هيئة علماء المسلمين في العراق

حتى لا تمر أحداثُ رمضان دونَ موعظةٍ لعراقنا الجريح
حتى لا تمر أحداثُ رمضان دونَ موعظةٍ لعراقنا الجريح حتى لا تمر أحداثُ رمضان دونَ موعظةٍ لعراقنا الجريح

حتى لا تمر أحداثُ رمضان دونَ موعظةٍ لعراقنا الجريح

(( ذكرى بدر الخالدة : دروسٌ وعبرٌ )) حسين الرشيد تقدمة الموضوع :
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على نبينا وقائدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن من المتفق عليه عند علماء الإسلام أنَّ شهر رمضان المبارك يعدُّ من أعظم الشهور عند الله تعالى ، وقد احتوت أيامه على فضائل عظيمة ، ومزايا كبيرة ، وفُضّلت لياليه على جميع ليالي السنة الباقية .
ولا عجب في ذلك ؛ فقد احتوت أيامه على ذكريات الإسلام الخالدة التي دونت في صفحات سجل تاريخنا الحافل العظيم ، وفي إحدى لياليه الكريمة نزل أعظم دستور خالد عرفته الإنسانية ( القرآن الكريم ) ...
وإنني حيث لا أريد الإطالة في هذا الأمر ؛ لأنه واضحٌ لكل عارفٍ ومنصفٍ ؛ فإنني هنا أود التركيز على أهم الحوادث التي شهدتها حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة ؛ من أجل أن نأخذ منها الدروس والعبر مما ينفع واقع عراقنا الجريح ؛ حيث تتعرض بلاد الرافدين لأكبرِ انتكاسة عرفها تاريخ البشرية جمعاء في العصر الحديث ، في ظل الاحتلال الهمجي البغيض الذي تشهده البلاد ...
وأهم تلك الحوادث التي أود الإشارة إليها مما حدث في شهر رمضان المبارك ، هي : معركة بدر الكبرى الخالدة ، التي كانت نقطة الفصل بين الكفر والإيمان ... ونحن نفصل القول فيها حسب الآتي :
(1) نبذة موجزة عن المعركة الخالدة :
ذكر أهل الرواية والسير أنه بلغ النبي صلى الله عله وسلم والمسلمين تحرك قافلة تجارية كبيرة من الشام تحملُ أموالاً عظيمة لقريش يقودها أبو سفيان ، ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلاً فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بسبس بن عمرو لجمع المعلومات عن القافلة ، فلما عاد بسبس بالخبر اليقين ، ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج وقال لهم (( هذه عير قريش فيها أموالاً فاخرجوا إليها لعلَّّ الله يتفلكموها )) ، وكان خروجه من المدينة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة ، ومن المؤكد أنه حين خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة لم يكن في نيته قتال ، وإنما كان قصده عير قريش ، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة حالة حرب ، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة ، فكيف إذا علمنا أن جزءاً من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشية كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكة قد استولى عليها المشركون ظلماً وعدواناً .
وقد بلغ أبو سفيان خبر مسير النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى المدينة بقصد اعتراض  قافلته واحتوائها ، فبادر إلى تحول مسارها إلى طريق الساحل .. في نفس الوقت أرسل عمرو ابن ضمضم الغفاري إلى قريش يستنفرها لإنقاذ قافلتها وأموالها .. وحدث بعدها أن القافلة نجت ، وأن إصراراً من زعماء مكة على قتال النبي صلى الله عليه وسلم بعدها !! وهنا لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يستشير أصحابه في هذا الأمر الفاصل الذي يعدُّ نقطة تحول في تاريخ الإسلام ، إما انتصار ترتفع به راية الإسلام ، وإما – معاذ الله – خذلان تكسرُ من خلاله شوكة الإسلام والمسلمين ... وقد اقتنع جمهور المهاجرين من الصحابة بضرورة ملاقاة المشركين وهو الذي تجلى بقول المقداد بن الأسود رضي الله عنه ، فقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : شهدتُ من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إليَّ من ما عدل به ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين ، فقال : لا نقول كما قال قوم موسى (( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون )) ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرَّهُ . صحيح البخاري 7/287 .
وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول (( أشيروا عليَّ أيها الناس )) وكأنه يقصد بذلك الأنصار ؛ لأنهم غالبية جنده آنذاك ، وهنا يتجلى موقف الصحابي الجليل سعد ابن معاذ – وهو حاملُ لواء الأنصار – الذي أدرك مقصد النبي صلى الله عليه وسلم فنهض قائلاً : (( والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ، فقال سعد : لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامضِ يا رسول الله لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر في الحرب ، صدق عند اللقاء ، ولعلَّ الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر على بركة الله )) ، فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وقال : (( سيروا وأبشروا ؛ فإنَّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم )) .. وبعد ذلك قام صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه يستكشف أحوال جيش المشركين ، وبينما هما يتجولان في تلك المنطقة لقيا شيخاً من العرب فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جيش قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه من أخبارهم ، فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك ، فقال : أو ذاك بذاك ؟ قال : نعم .. وبعد أن أخبرهما بما أرادا ، قال لهما : ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله : (( نحن من ماء )) وانصرف هو وأبو بكر عن الشيخ ...
وبعد أن أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جمع معلوماتٍ كافية عن العدو ساروا مسرعين على بدرٍ ليسبقوا المشركين إلى ماء بدر ، وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه ، فنزل عند أدنى ماء من مياه بدر ، وهنا قام الحباب بن المنذر ، وقال : يا رسول الله ، أرأيت هذا  المنزل ، أمنـزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي ، والحرب ، والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، قال : يا رسول الله فإنَّ هذا ليس بمنزلٍ ، فانه يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم – جيش المشركين – فننزله ونغور ما وراءه من الآبار ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه ...
وجاء مشهدُ المعركة ، وكان أسلوب جيش المسلمين يعتمد على نظام رص الصف في المعركة  وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ، ويستغيث به ، كما في قوله تعالى : (( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين )) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبداً )) ، وما زال رسول الله يدعو حتى سقط رداؤه ، فأخذه أبو بكر رضي الله عنه ورده على منكبيه وهو يقول : يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك ... وفي رواية البخاري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عريشه وهو يقول (( سيهزمُ الجمع ويولون الدبر )) ، وقد أخذ رسول الله قبضة من التراب  ، وحصَبَ بها وجوه المشركين وقال (( شاهت الوجوه )) ثم أمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا ، فأوصل الله تعالى تلك الحصباء إلى أعين المشركين  ، فلم يبق أحد منه إلا ناله منها ما شغله عن حاله .
ولما اندلع القتال بين المسلمين والمشركين بالمبارزات الفردية ، اختار النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من بعض أهله وذوي قرابته وهم عبيدة بن الحارث وحمزة وعلي رضي الله عنهم أجمعين ... وبعد أن قُتلَ مبارزو المشركين الثلاث ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : شدوا ، واعداً من يقتل منهم صابراً محتسباً ، بأنَّ له الجنة ...
وقد ثبت في الصحاح أن ملائكة الرحمن قد شاركت المؤمنين في معركة بدر ، وثبت قيامهم بضرب المشركين وقتلهم (( إذ يُوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبّتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان )) الأنفال : 12 .
ولما انتهت المعركة بانتصار المسلمين الثابتين ، وكان قتلى المشركين نحواً من سبعين رجلاً ، وأسر منهم سبعون آخرون ، أكثرهم من قادة قريش وزعمائهم ... في الوقت الذي استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ... وقد صُرِع في هذه المعركة طغاة المشركين آنذاك ، كأبي جهلٍ ، وأمية بن خلف ، وعبيدة بن سعيد بن العاص ، والأسود المخزومي – وكان رجلاً شرساً سيء الخلق - ... وهكذا نصر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين بفضل إخلاصهم وتضحياتهم الجسيمة لرفعة هذا الدين وإعلاء رايته ... والحمد لله والفضل له سبحانه وتعالى .

