نشرت مجلة (لندن ريفيو أو بوكس) الأسبوع الماضي مقالاً للصحفي الأمريكي (جيم هولت) يعترف فيه بأن النفط كان على الأرجح هو السبب الرئيسي الذي دفع الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه دكّ تشيني إلى احتلال العراق رغم الورطة التي وقعت فيها أمريكا.
وقبل (هولت) قالها (جرينسبان) خبير أمريكا المالي. وبعبارة أخرى لا أسلحة دمار شامل ولا علاقات مع القاعدة ولا يورانيوم من النيجر. بل أكاذيب المتحضرين والمتمدنيين والديمقراطيين التي صارت اليوم مكشوفة لا يستحون منها أبداً.
ويقول (هولت): المعروف أنّ العراق فيه 115 بليون برميل من النفط ويتوقع أن يكون هناك 220 بليون برميل أخرى غير مكتشفة، والآبار النفطية المعروفة في العراق لا تتجاوز الألفين بينما في تكساس وحدها هناك مليون بئر.
وبحسابات بسيطة يستنتج (هولت) أن الجيش الأمريكي في العراق يحتل أرضاً تخفي تحتها 300 بليون برميل نفط أو ما قيمته التقريبية بأسعار اليوم 30 ترليون (30 ألف بليون) دولار أمريكي. وهذا يعني أن العراق المحرّر يمكن أن يعيش على نفطه لمدة 300 سنة حتى لو أنفق 100 بليون دولار في العام.
ويبدو أنّ الإدارة الأمريكية الحالية المقربة جداً من كبريات شركات النفط الاحتكارية العالمية قد استعملت هذه الأرقام للتوصل إلى استنتاج أنّ أمريكا يجب أن تغزو العراق الضعيف المحاصر الذي دمرته أمريكا في حرب عام 1991. من هنا يذهب (هولت) إلى الاستنتاج بأنّ الإدارة الأمريكية لا تعتقد أنها تخسر في العراق كثيراً. فيقول: حتى لو افترضنا أنّ خسائر الحرب في العراق وصلت إلى ترليون دولار حسب بعض التقديرات فجورج بوش يعتبر نفسه رابحاً لأنّ جيشه يجلس على ثروة تقدر ب 30 مرة بقدر تلك الخسائر. ويضيف أنّ هذا الأمر هو الذي دفع الجيش الأمريكي إلى بناء خمس قواعد كبرى في العراق.
لكن (جيم هولت) وغيره من الكتاب والمحللين الأمريكان يتحدثون عن أمريكا وكأنها قوة خارقة فوق مستوى البشر ويسترسلون بالإطراء على دهاء وذكاء قياداتها ومخططاتها للاستيلاء والنهب وغير ذلك وكأنّ الأرض التي يحتلونها هي أرض قاحلة معزولة عن العالم لا تحتوي على شيء سوى النفط.
هذا التكابر الأمريكي الفارغ يخفي وراءه شعوراً بالخوف من المستقبل المجهول الذي ينتظر أمريكا بعد خسارة حرب العراق. في العراق شعب مقاوم من 27 مليون إنسان وخلفهم حضارة عريقة تمتد 6 آلاف سنة في عمق التاريخ، تشهد عليها ما سرقته أمريكا في خضّم هذه الحرب من شواهد حضارية وكأنها تريد أن تقول للعالم ليس في العراق حضارة، بل وكما قال عنها دونالد رامسفيلد وزير دفاع أمريكا إلى فترة قريبة "أنها بضعة أوعية فخارية قديمة".
ولكن هذا التفاخر والتكابر الفارغ حالة نفسية لا تجدي نفعاً لقوة عالمية تخسر يومياً ليس في الأموال والمعدات والجنود وحسب، لكنها تخسر أيضاً في الموقع العالمي والنفوذ وتفقد هيبتها أمام أصغر وأفقر دول العالم. قوة عظمى خسرت الحرب في الفلوجة الصغيرة المقاومة رغم الدمار والقتل. قوة عظمى فشلت أمام شباب الأنبار الأبرار فراحت تتوسل بلصوص "الصحوة" لإنقاذها. والأمثلة كثيرة من (أم قصر) والبصرة وكل محافظات العراق المقاوم. وبكلمة أخرى أمريكا حضارة سادت وفي طريقها لأن تبيد. وتعلمنا صفحات التاريخ أنّ الحضارات ترتفع بقوتها وجبروتها والثروات التي تجنيها ثم تسقط بسقوط تلك القوة والجبروت وزوال هيبتها والمال حتى تنهار أمام أضعف القوى الصاعدة... وفي منطقتنا هكذا سقطت امبراطورية فارس أمام مقاتلي دين محمد القادمون من جزيرة العرب قبل 1400 عام. وهكذا سقطت في أوربا الإمبراطوية الرومانية العظمى في القرن الخامس الميلادي أمام زحف القبائل الجرمانية المتوحشة القادمة من الشمال. وهكذا انهزمت الإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس في الشرق الاقصى والهند وأخيراً أرض العرب في عدن قبل أربعين عاماً. وهكذا ستسقط أمريكا تاركة المسرح الدولي لقوة عظمى جديدة صاعدة. فلا خير في كلام فارغ عن امتلاك نفط العراق لقرون قادمة. على أمريكا أن تخرج اليوم من المأزق أولاً.
أيها الأمريكان يجب أن تصحوا من خدركم فقد أفل نجمكم وذهب بريق قوتكم على يد مقاومة شعب العراق التي تدافع دفاع الأسود الكاسرة عن وطنها وتاريخها وحضارتها ودينها وشعبها... ولن تهزمها أية قوة على الأرض مهما استعملت من أسلحة وتقنيات الموت. يقاوم العراقيون بأبسط أسلحتهم ? العبوة الناسفة ? التي اعترف قادة جيش العدو الأمريكي بسطوتها وتفوقها على جيشهم وأسلحتهم "الذكية" و "الصدمة والرعب". وما أسهل وأبسط وأرخص هذه العبوة المباركة.
أما النفط العراقي، فسيبقى في أرض العراق ثروة شعب العراق الأزلية التي منحها الله لهم، ولن تنالوا منها شيئاً مهما حاولتم من تثبيط همم رجال العراق بمخططات التقسيم والقواعد الأزلية ونهب ثروات البلاد. لن تنالوا منها شيئاً وستخرجون مدحورين تجرجرون أذيال الهزيمة إن شاء الله عاجلاً أم آجلاً.
أبو محمد المقدادي
موقع مجلة (لندن ريفيو أوف بوكس) حيث نشر مقال (جيم هولت).
الكل يعترف اليوم: النفط هو السبب
