رحيل الاحتلال ومسؤولية القوى الوطنية في العراق ... مسعود ضاهر
بعد الإعلان الرسمي عن بداية الانسحاب البريطاني من العراق، لم يعد بمقدور بوش ومن تبقى له من المحافظين الجدد طمأنة الأمريكيين بمستقبل زاهر لوجودهم في العراق. فقد تهاوت أغلبية القوى الداعمة للاحتلال الأمريكي، وفقد عدد من رؤساء الوزارة مراكزهم في إسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا ودول أخرى. وتدور معركة قاسية بين الحكومة اليابانية والمعارضة المنتصرة في الانتخابات النصفية لمجلس الشيوخ حول استمرار، أو توقف الدعم اللوجستي الياباني للقوات الأمريكية في العراق. وذلك يؤكد فقدان الإدارة الأمريكية لاحترام حكومات كثيرة كانت تعتبر ملحقة بها، أو تابعة لسياستها الشرق أوسطية.
وهنا تطرح تساؤلات منهجية حول الأسباب العميقة التي أدت إلى فقدان أمريكا لهيبتها وهي في أوج تطورها التكنولوجي، وذلك رغم كثافة التوظيف السنوي في موازنتها العسكرية التي تتجاوز بمفردها نصف موازنة التسلح السنوي في العالم.
في هذا المجال يقدم كتاب هيوبرت فيدرين “استمرار التاريخ” بعض خفايا المأزق الراهن لأزمة أمريكا في الشرق الأوسط. فهو دبلوماسي فرنسي عريق عمل لفترة ثلاثين سنة في الدبلوماسية، وقاد الخارجية الفرنسية خلال سنوات 1997 - ،2002 وعايش عن كثب صعود النزعة الانتقامية الأمريكية بعد تفجيرات سبتمبر/ أيلول ،2001 وشارك في التحضير للحملة الدولية على أفغانستان تحت راية الأمم المتحدة.
لكنه غادر العمل الدبلوماسي بعد تغييرات داخلية في فرنسا قبيل الاحتلال الأمريكي للعراق، تاركاً خلفه معارضة فرنسية قوية كان لها دور أساسي في إضعاف الهجوم الأمريكي هناك، وفي تشكيل جبهة معارضة عالمية واسعة أدت إلى مأزقه الراهن واقتراب نهايته الحتمية.
ينطلق تحليل فدرين في توصيف المأزق الأمريكي من أن المحافظين الجدد أعدوا الحملة العسكرية على العراق من دون موافقة الأمم المتحدة. وتعمدوا تحدي الدول المعترضة في الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا وغيرها. وبعد أن ساندتهم دول ملحقة بسياستهم الشرق أوسطية والتي أرسلت أعداداً محدودة من قواتها رغبة في إبقاء تحالفها الثابت معها، بدأ زعماء تلك الدول بالتساقط تباعا. وفي حين شعر الأمريكيون في البداية بنوع من الاكتفاء الذاتي بعد أن أحرزت قواتهم العسكرية المتحالفة مع الإنجليز انتصاراً سهلاً على النظام العراقي، بدأ مأزق الاحتلال يزداد حدة مع تزايد المقاومة العراقية، وتبخر الدعوة إلى نشر الديمقراطية في العراق وتعميمها على جميع دول المنطقة في إطار الشرق الأوسط الجديد. وقدمت سنوات الاحتلال الدليل القاطع على فشل المشروع الأمريكي بالكامل، مخلفاً وراءه كوارث بشرية واقتصادية وبيئية وثقافية نادراً ما حلت ببلد واحد وخلال فترة زمنية قصيرة.
ومن الأسباب العميقة التي أدت إلى فشل المشروع الأمريكي في العراق خضوع الدبلوماسية الأمريكية إلى توجيهات قوى عملت على تغليب مصالح التحالف الأمريكي “الإسرائيلي” على المصالح العليا للشعوب العربية من جهة، ولإضعاف العلاقات بين تلك الشعوب والشعب الأمريكي من جهة أخرى. وتوهم صقور الإدارة الأمريكية أن الشعوب العربية والإسلامية ستتقبل، طوعاً أو قسراً، ديمقراطية مفروضة من الخارج. لكن أخطر ما قامت به إدارة المحافظين الجدد أنها تجاهلت إرادة الشعوب في الدفاع عن حريتها، وهمشت دور الأمم المتحدة، لا بل خططت لإلغاء دورها الأساسي في حل النزاعات الدولية بالطرق الدبلوماسية.
نخلص إلى القول إن مازق الأمريكين في العراق، ومعه مأزق العراقيين والدول العربية، إلى ازدياد. فليس هناك ما يشير إلى قرب انتهاء المأساة العراقية في ظل غياب قيادات وطنية جامعة، وفي غياب أي مشروع عربي جدي لدى الدول العربية وجامعتها. وهذا ما شجع الأمريكيين، الذين توهموا أن الأعمال العسكرية وحدها كافية للتحكم بشعوب الشرق الأوسط “وإذاقتها طعم الديمقراطية بالقوة” بعد تجزئتها وفق مكوناتها الطائفية، وبما يخدم مصالح المشروع الصهيوني بالدرجة الأولى. وتوهم الأمريكيون و”الإسرائيليون” معاً أن التحالف مع الأنظمة العربية على حساب شعوبها يمكن أن يؤسس للسلام بعد خسارة الأرض وإدخال الجماهير الشعبية في حالة من اليأس والإحباط. ومع أن تلك الأوهام تبخرت بسبب وجود قوى عربية مقاومة للاحتلال، فإن استفحال التقسيمات المذهبية والقبلية والعرقية أفقد أغلبية القيادات العراقية احترام المواطن العراقي. علما أن بعضها يصنف في خانة القوى المعيقة لقيام عراق موحد، متحرر من الاحتلال، ولديه نظام سياسي وطني لا طائفي، وقادر على صيانة الوحدة العراقية بما تضمن بناء الدولة العراقية على قواعد ديمقراطية سليمة عمادها المواطنة والمساواة التامة بين العراقيين، بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية والقبلية الموروثة. لكن تحقيق تلك الأهداف رهن بتخلي الأمريكيين نهائياً عن مشروع الهيمنة على العالم بالقوة، وتبنيهم لسياسة عقلانية تتخلى عن الحلول العسكرية، ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
رحيل الاحتلال ومسؤولية القوى الوطنية في العراق ... مسعود ضاهر