(2) المنتقى من دروس المعركة الخالدة  :
لعلَّ من المهم في بداية هذه الجزئية الإشارة إلى أنَّ معركة بدر تعد نموذجاً عظيماً لتلقي الدروس والعبر فيما يتعلق بعراقنا الجريح ، إذ احتوت المعركة الخالدة على تفصيلات هامة وغاية في الدقة لتجسيد حالة الدفاع عن النفس – على أقل تقدير - التي تعيشها كثير مجتمعات بلداننا الإسلامية في هذه الأيام النحسات العجاف ، التي تتعرض فيها بلادنا ومقدساتنا وحضارتنا وقيمنا ، ومن قبل كل ذلك ديننا وشريعتنا الخالدة إلى حملةِ إبادة وأن شئت فقل شطبٍ أو إلغاءٍ ... ومما لا شك فيه أنَّ العقلاء يعلمون أنَّ المسلمين مهما هزموا ، وضعفت شوكتهم ، وابتعدوا عن قيمهم وأخلاقهم وصفاتهم الحقيقية ؛ فإنَّ عودة تنتظرهم إلى هذا الدين الخالد ، ليأتي رجال يعزون الدين ويدافعون عنه بأنفسهم وأموالهم ...
ومن ينظر في عراق اليوم يجد أمامه كثيراً من جزئيات وتفاصيل هذه الصورة ، وأصبح أبناء هذا البلد وكأنهم يقاتلون عدوهم ، ويدافعون نيابة عن الأمة وحفظ كرامتها وبقاء عزتها ومجدها ؛ لذا كان لا بد على كل مسلم أن يدلي بدلوه لنصرة قضية أمته من خلال نصرة هؤلاء الصادقين – إن شاء الله - ...
إنَّ مواصلة الدفاع عن كرامة الأمة تستلزم دراسة التاريخ دراسة واعية ؛ وتطبيق دروسه التي انتفع منها سلفنا الصالح ، خاصة تلك القرون الأولى ، اهتداءً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ... )) .
ولما كان الأمر على ما قلنا والحال على ما بيّنا ؛ فإنني اليوم ، ومن خلال هذا المنبر الإعلامي الرائد ( مجلة البيان ) أضع بين يدي القارئ الكريم منتقى لبعض ما يمكن استفادته من أحداث معركة بدر لعراقنا الجريح – وبشكل مختصر - ... فأقول مستعيناً بالله تعالى :

