الأمريكية والندم التركي:
يقول النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية في "السي أي إيه" "غراهام فولر" في مقال نشرته بعض الصحف: إن التأزم في العلاقات بين البلدين ليس مستجداً مع مشروع قانون الإبادة الجماعية التي صوت عليه الكونغرس الأمريكي وبدعم من كلا الحزبين بل يعود لـ "سياسات واشنطن لا تتطابق لا من قريب ولا من بعيد مع مصالح السياسة الخارجية التركية في ميادين شتى، ولا يمكن لأي قدر من الحوار أو الجهد الدبلوماسي أن يغطي على هذا الواقع أو يغير منه". ويعدد "فولر" الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية بحق تركيا منذ 16 عاماً بداية بالشأن الكردي، حيث كانت السياسة الأميركية تجاه العراق على مدار الستة عشر عاماً الماضية ذات نتائج كارثية على تركيا. ثم بشأن الإرهاب، حيث تسببت السياسات الأميركية في الشرق الأوسط في تحريض العنف والتطرف عبر المنطقة وأتت بالقاعدة إلى عتبات تركيا".
ثم إن تركيا التي كانت تتوجه للاندماج في الاتحاد الأوروبي قاطعة شوطاً في الإصلاح السياسي ومبتعدة عن التدخل في الملف العراقي سيما أنها صوّت مجلس نوابها الإسلامي في عام 2003 على إغلاق حدودها في وجه القوات الأمركية الغازية للعراق، بدأت اليوم تعض أناملها ندماً، وتحول الملف العراقي في سلم أولوياتها ليصبح الأهم حالياً. وهذا ما عبّر عنه أردوغان في أكثر من تصريح صحافي له، وقد وافقه على ذلك "حلمي أوزكوك"، الذي كان رئيساً للأركان مع بدء الحرب بقوله: "لو شاركت تركيا في الغزو، فإن الحدود الدولية لم تكن لتتغيّـر ولم يكن الجيش التركي سيشارك في المعارك، لكن كان سيتشكّـل حزام أمني جنوب الحدود داخل العراق، حيث يتم التصدّي لحزب العمال الكردستاني، لكن هذه الفرصة فُـوّتت". الأمر الذي أخرج تركيا من المعادلة العراقية وهي لا تزال حتى الآن تُـجرجر ذيول التغيّـرات في الوضع العراقي، ولا سيما نشوء فدرالية كردية في الشمال ما سيؤدي إلى تحريك النزعة الانفصالية لدى الأكراد في كل من سوريا وإيران وتركيا، وبمباركة أمريكية طبعاً.
وقد جاء سماح البرلمان التركي الأربعاء الماضي للجيش بالتوغل في إقليم كردستان شمال العراق ضد قواعد حزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يستخدم هذه المنطقة كقاعدة لشن هجمات على أهداف تركية عبر الحدود ليس عقب عمليات الغدر التي طالت الجيش التركي من قبل الانفاصاليين الأكراد فحسب، بل بعد أيام قليلة من مصادقة الكونغرس الأمريكي على قرار غير ملزم بتقسيم العراق، ضمناً ومن دون أن يسمها إلى ثلاثة كيانات، كردية وسُـنية وشيعية وهو ما تتخوف منه تركيا منذ سنين ويعتبر هاجسها الأكثر خطراً على كيانها السياسي.
وقد عبّر عن ذلك رئيس الأركان في الجيش التركي الجنرال "ياشار بويوك أنيت" عقب تصويت الكونغرس على التقسيم بالقول أن: "العراق قريب جداً من التقسيم. إن دولة فدرالية تنشأ في شمال العراق، ستشكل خطراً كبيراً على تركيا، إذ سيكون لهذه الدولة، إضافةً إلى البُعد السياسي، بعدٌ أمني يشكِّل خطراً من الدرجة الأولى على الجمهورية التركية، ستكون لهذه الدولة أبعاد سياسية وأمنية ونفسية، إن المكان الذي يتوجب تركيز تركيا أنظارها عليه، هو ما يتشكّـل في شمال العراق".
