التهريب ينتعش في البصرة: الميليشيات والشرطة يختلفون في كل شيء ويتفقون على.. النفط
وجه تقرير الأزمة العراقية اصابع الاتهام الي الشرطة ومسؤولي الحكومة بلعب دور بانتعاش تهريب النفط الذي تمارسه العشائر وتشرف عليه جماعات الميليشيات في المدن الجنوبية من العراق.
وقال التقرير ان الجماعات الشيعية المتصارعة تقاسمت السيطرة علي ثروات المدينة، بما في ذلك الميناء الوحيد وحقول النفط الكبيرة، وفق اتفاق حذر قابل للانفجار في اي لحظة.
وتسيطر الميليشيات علي الصادرات غير القانونية من البصرة، التي تمثل بوابة الي ايران والي دول الخليج، حيث لها علاقات مع شبكات دولية.
وتشكو الشرطة البحرية من قلة الموارد والتجهيزات لالقاء القبض علي المهربين، الا ان البعض يتهم الشرطة بالتعاون مع عصابات المافيا لتهريب النفط.
ويقول بعض المسؤولين المحليين ان لديهم اوامر بعدم القاء القبض علي اعضاء العصابات لانهم مرتبطون بالسلطات وبالميليشيات.
ويلقي المحللون باللوم علي التهريب كونه وراء التضخم الذي تشهده البصرة ثاني اكبر مدينة في العراق حيث تشهد اسعار السلع ارتفاعا يوميا وحيث تتردي الظروف الحياتية لعدد كبير من السكان.
وينتج حقل الرميلة في جنوب البصرة ما يقرب من 1.6 مليون برميل يوميا، يخصص 400 ألف برميل للاستهلاك المحلي ويتم تصدير الباقي.
وتشجع الظروف في ظل غياب القانون علي تهريب كميات كبيرة من النفط الي دول الجوار الخليجية.
وبحسب الخبير النفطي الامريكي جيري كايسر، فان ايران تستفيد 300 ألف برميل مهرب اليها يوميا عبر الحدود في جنوب العراق.
وشاركت الاحزاب السياسية في البصرة في الانتخابات التي جرت عام 2005، وتمركزت القوات البريطانية هناك وساهمت بانشاء المؤسسات قبل تسليمها الي المدينة لتتم ادارتها محليا.
وبينما هناك ادارة شبحية او وهمية للحكم في البصرة تتمثل في المجلس المحلي وقوات الشرطة، الا ان المدينة تدار مباشرة من قبل الميليشيات التي تسيطر علي ثرواتها.
ويشرف حزب الفضيلة بقيادة رجل الدين الشيخ محمد اليعقوبي الذي يعتبر قائدا روحيا له، وكذلك محافظ البصرة محمد الوائلي علي قوات حماية انتاج النفط الحكومية وعلي البني التحتية لانتاج النفط وعلي محطات التصدير.
ويرأس الوائلي كذلك شركة نفط الجنوب الحكومية التي تدير شؤون النفط في المحافظات الجنوبية.
وتسيطر القوات التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدي الصدر علي الشرطة المحلية وعلي قوات حماية المنشآت وعلي سلطات ميناء البصرة.
ويسيطر الصدريون علي ميناء ابو فلوس الذي يعتبر المركز الرئيس لتصدير النفط الخام الذي يباع في السوق السوداء، بينما تسيطر جماعة حزب الفضيلة علي ميناء ابو الخصيب العميق الذي ترسو فيه السفن الكبيرة.
وتتعاون العشائر المحلية مع حزب الفضيلة الذي يوفر لهم الحماية مقابل دورهم في العملية.
وينكر عاصم جهاد المتحدث الرسمي لوزارة النفط حصول عمليات تهريب كبيرة في البصرة.
ولكنه يقر ان من بين الـ 1.6 مليون برميل يوميا التي تم تصديرها من العراق عبر الموانئ البصرية في شهر نيسان، فقد تم فقدان 100 ألف برميل يوميا والتي يصل ثمنها الي خمسة ملايين دولار.