(1) عزم المشركين على القتال :
إنَّ في تعنت المشركين وعزمهم على قتال المسلمين ، ورفضهم دعوة أبا سفيان وطلبه منهم الرجوع : دليل واضح على أن المشركين لا يمكن للمسلم أن يرقب فيهم أمناً ولا رحمةً ، وما يجري في العراق اليوم دليل واضح على تطابق هذه الصورة ، فنحن نرى أعداء الله من المحتلين لأرض الرافدين لم يألوا جهداً في قتل الأبرياء من أهالي هذا البلد الجريح ... فقد قتلوا الرجال ورموهم في الشوارع ، واعتقلوا الشباب وأودعوهم في سجونهم ومعتقلاتهم ، واغتصبوا النساء وانتهكوا أعراضهن ، وداهموا البيوت وسرقوا ممتلكاتها ، وغير ذلك من الجرائم والأفاعيل الرهيبة والمشينة كتعذيب المعتقلين ، كما في سجن أبي غريب ، وإعدام عوائل بأكملها كما في بلدة حديثة وغيرها ، دون رادعٍ أو زاجر ، نتيجة توفر الحصانة التامة لمثل هؤلاء الجنود الفجرة المحتلين ... فعلى أهل العراق – وأخص العقلاء والفهماء منهم – أن يعلموا أن أعداء الله ودعوة الإسلام لا يقر لهم قرار ، ولا يهدأ لم بال إلا إذا قضوا على أبناء الإسلام ودعاته .

(2) الشورى وأهميتها في تحقيق النصر
ومن الدروس العظيمة التي يمكن تعلمها والإفادة منها من خلال هذه المعركة الخالدة الفاصلة هو ( أهمية الشورى في المجتمع الإسلامي ) وخاصة في حالة الحرب أو الدفاع عن النفس الذي يعيشه مجتمع مثل مجتمع العراق ... ومن يلحظ تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم تجاه هذه الجزئية المهمة يجد أنها تجسدت في ثلاثة مواقف ، وهي :
-        الشورى عند تحديد الموقف من مواجهة المشركين أو عدمها   
-        الشورى عند اختيار مكان نزول الجيش
-        الشورى في مصير أسرى المشركين والتصرف المناسب تجاههم
وكل هذه المواقف تشير – بوضوح تام – إلى أهمية هذا البند العظيم من بنود ديننا ، ولست هنا في معرض الحديث عن أهمية مبدأ الشورى في الإسلام ؛ لأنَّ هذا الأمر واضح للمهتمين بشأن الإسلام ودعوته ... ولكنني هنا أود الإشارة إلى أن المجتمعات التي تعيش صراعاً مع أعداء الله – كما في العراق – لا بد وأن تدرك أهمية الشورى في تحديد المواقف الثابتة التي تعينهم – بتوفيق الله تعالى – لاختيار الموقف المناسب في مستجدات الأمور ، وكما قال بعض سلفنا الصالح : (( ما خاب – أو ما ندم - من استشار )) .
وهنا أشير إلى : أنَّ من خصهم الله تعالى بقيادة أهل البلد أن يكونوا على قدر المسؤولية ، وأن يعملوا جاهدين على مشاورة أتباعهم – وخاصة العقلاء – حتى تبرأ ذمتهم أمام الله تعالى .. وإن مما ننكره أن يتصرف القادة بأمور العامة دون الرجوع إليهم ، وخاصة في القضايا المصيرية التي تعود بالفائدة أو الضرر على جميع أبناء البلد ... وما أصاب بلاد الرافدين ما أصابها إلا بسبب التفرد في اتخاذ القرار ، فقد أقر دستور العراق الجديد زوراً وبهتاناً ، بزعمٍ كاذب لفَّقَهُ بعضهم بحجة تصويت أبناء العراق عليه ... ويكاد السياسيون يقرون قانون النفط – وهو ثروة البلاد الثمينة – زوراً وبهتاناً ، دون الرجوع إلى الشعب أو تفويضه لهم ... والأمور تتجه نحو تطبيق مشروع الفدرالية الكارثي ، الذي يسعى مقروه من خلاله تقسيم البلد وتجزئته ... كل تلك الأمور تتم في الغرف المظلمة في رحاب المنطقة السوداء ، التي أغلقها سياسيو العراق على أنفسهم ، دون اكتراث بمصير البلد المجهول ..
فعلى أهل العراق الجريح أن يقوموا بواجبهم على الوجه الأكمل ، وعليهم أن يسعوا جاهدين لتأصيل مبدأ الشورى في حياتهم اليومية ، خاصة وأنهم يعيشون في أيامٍ استثنائية ، يشهدون من خلالها أنواع الظلم والأذى والفتن والمحن ... وعلى أصحاب القرار من سياسيين ودعاة وقادة ومربين أن يعملوا على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ الذي رأيناه قد استشار أصحابه – كلهم - في أول معركة فاصلة في تاريخ دعوة الإسلام ... 

