حاورت مجلة \"ذى نيشن\" عبر الشهور العديدة الماضية 50 من المحاربين القدامى فى حرب العراق من جميع أنحاء الولايات المتحدة فى جهد مبذول لمحاولة تقصى تأثيرات الاحتلال الذى دام أربع سنوات على المدنيين العراقيين على المستوى المتوسط. قام هؤلاء المحاربون القدامى ـ بعضهم يحمل جروحا نفسية وجسدية، والكثير منهم عارضوا احتلال العراق ـ بسرد وقائع حية ومسجلة ووصفوا الجانب الوحشى القاسى من الحرب الذى نادرًا ما نراه على شاشات التلفاز أو نقرأه فى أخبار الجرائد.
تعكس حكاياتهم المسجلة والمدونة فى آلاف الصفحات، نقلاً عن تسجيلاتهم الصوتية، أنماطاً سلوكية مثيرة للإزعاج للقوات الأمريكية فى العراق. وقد شهد عشرات ممن حاورناهم وفاة المدنيين العراقيين ـ ومنهم الأطفال ـ بسبب النيران الأمريكية، فبعضهم شارك فى عمليات القتل هذه والآخرون تفحصوا حالات الجرحى من المدنيين بعد وقوع الأحداث. كما سمع الكثيرون هذه الحكايات بالتفصيل من أعضاء وحدتهم العسكرية. وأكد الجنود والبحارة والمارينز "المشاة البحرية" أن كل القوات اشتركت فى عمليات قتل دون تمييز، وذكر الكثيرون أن هذه الجرائم اقترفها قلة من أفراد الجيش، لكن مع ذلك وصفوا هذه الأفعال بأنها منتشرة ولا يتم الإبلاغ عنها ولا يعاقب عليها.
هناك قضايا فى المحاكم مثل القضايا المحيطة بمذبحة "حديثة"، واغتصاب وقتل فتاة فى الرابعة عشرة من عمرها فى "المحمودية" والقصص الإخبارية فى الجرائد مثل "واشنطن بوست" و"التايم" والجريدة اللندنية "الإندبندنت"، وغيرها بناءً على قصص العراقيين، كلها تشير إلى المدى الواسع للهجمات على المدنيين. وقد أصدرت جمعيات حقوق الإنسان تقارير مثل تقرير مؤسسة "هيومان رايتس ووتش": "قلوب وعقول: قتل المدنيين بعد الحرب فى بغداد على يد القوات الأمريكية" وهذا التقرير مليء بالتفاصيل والأحداث المفصلة التى توضح أن قتل المدنيين العراقيين على يد قوات الاحتلال شيء متفش ومنتشر لأكثر مما تعترف به السلطات العسكرية.
ويعد هذا التحقيق فى "ذى نيشن " هو أول تحقيق به شهود أدلوا بحكاياتهم مسجلة بأسمائهم من داخل الجيش الأمريكى واجتمعوا بعدد كبير فى مكان واحد للتأكيد بكل وضوح على كل هذه الأخبار.
بينما ذكر بعض المحاربين القدامى أن بعض مرات إطلاق النار على المدنيين يحقق فيها الجيش بشكل روتيني، إلا أن هذه التحقيقات كانت نادرة، فقد قال الملازم جوناثان مورجنشتين فى احتياطى المارينز البالغ من العمر 35 عاماً من آرلنجتون فى "فيرجينيا": "أعنى أنه مستحيل إجراء تحقيق فعلى فى كل مرة يجرح أو يقتل أحد المدنيين لأن ذلك يحدث كثيرًا وسنقضى طوال الوقت فى التحقيقات". وقد عمل هذا الملازم فى الجيش منذ أغسطس-آب 2004 إلى مارس-آذار 2005 فى "الرمادي" مع وحدة الشؤون المدنية لفرقة المارينز التى تدعم فريق القتال مع الفيلق الثانى الاستكشافى للمارينز "كل الذين تمت محاورتهم تم تحديد رتبتهم التى كانوا عليها أثناء مدة الخدمة فى الجيش التى يحكون عنها هنا؛ وبعضهم منذ ذلك الوقت إما حصلوا على ترقية أو تم عزلهم".
وقال المحاربون القدامى إن ثقافة هذه الحرب المضادة للتمرد، والتى من خلالها يفترض أن معظم المدنيين فى العراق من الأعداء، جعلت من الصعب على الجنود التعاطف مع ضحاياهم ـ على الأقل حتى عودتهم للوطن وتوافر الفرصة للتأمل فيما فعلوه.