وكان قائد القوات البرية الجنرال "ايلكير باشبوغ" أبدى خشيته من أن تكون التطورات في شمال العراق اتخذت "أبعاداً تشكّـل تهديدات على مستقبل تركيا وأمنها، وقد تخلق نموذجاً لقسم من مواطنينا -أي الأكراد في تركيا-".
كما أن التصريحات الاستفزازية للجنرال الأمريكي "كارتر هام" جاءت لتزيد من منسوب الغضب التركي المتراكم على سياسية الولايات المتحدة حين صرّح نيابة عن العراقيين، من أن العراق ستدافع عن أراضيها بوجه أي اجتياح تركي لشمالها، وخصوصاً أن الجنرال نفسه متهم بتسريب الأسلحة المفقودة من الجيش الأمريكي في بغداد لمقاتلي حزب العمال الكردستاني والتي ظهرت فعاليتها بقوة خلال المواجهات التي دارت في اليومين الماضيين بين الجيش التركي ومقاتلي الحزب حيث قضى فيها ما يزيد عن 13 عسكري تركي وهو أمر لم يألفه الجيش التركي من حزب العمال سابقاً.
الورقة الكردية بيد الإدارة الأمريكية:
ما من شك أن الولايات المتحدة الأمركية تستعمل أكثر من ورقة بوجه الحكومة التركية رغم أن تركيا لا تصنف دولة معادية في أدبيات الإدارة الأمريكية، ولكن كما يبدو فإن الإدارة الأمريكية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد بنوون تفجير الشرق الأوسط برمته بغض النظر عن تصنيف دوله بين حليفة أو معادية أو متعاونة، وهذا ما يرجح صدقية تصريح الجنرال "ويسلي كلارك" القائد السابق لحلف شمال الأطلسي من أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش وضعت استراتيجية عسكرية منذ وصولها إلى السلطة عام 2000 تتضمن شن حروب ضد سبع دول في الشرق الأوسط لتغيير نظم الحكم القائمة فيها. وإلاّ كيف نفسر هذه السياسة الأمريكية المعادية لتركيا دون ادنى مبرر لها حيث أنها ومنذ احتلالها للعراق قضت على جماعة "أنصار الإسلام" التي كانت تتمركز بنفس الأماكن التي يتمركز بها حالياً حزب العمال في حين لم تقض على الأخير بحجة وعورة المناطق التي يختبئ فيها بل زادته تسليحاً وربما تدريباً، ثم لم تمنع الأكراد من تغيير ديموغرافية كركوك ولا من تبلور كيان كردي في الشمال فحسب، بل زادت من تأجيج النزعات المذهبية والعرقية.
الهدف من التصعيد الكردي؟
لعل ما سبق يحل لنا لغز "حزب العمال الكردستاني"، المدعوم علناً من قبل مسعود البرزاني الذي يستخدمهم كورقة للضغط على تركيا للموافقة على انضمام كركوك للإقليم، ومدعوم سراً من الإدارة الأمريكية، في استئناف قتاله للدولة التركية في ظل الحكومة الإسلامية التي تعهدت بحل مشكلة الأكراد سلمياً تماشياً مع السياسات الإصلاحية والانفتاحية التي تنتهجها في جميع المسارات والتي لاقت ترحاباً من قبل الأكراد مع الوعود التي قطعتها حكومة أردوغان لهم بحل مشكالهم عبر عدة خطوات عملية في طريق الإصلاحات القانونية والمشاريع التنموية، وهو ما دفع أكراد تركيا لإعطاء حزب العدالة والتنمية أصواتاً بنسبة أعلى مما أعطوه لحزب التجمع الديمقراطي المحسوب على الانفصاليين الأكراد خلال الانتخابات الأخيرة.