(3) عوامل النصر على أعداء الله :
في هذه الجزئية أود الحديث عن مسالة مهمة جداً يجب على أهل العراق أن يدركوها ولا يغفلوا عنها ، وهي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ما تحقق لهم النصر إلا بفعل جهود وتضحيات قدموها لله ، وبالتالي فإنَّ النصر يتطلب من المسلم تقديم نفسه وماله فداء لإعلاء راية الدين وكلمة الحق ...
وقد أشار بعض كبار الكتاب – جزاهم الله خيراً – إلى عوامل النصر التي يجب العمل على تحقيقها لكسب النصر الذي ترتفع معه راية الإسلام ، وذلك التماساً من قول الباري جل جلاله : (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إنَّ الله مع الصابرين * ولا تكنوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط )) الأنفال : 45 – 47  .
وجدير بالذكر أن هذه الآيات الكريمات نزلت بخصوص معركة بدر الكبرى ، وبالتالي فإنَّ دروساً عظيمة ، يمكن أن ينتفع بها أهل العراق في حياتهم التي يعيشوها ، وخاصة في مقاومة الاحتلال ؛ لعلَّ الله يمنَّ عليهم بالنصر القريب – إن شاء سبحانه - ... ولعلَّ عوامل النصر على الأعداء من خلال هذه الآيات تتمثل بالآتي :

أولاً : الثبات عند لقاء أعداء الله
إنَّ من أهم عوامل النصر على العدو هو (( الثبات )) أمامهم وعدم الفرار ، وفي الآية الكريمة أمر واضح لكل مؤمن - يؤمن بالله تعالى - بأن يثبت أمام عدوه عند المواجهة ، ونهي واضح عن الفرار من أمامهم ؛ لأنَّ المسلم لا يجاهد إلا من أجل إعلاء راية دينه وشريعته ، والكافر لا يقاتل إلا دفاعاً عن باطله وأهوائه ، فالمؤمن أولى بالثبات أمام هذا العدو الذي يسعى لنشر باطله .
ومما لا ريب فيه أن المخلصين اليوم في العراق يواجهون عدواً شرساً لا يرحم ، يستخدم أبشع أنواع الحقد لإلحاق الأذى بالمؤمنين ، ولكن مع كل هذا فإنَّ على أهل الحق أن يثبتوا وأن لا يعطوا الدنية في دينهم ؛ فإنهم على الحق وأن الله ناصرهم بلا ريب ، لأنهم ما جاهدوا – وهكذا نحسبهم - إلا لنصرة دين الله ، فحق على الله نصرهم ، مصداقاً لقوله جل وعلا : (( إن تنصروا الله ينصركم ... )) ، ولن يخلف الله وعده – حاشاه - . 

ثانياً : ذكر الله تعالى عند مواجهة العدو
والذكر عند اللقاء هو العامل الثاني من عوامل النصر على العدو – إن شاء الله – ومما لا شك فيه أن الذكر يجعل المؤمن بقربٍ من الله عز وجل ، وهو في كل حال من الأحوال يجسد عمق الصلة بالله عند الشدائد الجسام التي تتمثل في ساحة المعركة ، فعلى المسلم الذي يريد الله تعالى قريباً منه ، أن يقترب هو من الله تعالى ، بذكره ، وتسبيحه ، واستغفاره ، واستحضار خشيته عز وجل .. وعندها فإن الله تعالى سيذكره ، مصداقاً لقول الله عز وجل في الحديث القدسي : (( من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ، ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ، ومن أتاني مشياً أتيته هرولة ... )) ، وثبت في الصحيح أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي : (( أنا عند ظن عبدي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأٍ ، ذكرته في ملأٍ خير منهم ... )) .
فعلى أبناء الجهاد في العراق أن يدركوا هذا الأمر الهام ، وان يعملوا جاهدين على تطبيقه ، وان يقتربوا من الله بدوام ذكره ، حتى يذكرهم الله تعالى فينعم عليهم بالنصر القريب – بحوله وقوته عز وجل - .