ويعزو سبب ضياع تلك الكمية ليس الي التهريب بل الي الفقدان، مثل وجود المواد غير الضرورية مثل الماء والغاز التي يحتوي عليها النفط الخام والتي لا تدخل ضمن الكمية الكلية.
ومعظم الذين تم اللقاء بهم من اجل اعداد هذا التقرير قالوا انهم متورطون في عمليات تهريب النفط المعقدة التي تقوم بها العشائر والمسيطر عليها من قبل المليشيات.
وكانت عمليات تهريب النفط تتم حتي في زمن صدام. ففي التسعينيات وحين فرض الحصار الاقتصادي علي العراق من قبل الامم المتحدة، كانت شحنات النفط غير القانونية هي الطريق الاسهل لكسب النقود وكان التهريب موجودا رسميا.
وقال احد الذين يتعاطون التهريب نحن نستخدم نفس الطرق التي كنا نسنخدمها في زمن صدام. فبدلا من البعثيين والجنرالات، هناك الان الميليشيات الشيعية واتباعهم الذين يقومون بذلك العمل .
وتتم سرقة النفط من المستودعات بتسهيل من بعض الناس المؤثرين ومن خلال الهجمات علي انابيب النفط.
ويتم نقل النفط الخام والمصفي عبر انابيب بديلة او عبر شاحنات الي ميناء ابو الخصيب في الناحية الجنوبية من البصرة حيث قامت العشائر القوية ببناء مستودعات داخل الارض في حقولهم حيث يستخدمونها كمخازن مؤقتة الي ان يتم ضخ النفط بعوامات صغيرة.
ومن هناك، يتم اخذ النفط بكميات قليلة في قوارب سريعة الي الشاحنات الحكومية والخاصة التي تنتظر في صدر الخليج علي شبه جزيرة الفاو.
ويرسل النفط الخام، الذي يعتبر اكثر فائدة بالنسبة للمهرب من النفط المصفي، بتلك الطريقة الي المصافي في اليمن وفي الامارات العربية المتحدة والي الهند ايضا.
ويعتمد سعر النفط علي البعد الذي يحمله فيه المهرب الي المياه العميقة حيث يكون خطر الامساك به كبيرا.
وكل مرحلة من العملية تسيطر عليها احدي الميليشيات والشخصيات السياسية، من استخلاصه من المصافي والمحطات الي جلبه بامان عبر حرس الحدود وسفن البحرية.
وقال قبطان متخصص في عمليات التهريب يلزمك احد ليحميك. ويلزمك تأثير ايضا، والا فستقتل حالا .
واضاف ان خوف المهربين المحليين الاساسي هو ان يتم ايقافهم من قبل دوريات البحرية البريطانية لانه لا يمكن رشوتهم، بينما خفر السواحل الايرانية والبحرية العراقية مشتركون بالعملية.
وتقول قوات البحرية العراقية التي تجوب المياه العراقية الايرانية لشط العرب ان المهربين المحليين لهم ارتباطات بشبكات اقليمية ودولية.
ويشير العقيد احمد المالك مدير شرطة البحرية في منطقة ربيعة القريبة من شط العرب ان معظم قوته من الايرانيين وهناك شك حول من تقاتل الشرطة العراقية حقيقة اذن.
وبينما يتورط الايرانيون بعمليات التجارة المحظورة، فانه من الممكن ايضا ان يقوم المهربون بالدفع الي القوات الايرانية من اجل رفع العلم الايراني واستعماله كغطاء لعملياتهم.
ويندفع المهربون الي المياه الايرانية عندما تطاردهم خفر السواحل العراقية.
وتقع الشرطة العراقية في ورطة عند ملاحقتها للمهربين لان ذلك يعتبر خرقا للحدود الدولية الممتدة علي طول نصف شط العرب.
وفي السادس والعشرين من نيسان (ابريل) من هذا العام، تم اغتيال اثنين من الشرطة واسر سبعة اخرين عندما اصبحوا تحت مرمي النار لخفر السواحل الايرانية اثناء محاولتهم تعقب مهربي النفط في البحر.
