بقلم : د . فهمي الفهداوي
مدير مركز الحكم الصالح للدراسات الإستراتيجية
أبناؤنا – فلذة أكبادنا ، يقبعون في السجون ...!
مَنْ يصدق ذلك .؟
أبناؤنا - فلذة أكبادنا ، منسيون بعيدا عن عيون الأهل يا خسارة ...!
بعض طلبة مدارس المتوسطة والإعدادية ، الذين غادروا قاعة الدرس وطريق العلم ، رغما عنهم وعن إرادة ذويهم ورفقتهم ومدراء مدارسهم والمعلمين والمجتمع ، هاهم ينامون وراء القضبان ، وكأنهم ليسوا صغارا ، وكأنهم ليسوا مستحقين للولاية عليهم في التصرفات والسلوكيات ...!
هيا .. إطلقوا سراحهم ولا تُحمّلوهم قبل أوان أعمارهم الخطايا المزيفة ، فهم ضحايا – ضحايا .
إنَّهم سجناء طلبة ، وبسطاء صادقون مرميون خارج مساحة الحضور في مدرسة الوطن ، وصغار محرومون هكذا بكل بساطة من توجيهات المحبّين والعائلة والأيادي البيض ، التي تحنو عليهم ، بالإشارة الهادية والكلمة الطيبة والحركة النبيلة .
فهم اليوم فتية مصابون بالحيرة والعتب والأسئلة ، التي تدين الجميع دون استثناء ، وتوجّه أصابع الإدانة ، لكل مَنْ له الحول والقوة ، الذي كفّ عن تخليصهم ممَّا هم عليه ، وتشاغل عن إنقاذهم أشهرا وسنوات ، من ظلم الدنيا والجائرين ، بمسائل أخرى ليس فيها خير ولا بركة .
تذكرت قول مظلوم : سأدعو ربّيَ كي يهبَ لظالمي ظلمي ...!
فلقد تراخى الجميع ، الحكومة والوزارات المعنية ورجال الدولة ورواد السياسة وعلماء الدين والجهد الإعلامي ،عن تفعيل دورهم الإنساني في هذا الجانب ، وأخفقت المنظمات والجهات التي تدعي انتسابها إلى المجتمع المدني وحقوق الإنسان ، مما أسهم في تطويل معاناة أناس قُصّر ، لم يبلغوا سنَّ الرشد بعدُ ، ولقوات الاحتلال الأمريكي الدور الأول في إمضاء مثل هذه الحالات السلبية ، التي تخدم مسيرتهم الاحتلالية ، بعيدا عن ضوابط المسئولية الأخلاقية .
أبناؤنا – فلذة أكبادنا ، مع شديد الأسف هاهم محشورون في زنازين ضيقة ، تكبس عليهم شهقات الأنفاس الخائرة بالتلوي والضياع والعزلة والتعذيب ، أبناء منكسرون وضحايا يؤكدون عمق الجراح ، التي اشرأبت بها حياة العراقيين ، مُذْ ادلهمَّت سماء العراق بالاحتلال الأمريكي الأسود .
لقد فرضت ظروف الاحتلال على العراقيين ، العيش في دوامة الطوفان ، والاهتزاز تحت شتى أنواع الفجائع ، والتأرجح المستمر في خضم المأساة اليومية ، وحتّمت عليهم أن يكونوا أمام الأزمات المفاجئة ، التي تلامس خبزهم اليومي ودفاتر أطفالهم وعكازات شيوخهم ، وأحلامهم في المستقبل .
فمن التحارب والبغضاء والصراع الطائفي والتهجير والقتل ، إلى الأمراض المتنوعة فالكوليرا ، والفساد الذي شق عنان الجيوب والخزائن ، وصولا إلى كلّ شيء قبيح ، شهده العراقيون من إنجازات الاحتلال ، هاهو التاريخ المعاصر يدون في صفحة أخرى مخزية ، صورة سجن الأحداث في منطقة ( الطوبجي ) .
لقد أثبتت معطيات السلوك العشوائي ، بأنَّ الجيش الأمريكي ، جيش منفوخ بالأشياء السطحية ، ولا يمتلك حسّ التعاملات الإنسانية أو الأخلاقية ، ليأذن هكذا يكل صفاقة القرار والشعور ، بشحط من مرَّت إرهاصات السياسات العنصرية الخاطئة إلى جوارهم ، لتعمل فيهم تغييبا وتعذيبا وانتهاكا ، وهؤلاء يتمثلون بشريحة طبيعية مهمة من شريحة الجيل العراقي المُعدّ للمستقبل ، فلذة أكبادنا ، الذين يفترض أن يكونوا مشمولين بحصانة الترتيبات الأمنية ، وبتأمين الحاجات المعنوية ، التي لا تمسُّ مشاعرهم وعزتهم وأنفتهم ، بأي شكل من الأشكال ومهما كانت الأسباب .
إنِّ تحصين الجيل من سيئات الاحتلال ومن آثاره الشاذة ، التي مع الأسف قد انعكست عبر سلوكيات البعض من شبابنا ، يُعدُّ عملاً مطلوبا وواجبا لازما على كلّ العراقيين ، ومن أول هذه ، ينبغي الوقوف إلى جانب أبنائنا العاجزين ، والعمل على تخليص الأحداث المسجونين ظلما وبغير حقّ ، ليعودوا إلى مقاعد الدراسة والقلم ، بعيدا عن تشوهات الرصاص الأعمى ، الذي حاول المحتل نشره بين العراقيين ، ليطعنوا أنفسهم بأيديهم ، ويدقوا بين فصيلة دمهم المتوحد ، إسفينا من التباعد والتطاحن والصراعات الداخلية الحارقة للجميع .
فأبناؤنا – فلذة أكبادنا ، أكل لحم أجسادهم الأسيّد والبرص والتدرُّن ، وهذا لا يليق بالسياسيين الجدد ، الذين يدَّعون كونهم كبارا ومؤتمنين ، ويسعون نحو خير العباد ، فهؤلاء ضحابا ينتظرون الفرج ، وأحوالهم المشينة على أعيننا ، توخز فينا وتلسع ضمائرنا ، ولا بُدَّ من التحرك العاجل لنجدتهم ، وإخراجهم من شؤم الأقفاص الظالمة ، إلى نور الله الفسيح في العلم والمعرفة ومواصلة الحياة ، وإلاّ فالجميع مشارك في الظلم ، وربَّما سيدعو المظلوم ربَّه كي يهبَ الظالم مثل ظلمهم ...!
واع
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
هيا .. إطلقوا سراح تلاميذ العراق من السجون ..!