ثالثاً : طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم
إنَّ طاعة الله ورسوله جزء مهم من حياة المسلم في كل أحواله ، قولاً وفعلاً ، وهي في حال النـزال والجهاد آكدُ وأوجبُ ...
وطاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم تكون باتباع أوامرهما واجتناب نواهيهما .. ومن جملة ذلك : امتثال ما أمرا به في حالة لقاء العدو حالة الحرب من الثبات والصبر والاتصال بالله ، وحفظ حرماته ... ومن جملة ما نهيا عنه هو الفرار والبعد عن الله ، وارتكاب المنهيات ، كالاعتداء على النساء وقطع الشجر وغيرها .
ومن هنا نناشد المخلصين من أبناء الجهاد في بلاد الرافدين أن يكونوا أهلاً لالتزام أوامر الله تعالى وتطبيقها ، والحذر - كل الحذر - من ارتكاب أي منهيٍ عنه ؛ حتى لا يعطوا أعداءنا  الحاقدين والمتربصين والمتصيدين فرصة ومسوغاً للنيل من مشروع المقاومة والجهاد .
رابعاً : ترك التنازع والاختلاف
إنَّ من أهم الكوارث التي تعصف بنا هو تنازعنا وتفرقنا ، وليس أضر على مشروع الجهاد ومقاومة العدو ، والوقوف أمام مشاريعه الخبيثة من مرض الفرقة والتنازع ، ولهذا نهانا الله تعالى نهياً صريحاً فقال سبحانه : (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ... )) ؛ فنتيجة الاختلاف الحتمية : الفشل الذريع ، وتحقق الضعف الذي يستطيع عدونا أن ينفذ - من خلاله - أنى شاء ، وكيف شاء ، ومتى شاء ...
وهنا وفي إطار هذه الجزئية المهمة أود التأكيد على أن مصير العراقيين – وأخص العلماء والدعاة والقادة وأصحاب الشأن منهم – هو الوحدة والترابط والاصطفاف والتلاحم ، وعليهم أن يدركوا أنَّ من الخيانة لأمة الإسلام ، هو إغراق أهله في بحرٍ لاطمٍ من الخلافِ والشقاقِ ، ثم ننسى هموم أمتنا ومآسيها ، خاصة ما يمر به بلد مثل العراق الجريح ... ولهذا وجب على كل الخيرين في العراق أن ينشغلوا بتوحيد صفوف العامة ، وتذكيرهم بهمومهم الكبرى ، وأن يلفتوا أنظارهم وعقولهم لقضاياهم المصيرية ... وعلى علماء العراق – وهم الشريحة المهمة في نظرنا – أن يقفوا موقفاً موحداً ، وأن ينبذوا مشاريع التشتيت والتمزق ، وتعدد الواجهات التي تضيع وراءها جهود الشرفاء ، وتضعف أمامها شوكتهم ، فيكونوا لقمة سائغة في فمِ عدوهم .. وليذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( يد الله مع الجماعة ومن شذ ، شذ في النار ، إنما يأكل الذنب من الغنم القاصية )) .
إنَّ ما نشاهده اليوم في العراق من تفرق كبير بين علمائه ودعاته ، ورفع راياتٍ متعددة ، وتأسيس واجهات بأسماء وأشكال متنوعة ، تعدُّ نذير تفرق مذموم ، قد يفضي – في نهاية المشوار - إلى إضعاف شوكة أنصار الله تجاه عدوهم ... وهنا أعني أهل السنة من العراقيين ، الذين خصهم الله تعالى بشرف مقاومة المحتل وأعوانه ، وأخص العلماء والدعاة منهم ...
وكم يتألم المتابع أن يرى علماء العراق قد ركبوا سفن مختلفة – ومتنوعة - بعد أن عملت أطرافاً عديدة على بث روح الخلاف والشقاق بينهم ، بل وراهنت على تفرقتهم ، وتشتيت جهودهم ... وهنا لا بد لكل داعية من دعاة العراق أن يعلم أن مصيرهم وقدرهم الوحدة والترابط والتشاور والتحاور ، وتحديد المصير ، في ظل هذه الحملة الشرسة التي تستهدف الخيرين من أبناء هذا البلد الجريح ... وعليهم أن يدركوا أيضاً أن مشاريع كثيرة مشبوهة تلاحقهم ، وتكاد تجرف الكثير منهم – إن لم تكن جرفت بعضهم - ... ولا ينبغي بحالٍ من الأحوال أن يكون عالم الشريعة وداعية الإسلام جزءاً من مشروع سياسي مشبوه ، أو جهةٍ لا يعرف من يدعمها أو يقف وراءها ، وبالتالي فهي غير واضحة المعالم والسلوك .. (( ولكم في رسول الله أسوة حسنة )) .
وهنا أود التأكيد على مسألة مهمة جداً ، وهي أن أبناء البلد بدأوا يفقدون الثقة بعلمائهم ، وأصبح المشهد في العراق اليوم – كما أراه - وكأنَّ أزمة حقيقة بين الدعاة والجماهير ، نتيجة التفرق الملحوظ الذي نشاهده في ساحة العلماء والدعاة ..
إن عراقنا الجريح يذبح من الوريد إلى الوريد ، وكثير من علمائنا – عدا من غادر للضرورة الملحة - يقبعون في دول الجوار ، وتسعى كل عصبة منهم لتأسيس كتلة يسمونها بأسماء مختلفة ، حتى أصبحت الغاية العظمى عند بعضهم طلب الزعامة ، وحب الرياسة ... وتركوا البلد يذبح من قبل أعداء الله الحاقدين ، الذين يفرحهم أكثر ما يفرحهم هذا المشهد الذي طالما تمنوه – أعني تفرق علماء البلد وتشتت جهودهم - .
وفي مقالة قيمة كتبتها إدارة تحرير ( مجلة البيان ) الغراء بعنوان (( من لقيادة العرب السنة في العراق )) بعددها (237) ، إشارت فيها إلى جزئيات مما يتعلق بهذه المسألة الهامة ، وجسدت ذلك الخوف الرهيب الذي يطال أبناء العالم الإسلامي نتيجة تفرق علماء العراق ، وتشتت جهودهم ، وجاء فيها ما نصه : (( كانت الإستراتيجية المتبعة في تفريق العرب السنة ماكرة : جذب أحد الأطراف إلى العملية السياسية حتى ينغمس فيها ، وترك الطرف الآخر يتجه إلى أقصى خانة المعارضة للإحتلال الأمريكي ، وكانت النتيجة أنَّ الطرف الأول يرفض انسحاباً فورياً للاحتلال ، بينما ينادي به الطرف الثاني ، وتفرق الرأي العام العراقي السني بينهما ، وأدّى الخلاف إلى إضعافِ هيبة العلماء وقوة مرجعيتهم ، بعد أن علقت الجماهير عليهم آمالاً عريضة ، وبلغت المأساة ذروتها ، والخديعة غايتها عندما تآمر الاحتلال مع الحكومة الشيعية على إبعاد ( الشيخ حارث الضاري ) رئيس هيئة علماء المسلمين ، وتحويله إلى زعيم المعارضة العراقية في الخارج ، وكان محزناً الصمت – السني – الذي رافق المؤامرة وأعقبها )) ... وجاء في المقالة أيضاً : (( إنَّ ذهاب قوة العرب السنة يكمنُ في تنازعهم وتفرقهم ، وتمكّنهم وصمودهم فرع عن توحدهم وترابطهم ، هذا هو موطن القوة الرئيس ، وبغير ذلك فإنَّ خطاب العرب السنة في العراق ، وسلوكهم وأداءهم المقاوم والسياسي ، سوف يلتقي في جوانب كثيرة منه مع المصالح الأمريكية ؛ فواشنطن لا تريد استقراراً سياسياً أو أمنياً مطلقاً في العراق ، فهي تريد من عمل المقاومة قدر ما يسوّغ بقاءها وخطها الأمني ، وتريد من الأحزاب السياسية تغطية سياساتها وإبراز العراق كنموذج سياسي ناجح في المنطقة ، وإذا توجهت جهود هؤلاء وأولئك في جزء كبير من بعضهم ضد بعض ، كان ذلك بمثابة الجائزة الكبرى للإحتلال ، لكن عندما تتلاشى الاشتباكات والصراعات العرضية ، وتتركز الجهود كلها على هدفٍ أو أهداف واحدة ؛ فإنَّ أيام الاحتلال في العراق تصبح معدودة )) ... ولست هنا في معرض التعليق والتفصيل على الخطوط العريضة في سطور مقالة الأخوة في إدارة تحرير البيان ، وإن كنت سأفرد مقالة خاصة أتحدث فيها عن واقع العلماء في العراق والتحديات التي تواجههم ، وطرق استغلال قسم منهم ، لخدمة مشروع الاحتلال في العراق الجريح ، ولعلي أسميها (( علماؤنا ... والهمُّ المفقود )) – إن شاء الله تعالى - .
وعذراً إن كنت أطلت في هذه الجزئية ، ونقل ما يتعلق بها ؛ لأنها في نظري من أهم المسائل التي يجب معالجتها في ظل سعينا للنصر الذي نرغب بأن يمنَّ الله سبحانه به علينا .