وغالبا ما تحدث مثل تلك المواجهات في شط العرب الذي يصب في الخليج.
وقال المالك ليست هذه المرة الاولي التي يطلق علينا الايرانيون النار اثناء مطاردتنا لعصابات التهريب ويتسببون في خسائر مادية وبشرية لنا .
ويحس هو وزملاؤه بالاحباط من منعهم من ملاحقة واسر المهربين وكذلك من الخسائر بالارواح اتي تسببها تلك الحوادث.
واضاف لقد تغير عملنا منذ العام 2003، فبدلا من حماية الحدود ضد المتسللين الغرباء، صرنا نقوم بملاحقة شبكات التهريب العالمية. ومع ذلك لا زالت امكانياتنا ضعيفة .
ومعظم تجهيزات قوات البحرية تم تحطيمها او نهبها خلال غزو العراق في 2003 ولم يتم الي الان تعويضها.
واضاف المالك يستخدم المهربون قوارب ذات سرعة عالية، بينما نحن نمتلك قوارب لا تصلح لمطاردة العصابات .
وهناك طريقة اخري لتهريب النفط الخام من البلاد عن طريق الشاحنات الداخلة الي محطات النفط نفسها.
ويتم هذا عن طريق ملء السفن بكميات اكبر من الكميات المصرح بها في الوثائق المصاحبة لتلك السفن.
وهذا ممكن لان عدم توفر الاجهزة الالكترونية الحديثة يعني ان الحموله تقاس بمقياس يدعي الدارة وهو عبارة عن مسطرة طويلة يدخلونها في الشاحنة.
ويمثل المسؤولون بالمحطة كل الاحزاب والميليشيات التي تسيطر علي التحميل في الشاحنات.
ويقوم المساح المسؤول رسميا عن عملية التعبئة والسيطرة والتفتيش عن الشحنة باستلام رشوة ليدعها تمر علي انها قانونية وشرعية.
ويتهم اعضاء مركز البصرة لاعادة الاعمار، وهي منظمة غير حكومية انشئت عام 2006 للاستثمار في اعادة اعمار وتطوير البصرة، الشرطة بالتعاون مع العصابات الاجرامية التي تدير تجارة التهريب.
واعلن المركز الذي معظم اعضائه من المهندسين والباحثين والصحافيين والاقتصاديين أن هناك حوالي 50 حالة يتهمون فيها ضباطاً كباراً في الشرطة بتسهيل عمليات التهريب التي تقدر بــ50 مليون دولار خلال السنتين الماضيتين. وتم تعميم ذلك علي دوائر الشرطة في البصرة والي اقسام مكافحة التهريب. واصدرت مفوضية النزاهة، وهي مؤسسة تابعة للحكومة المركزية مسؤولة عن متابعة حالات الفساد الاداري، مذكرات اعتقال واحالت القضية الي المحكمة.
وفي الوقت نفسه، قام الصحافيون باجراء مقابلات مع بعض موظفي شركة نفط الجنوب والشرطة المحلية المشكوك بتورطهم بالفساد.
وقال مدير المركز زاهر عبد الخالق ان هويات المهربين معروفة وبامكان الشرطة القاء القبض عليهم ان ارادوا ذلك. وتساءل كل المهربين هم من الشخصيات المعروفة، ان لم يكن باستطاعة الشرطة مسكهم في عرض البحر، لماذا لا يمسكونهم علي الارض؟ .
ويقول المسؤولون المحليون انهم ممنوعون من ممارسة مثل تلك الاعتقالات الكبيرة بسبب علاقات مسؤوليهم السياسية.
وقال سهيل خضر الموظف في مكافحة التهريب نحن نعتقل المهربين الصغار، ونحن ممنوعون حتي من مراقبة العصابات الكبيرة حسب الاوامر الصادرة لدينا من اداراتنا. ان العصابات الكبيرة لها علاقات بالدوائر الحكومية وبالاحزاب .
