خطوة نحو الانسحاب .... جعفر محمد أحمد
مثَّل انسحاب القوات البريطانية من موقعها في القصر الرئاسي بمدينة البصرة جنوب العراق مؤخراً، ومن ثم إعلان رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون قبل ثلاثة أيام، خفض عديد القوات البريطانية العاملة في العراق إلى النصف ابتداء من ربيع ،2008 مؤشراً إلى خطوات بريطانية لاحقة ألمحت إليها لندن مرات عدة، تنتهي بالانسحاب الكامل من العراق، حتى لو تسبب ذلك في توتير الأجواء مع واشنطن التي بدأت تحس بخسارة أبرز حلفائها في غزو العراق.
هذه الخطوات المتلاحقة تؤكد أن بريطانيا بدأت فعلاً تغيير رؤيتها في دورها ومهمتها في العراق منذ تولي براون رئاسة الحكومة خلفاً لرئيس الوزراء السابق توني بلير الذي طالما كان الحليف الأوثق للرئيس الأمريكي جورج بوش المتورط حتى أخمص قدميه في مستنقع العراق، والآن يجد نفسه وحيداً بعد إعلان براون أن دور القوات البريطانية سيتحول من “خوض المعركة” إلى مراقبة الوضع عن كثب.
براون مهّد بإعلانه خفض القوات لخطوة لاحقة قد يتم اتخاذها بعد الربيع المقبل، وقبل نهاية العام ،2008 وليس من المستبعد أن يتم خلالها سحب كامل القوات البريطانية من العراق، لا سيما أن دورها أصبح الآن أشبه بالرمزي، بعد أن فض رحيل بلير فعلياً الشراكة التي كانت قائمة بين واشنطن ولندن، حتى إن ظلت قائمة ظاهرياً. من الواضح ان براون استند في قراره الى اعتراف رئيس أركان الجيش البريطاني السير جوك ستيروب بفشل قواته في المساهمة في تحقيق الأمن في جنوب العراق، وإعطاء الشعب البريطاني آمالاً خاطئة، وتضخيماً لما كان يمكن أن يقوم به الجيش البريطاني هناك.
الإعلان البريطاني عن خفض القوات إلى النصف في العراق، هو بلا شك رسالة إلى الولايات المتحدة، يفهم منها أن المستقبل القريب سيفرض على واشنطن أن تعطي قدر ما تأخذ، وأن الوقت قد حان لكي تخطو خطوة نحو الانسحاب بعد أن أظهرت الأيام والحقائق على أرض الواقع أن الوجود الأجنبي في العراق ليس في مصلحة أحد، حيث الخسائر تطال الجميع، وأثبتت أن الخلاص الوحيد من هذا المأزق هو البدء في الانسحاب التدريجي الذي يحظى بتأييد شعبي داخل أمريكا والعالم كله.
الخطوة البريطانية رغم وصف البعض لها ب”الهزيمة” أو الفشل، إلا أنها منطقية وصائبة، لأن احتلال أي بلد لا بد أن يزول وينتهي مهما طال الزمن، ونهايته الانسحاب طوعاً أو كرهاً، ويبدو أن براون فضّل التعجيل في هذا الاتجاه، وسيسجل له التاريخ صوابية قراره، بعكس بوش المتمادي في الخطأ بالإصرار على البقاء لسنوات عدة في العراق متمسكاً بوهم الانتصار والديمقراطية المزعومة رغم أنه يدرك تماماً أن السلطة لن تدوم، وأنه ماض والذي يبقى هو التاريخ.
الخليج الاماراتية
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
خطوة نحو الانسحاب ..... جعفر محمد أحمد