خامساً : الصبر عند لقاء الأعداء 
إنَّ الصبر يعدُّ من أهم عوامل الثبات الذي يعود على صاحبه بالفوز والظفر ، وإنَّ جزء الآية الكريمة التي تحدثت على وجوب الصبر ؛ لتحقيق النصر ، جاء فيها : (( واصبروا إنَّ الله مع الصابرين )) ؛ فمن صبر فقد ربح معية الله تعالى ، ومن كان الله معه ، فإنه لا يصيبه ضيم فلا يغلب ولا يقهر بحول الله وقوته ... ومن هنا جاء قول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ، فيما صح عنه : (( وإن النصر مع الصبر ... )) .
ولما كان لقاء العدو قد ينال المسلم من خلاله ما لا يرغب به – باعتبار بشريته – كالموت أو الجرح أو ما شابه ذلك ؛ فإنّه من المناسب أن يأمره الله تعالى بالصبر ، حتى يصل إلى هدفه وغايته العظمى وهي النصر على الأعداء ...
وبالتالي فإنَّ على العراقيين - الذين يصيبهم الأذى وأنواع الحقد والظلم من قبل عدوهم الماكر - الصبر والتحمل ، وعليهم أن يحتسبوا تحمل الأذى أجراً جزيلاً عند الله عز وجل .