وقال الاخصائى جيف إنجلهارت البالغ من العمر 26 عامًا من "جراند جانكشن" فى "كولورادو": "أعتقد أثناء تواجدى هناك كان الاتجاه العام: لا بأس من زيادة قتلى العراقيين، ولا داعى للاكتراث. وربما تسأل وماذا فى ذلك؟... كان الجنود يظنون أننا نحاول مساعدة الناس لكنهم غضبوا واعتبروا ذلك خيانة. ولكننا هنا نحاول مساعدتك، فإننى على بعد آلاف الأميال من الوطن بعيدًا عن أسرتي، ومضطر للبقاء عاما كاملا والقيام بالعمليات يوميًا، حسنًا فنحن نحاول مساعدتك وأنت تحاول قتلنا". لقد خدم الاخصائى إنجلهارت مع الفيلق الثالث فى قسم المشاة الأول فى بعقوبة التى تقع على بعد 35 ميلاً من شمال شرق بغداد، لمدة عام بداية من فبراير 2004.
قال: "فقط عندما يعودون للوطن ويتعاملون مع قضايا المحاربين القدامى ويقابلونهم، يشعر الجنود حينئذ بالذنب العميق المتأصل".
حرب العراق أمر معقد وكبير جدًا، ففى هذا التحقيق عن سوء السلوك المزعوم للجيش، ركزت "ذى نيشن" على عناصر مهمة قليلة للاحتلال، وطرحت العديد من الأسئلة على المحاربين القدامى حتى يسردوا بالتفصيل تجاربهم أثناء إدارة الدوريات ومد المبعوثين وتأسيس نقاط التفتيش وإدارة الغارات وإلقاء القبض على المشتبه فيهم. من كل هذه اللقطات المجمعة تظهر فكرة عامة مشتركة: القتال فى مناطق مدنية مكتظة بالسكان أدى لاستخدام القوة بدون تمييز مما أسفر عن موت آلاف الأبرياء على يد قوات الاحتلال.
عاد العديد من هؤلاء المحاربون القدامى للوطن وهم منزعجون للغاية بسب البون الشاسع بين حقيقة الحرب وطريقة تصويرها على يد الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام الأمريكية. إن الحرب التى وصفها المحاربون القدامى حرب مظلمة والأمر كله لا أخلاقى ومليء بالشرور يشبه بقوة الحروب الوحشية الاستعمارية والاحتلال الغاشم، بداية من الاحتلال الفرنسى للجزائر، إلى الحرب الأمريكية فى فيتنام، حتى الاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين.
وقال الاخصائى مايكل هارمون البالغ من العمر 24 عامًا والذى كان طبيبا الجيش ويعيش حاليًا فى بروكلين، وقد خدم فى الجيش 13 شهراً بداية من أبريل-نيسان 2003 مع غرفة المدرعات رقم 167، فى القسم الرابع للمشاة فى "الرشيدية" وهى بلدة صغيرة بجوار بغداد: "سأخبرك بالحدث الذى جعلنى أتأثر بشدة: خرجت لأرى ما يحدث وكانت هناك طفلة لا يتجاوز عمرها عامين ممتلئة قليلاً وخاصة ناحية الأرجل، والتقطتها ووجدت رصاصة مخترقة قدمها، لقد انفجرت قنبلة يدوية فقام الجنود بإطلاق الرصاص فى كل مكان بلا تمييز وأصيبت الطفلة ونظرت نحوى ولم تبكِ، أو تفعل أى شيء، بل نظرت نحوي، ولم تكن تعرف الكلام، لكنني... ربما جننت حين شعرت بأنها تسألنى لماذا؛ لماذا اخترقت الرصاصة قدمي، انه أمر سخيف".
وصف المحاربون القدامى الكثير من مشاعر الاستياء نحو العراقيين فى ذى نيشن وأكد ذلك تقرير صدر فى الرابع من مايو-أيار بواسطة البنتاغون.
وفقًا للمسح الشامل واستطلاع الرأى الذى أداره مكتب الجنرال الجراح للفرقة الطبية فى الجيش الأمريكى فإن 47% من الجنود و38% من المارينز اتفقوا على معاملة المدنيين باحترام وكرامة، بينما 55% من الجنود و40% من المارينز قد يبلغون وحداتهم أن هناك من قتل أو جرح مواطناً "بريئاً مدنياً لا يقاتلهم". "هذا يعني، من الناحية العملية، ان نحو نصف القوات الامريكية العاملة فى العراق أى 80 ألفا من مجموع 160 ألفا، ونحو 70 ألف من مجموع القوات التابعة للشركات الأمنية البالغ نحو 140 مرتزق، قتلوا، او جرحوا ما لا يقل عن 150 الف مدنى عراقى بريء بطرق عشوائية- ع.أ."