فالحزب على ما يبدو ليس حريصاً على حقوق الأكراد المشروعة بقدر حرصه على استهداف الدولة التركية أصلاً، ويبدو باستفزازه هذا تتقاطع مصالحه مع مصالح الإدارة الأمريكية في:
- ضرب مسيرة الديمقراطية في تركيا، التي تتوسع مع الإصلاحات الدستورية الجديدة.
- عرقلة مساعي تركيا في الاندماج بالاتحاد الأوروبي.
- إعادة البلاد إلى مناخ التوتير الذي لا تستفيد منه سوى الطبقة العسكرية وحزب العمال الكردستاني.
- استنزاف الجيش التركي في أي توغل وهو ما نوه إليه أردوغان الذي قال بأن سوابق العمليات العسكرية في شمال العراق لم تكن مشجعة ولا بد من تحليل الفائدة قبل الشروع بأية خطوة.
- دفع تركيا للاعتراف بكردستان العراق كدولة مستقلة من خلال الضغط عليها للحديث مع قيادات كردستان كرؤساء دولة، وهذا ما لمح إليه المتحدث باسم وزارة الخارجية "شون مكورماك" بقوله "إذا كان لديهما مشكلة، فإنهما يحتاجان للعمل معاً لحلها، وإنني لست واثقاً من أن التوغلات الانفرادية هي السبيل الصحيح أو الطريق لحل القضية".
- تشويه صورة حزب العدالة سياسياً بعد نجاحه اقتصادياً من خلال وضعه بين مطرقة الإرهاب الكردي وسندان مزايدة الجيش التركي له في حماية الوطن.
أوراق تركيا الإسلامية في وجه أمريكا:
السؤال الذي يبقى مطروحاً ما هي الأوراق التي يمكن لتركيا أن تلعبها في وجه الغطرسة الأمريكية في حال فضلت تركيا الابتعاد عن اللحاق بركب السياسات الأمريكية والانضمام للمحاور المعادية لها أو تأسيس محور جديد؟ ربما تكون الإجابة تنحصر في الأوراق التالية:
- دفع التركمان العراقيين للمطالبة بكيان مستقل لهم في العراق على غرار الكيانات العرقية والمذهبية التي تتشكل في حال تم تقسيم العراق.
- دعم المقاومة العراقية السنية على غرار دعم إيران للفصائل الشيعية، وهذا ما ينتظره السنة العراقيين.
- إغلاق قاعدة إنجرليك العسكرية الأمريكية وقطع الدعم اللوجستي عن القوات الأمريكية في المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على هذه القاعدة.
- التوغل الدائم في شمال العراق والتكفل بملف الأكراد الإنفصاليين دون اللجوء للولايات المتحدة.
- إغلاق المعابر مع الحدود العراقية جنوباً وقطع شرايين الحياة في كردستان العراق خصوصاً إمدادات الكهرباء.
- التقارب أكثر مع إيران اقتصادياً عبر توقيع المزيد من الاتفاقات الاقتصادية التي تزداد يوماً بعد يوماً بين البلدين منذ مجيء الإسلاميين للحكم في تركيا.
- التقارب مع سوريا والتنسيق معها ومع إيران بخصوص الملف الكردي في المنطقة والذي تتخذ منه الولايات المتحدة ورقة حارقة في وجه كل الدول التي يوجد فيها أكراد.
لكن حتى اللحظة يبقى من المبكر الحكم ما إذا كانت الحكومة الإسلامية التركية ستلعب أوراقها مع الإدارة الأمريكية أم ستتعامل معها بغاية الحذر كما تعاملت مع الجيش والعلمانية التركية بسياسة النفس الطويل والتي برعت فيه أيما براعاة؟
* كاتب ومحلل سياسي لبناني.
• موقع "قاوم"
• المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها
مستقبل العلاقات التركية الأمريكية بعد اليوم؟ أ. محمد مصطفى علوش