سادساً : الإخلاص في العمل
إنَّ أي عمل من أجل أن تتحقق فيه صفة القبول والرضا من الله عز وجل ، لا بد أن يمتاز بميزتين ، لا غنى لكل عمل – مقبول - عنهما :
-  أن يكون خالصاً لله عز وجل
-  وأن يكون موافقاً لشرعه الحنيف  ... ومعنى موافقة العمل للشرع : أن يكون مطابقاً لأوامر الله تعالى التزاماً وتحقيقاً ، مضافاً إليها الكف عن حرمات الله تعالى انتهاءً ... وقد اشرنا إلى هذا قبل قليل .
والإخلاص  يتحقق بخلوه عن الشرك والرياء ، ويتم بقصد الله عز وجل بالعمل دون غيره من المخلوقات ، لأنَّ الله جل وعلا لا يقبل عملاً من العبد إذا أشرك فيه مع الله أحداً ، مصداقاً لقوله تعالى : (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ... )) .
وهنا ننبه أهل العراق الغيارى إلى ضرورة قصد الله تعالى دون غيره ، والكف عن الرياء في الأعمال والأقوال ، لا سيما في الأعمال التي كثيراً ما يدخلها أو يتسلق إليها داء الشرك والرياء مثل (( الجهاد في سبيل الله )) ؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر – فيما رواه الإمام أحمد في مسنده - : أنه يؤتى بالمقاتل يوم القيامة ، فيقول : يا رب قاتلتُ في سبيلك ، فيقال له : كذبت ، قاتلت ليقال عنك شجاع ، وقد قيل !! خذوه إلى النار . – أعاذنا الله وإياكم منها - .

(4) البحث عن النصر الإلهي

إنَّ من أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من خلال هذه المعركة العظيمة ، هو أنَّ النصر هبةٌ من الله عز وجل لعباده المخلصين ؛ فإنَّ الباري جل جلاله إذا أراد أن ينصر عباده هيأ لهم أدوات هذا النصر ، مادية كانت أو معنوية ... فالنصر من الله بلا ريب ، مصداقاً لقوله تعالى : ((وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)) آل عمران : 126 ، وقال تعالى : ((وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إنَّ الله عزيز حكيم)) الأنفال : 10 . 
يقول الدكتور علي محمد الصّلابي في كتابه ( السيرة النبوية 2/54 ) : (( ويستفاد من هاتين الآيتين تعليم المؤمنين الاعتماد على الله وحده ، وتفويض أمورهم إليه مع التأكيد على أن النصر إنما هو من عند الله وحده ، وليس من الملائكة أو غيرهم ، فالأسباب يجب أن يأخذ بها المسلمون ، لكن يجب أن لا يغتروا بها ، وأن يكون اعتمادهم على خالق الأسباب ؛ حتى يمدهم بنصره وتوفيقه ، ثم بين سبحانه مظاهر فضله على المؤمنين ، وأن النصر الذي كان في بدر ، وقتلهم المشركين ، ورمي النبي صلى الله عليه وسلم المشركين بالتراب يوم بدر إنما كان في الحقيقة بتوفيق الله أولاً وبفضله ومعونته ، وبهذه الآية الكريمة يربي القرآن المسلمين ويعلمهم الاعتماد عليه ، قال تعالى : (( فلم تقتلوه ولكنَّ الله قتلهم وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمى وليبليَ المؤمنين منه بلاءً حسناً إنَّ الله سميع عليم )) الأنفال 17 ، ولما بيّن سبحانه وتعالى أنَّ النصر كان من عنده ، وضَّح بعض الحكم من ذلك النصر ، قال تعالى : ((ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)) آل عمران : 127 – 128 )) انتهى .
ولعلي هنا ، وأنا أعرج على واقع عراقنا الجريح تجاه هذه الكرامات التي قد يمنحها الله لعباده فينصرهم على عدوهم أستذكر ما وقع من كراماتٍ حسية يوم أن طالت أيدي الظالمين فلوجة الصمود والتحدي في المعركة الأولى ؛ إذ شنَّ الملحدون هجوماً عنيفاً على أبناء هذه المنطقة الباسلة نتيجة رفضهم الاحتلال ومشاريعه المشبوهة .. فقد تحدث رجال من الثقات الأثبات – ممن حضروا المعارك الضارية - : أنَّ رجالاً يلبسون ثياباً بيضاً قد قاتلوا في معركة الفلوجة مع أهلها جنباً إلى جنب ضد المحتلين وأعوانهم ، وأنَّ هؤلاء – الملائكة – قد أذاقوا أعداء الله ما أذاقوا من الخسائر ، حتى قيل : إنَّ الناس تنظر إلى آلياتِ العدو وهي تلتهب وتتفجر دون أن يوجه إليها أي أحد من أبطال المقاومة سلاحه !! (( وما رميتَ إذ رميت ولكنَّ الله رمى ... )) الأنفال : 17 ... بل تحدث بعضهم – وهم من الثقات أيضاً – عن قصة العناكب السود العملاقة السامة ، التي كانت تلدغ الجنود ، وتقضي عليهم !! وقد قيل إنَّ الناس ينظرون إلى الجنود الواقفين المدججين بسلاحهم - لقتل الأبرياء - وهم يسقطون فجأة ، والحمد لله !! فمن فعلَ كل هذا ؟ ومن أكرم أهالي الفلوجة بمثل هذه الكرامات ، التي تذكرنا بما أكرم الله به عباده المخلصين يوم بدر والأحزاب ؟ إنه الله ناصرُ المؤمنين سبحانه وتعالى :
وإذا العنايةُ لاحظتكَ عيونها  **  نم فالمخاوفُ كلهـنَّ أمـانُ