تعكس هذه الاتجاهات التواصل المحدود بين قوات الاحتلال والعراقيين، ونادرًا ما يرون عدوهم، فهم يعيشون فى مجمعات مغلقة ومحصنة للغاية لا تتم مهاجمتها سوى بالقذائف، ولا يجازفون بالخروج إلا مع الاستعداد للقتال، والإحباط المتزايد من قتال عدو خفى وهارب يصعب السيطرة عليه والتأثير المدمر لقنابل جانبى الطريق التى يروح ضحيتها عدد ثابت ومستمر من القتلى والجرحى الأمريكان، مما أدى لإعلان عدد كبير من القوات للحرب على كل العراقيين.
وصف المحاربون القدامى إطلاق النار العشوائي، بانه يبدأ بمجرد مغادرة المجمعات المحصنة. فقد أطلق بعض الجنود النار على أنابيب الغاز لثقبها والتى كانت تباع على جانب الطريق ثم ألقوا عليها قنابل يدوية فى برك الغاز لتشتعل، كما أطلق بعض الجنود النار على الأطفال مما أغضب شهود العيان من العراقيين.
فى يونيو-حزيران 2003 كانت وحدة القائد كاميلو ميجيا يهاجمها حشود غاضبة فى "الرمادي". كان القائد ميجيا البالغ من العمر 31 عامًا من الحرس الوطنى من ميامى وخدم فى الجيش لمدة ستة أشهر بداية من أبريل-نيسان 2003 مع فيلق المشاة 124، والكتيبة 53 الخاصة بالمشاة، وفتحت فرقته النار على شاب عراقى يحمل قنبلة يدوية، مما ثقب جسده بالرصاص كالمصفاة. وبعد أن فحص القائد مدفعه الرشاش عرف أنه شخصيًا أطلق "مجموعة من الطلقات نحو هذا الشاب".
قال القائد ميجيا: "الإحباط الناتج عن عدم قدرتنا على العودة لمن كانوا يهاجموننا أدى إلى تكتيكات بدت مصممة خصيصًا ببساطة لعقاب السكان المحليين الذين يدعمون المهاجمين".
سمعنا بعض التقارير، وفى بعض الحالات دُعِّمت التقارير بالصور، أن بعض الجنود فقدوا أخلاقياتهم وسخروا وانتهكوا حرمة جثث العراقيين ومثلوا بها.
وهناك عشرات الصور المقدمة لتحقيق "ذى نيشن " كانت صورة جندى أمريكى يمثل وكأنه على وشك تناول مخ رجل عراقى مقتول خارج من رأسه بالملعقة البلاستيك التى يصرفها الجيش للجنود.
قال الجندى فى فرقة القائد "ميجيا" وهو يضع ذراعه حول الجثة: "صورنى مع هذا اللعين".
تذكر القائد ميجيا أن الكفن الذى يغطى الجثة قد سقط وكشف عن جثة لشاب لا يرتدى سوى بنطال، وكان عارى الصدر وكان فى صدره ثقب أحدثته الرصاصة.
قال الجندى ساخرًا: "لقد نلنا منه حقًا!"
قال القائد ميجيا إن المشهد حضره أقارب وإخوان الشاب الشهيد.
فى الأجزاء التالية، يروى القناصون وأطباء الجيش وأفراد الشرطة العسكرية والمدفعية والضباط وغيرهم خبراتهم وتجاربهم أثناء الخدمة فى أماكن مختلفة ومتنوعة من الموصل فى الشمال إلى سمراء فى "المثلث السني" والناصرية فى الجنوب وبغداد فى المنتصف أثناء الأعوام 2003 ـ 2004 ـ 2005. وتوضح حكاياتهم تأثير وحداتهم على المدنيين العراقيين.
الغارات على المنازل
قال الاخصائى فيليب كريستال البالغ من العمر 23 عامًا وكان قد خدم فى الغارات على ما بين 20 ـ 30 منزلاً عراقياً أثناء جولته لمدة شهر فى "كركوك" و"الحويجة" وانتهت المدة فى أكتوبر-تشرين الأول 2005، وكانت خدمته فى الكتيبة الثالثة والفرقة 116 فرسان: "حسنًا بدأنا فى هذا اليوم بالذات، حيث بدأ الأمر بالعربات المدرعة والتى وُضِعَ عليها سماعات كبيرة تقول نفس الرسالة بالعربية والكردية والفارسية أو أى لغة، وكانت الرسالة المتكررة بشكل أساسى هي: "الكل يسلم الأسلحة التى بحوزته بجوار الباب الأمامى لمنزله، ليخرج الجميع... الخ"، ثم تطير فوقنا طائرات أباتشى لحمايتنا إذا لزم الأمر كما أنها تمثل استعراضا رائعا للقوة، وكنا نتجول فى الشوارع بحلول هذه النقطة وكنت مع قائد الفيلق والكتيبة وشخصين آخرين.
