لا يحتاج رموز جبهة التوافق ، لا سيما من الحزب الإسلامي ، إلى مبرر كي يهاجموا الشيخ حارث الضاري ، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ، فهم منذ ظهوره كرمز من رموز العراق الكبار بعد الاحتلال وهم يتعمدون الإساءة إليه ، وإذا التقيت أحدهم هنا أو هناك فسيحتل الشيخ وهيئته جزءا لا بأس به من الجلسة (في سياق الهجاء بالطبع)،،
والحال أن سلوكاً كهذا لا ينبع سوى من الحسد السياسي ، فقد ساهمت مواقف الشيخ الجريئة ، والعاقلة في آن ، في فضح مواقفهم الخاطئة والسائرة في ركب المحتلين ، وعلى رأسها تشريع العملية السياسية في ظل الاحتلال ، ومن ثم حشر العرب السنة في دائرة الأقلية ، فضلاً عن جريمة تشريع دستور التقسيم ، وكل ذلك في سياق من دعوى النضال من أجل منح العرب السنة حقوقهم السياسية ، وكيف؟ من خلال المزايدة على القوى الشيعية في مغازلة الأمريكان.
الهجوم الأخير المعلن من قبل أولئك على الشيخ الضاري ليس الأول ولن يكون الأخير ، وما دام الرجل يقف شامخاً يمثل خيار رفض الاحتلال واستمرار مقاومته ، فسيواصلون حربهم العلنية والسرية عليه ، ومعهم جميع المتواطئين مع مشروع الاحتلال بمختلف أشكالهم ومسمياتهم. سبب الهجوم هو رفض الشيخ لتشكيلات ما يسمى بمجالس الصحوة التي صنعت على عين الاحتلال وبماله وسلاحه ، والتي تهدف إلى محاربة تنظيم القاعدة في العراق ، وتأكيده (أعني الشيخ) على أن 90 في المئة من أعضاء التنظيم عراقيون تنبغي محاورتهم لا محاربتهم لحساب الاحتلال.
لا خلاف على أن القاعدة في العراق قد ارتكبت الكثير من الأخطاء ، وجاء تأسيس ما يعرف بدولة العراق الإسلامية والإصرار على فرض قوانينها على الجميع ليعمق الخلاف بينها وبين قوى المقاومة والعشائر ، وما هامشية الشأن العراقي في تسجيلات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري الأخيرة وتجاهل "الدولة الإسلامية" هناك ، مقابل التركيز على الوضع الأفغاني سوى إشارة على ارتباك الموقف مما يجري تبعاً لانتقادات كثيرة وجهت لعمل التنظيم هناك. كل ذلك لا يقلل من أهمية دور التنظيم في إطلاق المقاومة وفي ضرب برنامج الاحتلال ، ولولا ذلك ما دفع الأمريكان كل هذا الوقت والجهد والمال من أجل مطاردته ، اللهم إلا إذا صدق البعض أن هدفهم هو نصرة العرب السنة ضد الشيعة ، وليس تجنب فشل مشروع الاحتلال الذي دفعوا من أجله مئات المليارات وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى،،
خلال المرحلة الأخيرة ، بدا واضحاً إدراك قادة القاعدة لحقيقة أن ما ارتكبوه من أخطاء قد أخذ يحرمهم من الحاضنة الشعبية في مناطق العرب السنة ، لكن الطرف الآخر ممثلاً فيما يعرف بمجالس الصحوة كان قد تورط بالتنسيق مع جبهة التوافق في التحالف مع الأمريكان ، ولم يعد بوسعه تغيير بوصلته ، بينما استعادت بعض قوى المقاومة التي تورطت في العمل ضد القاعدة توازنها فيما يبدو باستثناءات محدودة.
الآن ، يمكن القول إن تصريح الشيخ الضاري الذي لم يسلم سابقاً من انتقادات القاعدة هو دعوة لحقن دماء العرب السنة من أن تراق في حرب داخلية ، كما هو دعوة للحفاظ على المقاومة كمسار يحفظ مصلحة العراق والعراقيين ، لأن تحول الجهد في مناطق العرب السنة إلى الحرب على القاعدة لحساب الأمريكان سيؤدي إلى وقف المقاومة بعد تلاشي حاضنتها الشعبية.
لعل ذلك هو ما يريده بعض رموز "التوافق" ، لأن الأفضل برأيهم هو التعاون مع الاحتلال وانتظار عطاياه ، لاسيما بعد ضرب إيران ، أما الشيخ فيرفض الركون إلى المحتل ويصر على مقاومته ، والأيام وحدها ستثبت صواب رؤيته لمن التبست عليهم المواقف.
جريدة الدستور الاردنية
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط
هموم: حول هجمة «التوافق» على الشيخ الضاري ..ياسر الزعاترة