*    *    *
فعلى أبناء العراق الغيارى ، أن يأخذوا هذه الدروس – القديم منها والجديد – وأن ينظروا إليها بعين الاعتبار ، وأن يتوكلوا على الله تعالى ، فإنه الناصر والمعز سبحانه ، وأن لا يلتفتوا إلى خذلانِ المتخاذلين ، ولا تثبيط المثبطين ، فإنًَّ الله ناصر المؤمنين (( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )) .
وأود الإشارة هنا إلى موضوع هام ، وهو الجانب الإعلامي أثناء القتال مع أعداء الله تعالى ؛ إذ أن مما يرفع معنويات المجاهدين في سبيل الله هو بث روح الأمل ، وتحقق النصر ، والتفاؤل به بين أوساط المقاتلين ، ولعلَّ ذكر مثل هذه الأشياء الخوارق ، والتحدث بها يعود بالفائدة الإيجابية ، فضلاً عن انه تحدثٌ بنعمة الله تعالى (( وأما بنعمةِ ربك فحدث )) ... وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثُّ شعراءه على القيام بواجبهم الإعلامي في الدفاع عن الإسلام والمسلمين ، وكان يقول لحسان بن ثابت رضي الله عنه : اهجهم وروح القدس معك ... حتى قال رضي الله عنه يوم بدر أبياته الشهيرة :       
فما نخشى بحولِ الله قوماً ** وإن كثروا وأجمعتِ الزحوفُ
إذا ما ألّبوا جمعاً علينا ** كفانا حدّهم ربٌّ رؤوفُ
سمونا يومَ بدرٍ بالعوالي ** سراعاً ما تضعفنا الحتوفُ

ومن الدروس الأخرى التي تنفع العراقيين في أيامهم التي يعيشونها ، وهم يأنّون تحت وطأة الاحتلال الأمريكي ، هو (( الدعاء )) وما أدراك ما الدعاء ؛ فإنه الرافد العظيم للنصر على الأعداء ... ويهمني هنا الإشارة إلى تجلي أروع صور دعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستغاثته بربه أثناء قتال المشركين في معركةِ بدرٍ الكبرى (( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين )) ، فإنه صلى الله عليه وسلم لما نظّم صفوف جيشه ، وحرّضهم على القتال ، رجع إلى عريشه الذي بُني له ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ، فاتجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه يدعوه ، ويطلب منه نصره الذي وعده ، قائلاً : (( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً )) ، يقول الرواة : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ظل يدعو ربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، حتى قال له أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك ؛ فإنه منجز لك ما وعدك )) صحيح مسلم 3/384 .
وما دام أهل العراق في حالةِ حرب دائمة ، ونظراً لأهمية الدعاء في النصر على الأعداء ؛ فإنَّ عليهم أن يلجئوا إلى الله تعالى : بأن يهبهم النصر على أعدائهم الغاصبين ، الذين احتلوا بلدهم ، ونهبوا خيراتهم ، وقتلوا رجالهم ، وانتهكوا أعراض نسائهم ، وأعدموا واعتقلوا شبابهم ، ودمروا مستقبل أبنائهم ، وزرعوا الخوف والحرمان بين صفوف أطفالهم !! ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
وعلى الأئمة والدعاة في العراق الجريح أن يستنوا بسنن النبي صلى الله عليه وسلم وعاداته في الحروب ، أو عند نزول المصائب والابتلاء – ولا مصيبة في العراق أعظم من الاحتلال - ، أقول : عليهم أن يستنوا بالسنن ، لاسيما القنوت في الصلوات الخمس في المساجد عند أداء صلاة الجماعة مما يسمى بـ (قنوت النوازل) ... وعليهم أن يدركوا أنَّ الله تعالى سيستجيب دعاءهم بلا ريب ، وعليهم أيضاً أن لا يستعجلوا الإجابة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، قالوا : كيف يعجل يا رسول الله ؟ قال : يقول : دعوتُ ، ودعوتُ ، ودعوتُ ؛ فلم يستجب لي )) ...
إذن : فلا ينبغي للإنسان أن يستبطىء الإجابة ؛ فيستحسر عن الدعاء ، أو يدعه ، بل عليه أن يلح فيه ؛ فإنَّ كل دعوة يدعو بها الإنسان ، تعتبر عبادة تقربه إلى الله عز وجل وتزيده أجراً جزيلاً .
*    *    *
وأختم هذه المقالة – بعد الاعتذار عن الإطالة – بتذكير العراقيين : أنَّ نصر الله قريب ، وأن العدو مندحر بإذن الله ، ولا أدلَّ على ذلك من الحرج الكبير الذي يلفه هذه الأيام بعد أن تعالت الأصوات من داخل مؤسسات صنع القرار عندهم ، فضلاً عن أعداد القتلى المتزايدة التي تلحق بجهودهم ، وتقدر بالمئات شهرياً ...
فالحمد لله على نعمه وآلائه ... اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ... ربي اغفر لي ، ولوالديَّ ، ولمن دخل بيتي مؤمناً ، وللمؤمنين والمؤمنات ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

أضف تعليق