وقال مصدر من داخل شركة الجنوب مشترطا عدم ذكر اسمه ان اللاعبين الكبار خلف عمليات تهريب النفط هم شخصيات مرتبطة بحزب الفضيلة، بالمجلس الاعلي الاسلامي العراقي، بالصدريين، وبالعشائر القريبة منهم مثل عشائر الرويمي واشور ويوسف.
ويعَدُّ تهريب الكاز والبنزين اسهل بكثير من تهريب النفط الخام الا انه اقل ربحا منه. وتسير هذه العملية باتجاهين وكلاهما من والي العراق.
والمصافي المدمرة وزيادة عدد السيارات في العراق قاد الي شحة كبيرة في الوقود، الذي يباع بسعر مدعوم بشكل كبيرمن الدولة.
وتقوم الدولة باستيراد النفط مقابل 65 سنتاً للتر الواحد وتبيعه للمستهلك بـ 25 سنتاً للتر الواحد.
وادي العجز والسعر المخفض للبنزين والكاز الي خلق السوق السوداء التي يغذيها المهربون. ففي داخل العراق تتم سرقة البنزين من المصافي ويهرب الي الخارج حيث يتم بيعه بسعر مربح.
وفي الوقت نفسه، يتم تهريب الوقود داخل العراق ويباع في السوق السوداء او الي الدولة العراقية باستعمال وثائق ومستندات مزورة.
وقال احد موظفي شركة نفط الجنوب بشرط عدم ذكر اسمه لاسباب تتعلق بسلامته السبب وراء شحة الوقود هو السرقة والتهريب. المسؤولون ايضا يزورون الكميات المستوردة .
وبحسب شركة نفط الجنوب، فان العراق يستورد اكثر من 10 ملايين لتر يوميا من الوقود والكاز والنفط الابيض من دول الجوار مثل ايران والكويت والعربية السعودية وتركيا. ويتم تحويل 10 او 20% من هذه الكمية لتباع في السوق السوداء. فعلي سبيل المثال ان بعض الكميات المخصصة للدوائر الحكومية يعاد بيعها بشكل غير قانوني.
واضافة الي ذلك، يتم جلب كميات اضافية من الوقود الي البلاد بواسطة المهربين، ويباع قسم منه في السوق السوداء، بينما تسجل الكميات الاخري علي انها استيراد قانوني بمستندات صحيحة ويباع الي الدولة. ويقول علي البهادلي احد سائقي الشاحنات الذي يعمل بالتهريب ان التزوير هو من مفردات الحياة اليومية.
واضاف العشرات من الشاحنات التي تدخل العراق هي وهمية، انها فقط مسجلة علي الورق .
وبينما يستمر تهريب نفط البصرة، تزداد الظروف الاقتصادية لسكانها سوءا.
وقال خليل السراجي استاذ الاقتصاد في جامعة البصرة ان التهريب يجفف الاقتصاد العراقي لان الدخل الضائع يخلق هوة بين ايرادات الثروة ويقلل المساحة في اعادة استثمار الصناعة النفطية.
واضاف السراجي اختفت اجزاء كبيرة من ثروتنا واقتصادنا وسط فراغ قانوني كانت الدولة غائبة فيه، سلطة القانون غائبة والمفسدون يشاركون السياسيين والميليشيات وعصابات التهريب. وادي ذلك الي تضخم كبير في المحافظات والي تردي ظروف المعيشة بالنسبة للعامة .
وارتفعت الاسعار بالنسبة للمستهلك، والرغيف الذي كان سعره 2 سنت قبل عامين صار سعره الان 10 سنتات.
يقول السراجي ان انخفاض مستويات المعيشة يقود بعض الناس الي اسفل درجات السلم في عمليات التهريب. واضاف يشجع الفقر واهمال الحكومة الشباب للانخراط في هذه المهنة كاسهل طريق لجمع المال. لكن المافيات الكبيرة سرعان ما تسيطر عليهم وتجبرهم اما علي العمل معهم او الموت .
القدس العربي
التهريب ينتعش في البصرة: الميليشيات والشرطة يختلفون في كل شيء ويتفقون على.. النفط