واصل فيليب حديثه: "كنا نقترب من أحد المنازل فى منطقة زراعية وكأنها حدائق صغيرة، والمنزل الرئيسى فى وسطها وبه ما يشبه المطبخ والمخزن، وكنا نقترب منهم وكان لديهم كلب أليف منزلى وكان ينبح بشراسة لأنه يؤدى واجبه، لكن قائد الكتيبة اللعين، بلا مبرر أطلق عليه النار واخترقت الرصاصة فكه وخرجت من مؤخرة رأسه. عندما رأيت الكلب، وأنا محب للحيوانات بشدة، وهو يركض والدماء تتطاير منه فى كل مكان، فتساءلت فى داخلي: "ماذا يحدث بحق الجحيم؟" وجلست العائلة المكونة من أب وأم و ثلاثة أطفال يراقبون الكلب فى رعب، ولم أجد ما أقوله لهم فصحت فى قائد الكتيبة "ماذا تفعل بحق الجحيم؟". زاد صريخ الكلب الذى فقد فكه الآن. نظرت للعائلة وكادوا يموتون من الرعب وصحت بهم اقتلوه رحمة به لأن ما حدث لا يمكن إصلاحه".
"أنا الآن أبكى وأنا أتذكر ذلك الآن، لكنى كنت أبكى حينها أيضًا، وأنا أنظر للأطفال المرعوبين وكان معى مترجم فورى وفتحت محفظتى وأعطيتهم 20 دولارًا كانت كل ما معى وجعلت المترجم ينقل لهم أسفى عما فعله الأحمق".
"هل تم إبلاغ السلطات بما حدث؟ هل حدث شيء لعقاب المخطئ بأى وسيلة؛ كلا، لم يحدث شيء البتة".
قال الاخصائى كريستال إن هذه الحوادث كانت "منتشرة جدًا".
وفقًا للحوارات مع 24 من المحاربين القدامى ممن شاركوا فى مثل هذه الغارات، فليس هناك هوادة أو رحمة بالعراقيين تحت الاحتلال. تهاجم القوات الأمريكية المنكوبة ـ باستعلامات ومخابرات ضعيفة ـ الأحياء والضواحى حيث يقتحم المتمردون المنازل أملاً فى مفاجأة المقاتلين أو العثور على الأسلحة، لكن مثل هذه المرات نادرة الحدوث.
ومن القصص الأكثر شيوعًا هجوم الجنود على منزل ما وتدمير ما به من ممتلكات فى محاولات بحث فاشلة بلا جدوى عن الأسلحة، ويحاول المدنيون المرعوبون بكل جهد إصلاح الممتلكات المدمرة ويبدأ عذاب طويل فى محاولة استرجاع أفراد الأسرة ممن قبض عليهم كمشتبه فيهم.
كانت تقع الغارات عادة ما بين منتصف الليل والخامسة فجرًا وفقًا لأقوال القائد جون برونز البالغ من العمر 29 عامًا من "فيلادلفيا" والذى يقدر أنه اشترك فى غارات على حوالى 1000 منزل عراقي، وخدم الجيش فى بغداد وأبو غريب تلك المدينة التى اشتهرت بسجنها الشنيع، والتى تقع على بعد 20 ميلاً غرب العاصمة، مع الكتيبة الثالثة الفرقة الأولى مدرعات فى الفيلق الأول لمدة عام واحد بداية من أبريل-نيسان 2003، ويتشابه وصفه لإجراءات الغارات كثيرًا مع ثمانية من المحاربين القدامى ممن خدموا فى مواقع مختلفة مثل كركوك وسمراء وبغداد والموصل وتكريت.
قال القائد جون برونز: "الهدف كان مباغتة الناس على حين غرة فى نومهم". تشترك حوالى 10 قوات فى كل غارة، حيث تظل 5 قوات بالخارج والقوات الباقية تقوم بتفتيش المنزل.
بمجرد أن توجهت القوات أمام المنزل، وكانت بعضها يرتدى خوذات واقية وسترات واقية ومعهم ـ بالإضافة إلى أسلحتهم ـ آلات إطلاق القنابل اليدوية، يقومون بركل الباب والدخول عنوة، وقال القائد برونز الذى وصف الإجراءات فى أسى بالغ: "يقتحم الجنود المنزل وينيرون الأنوار إذا كانت مطفأة ـ إذا كانت تعمل، أو يستخدمون البطاريات الضوئية.... ويظل فريق بالبنادق بالخارج وفريق آخر بالداخل وكل قائد للفريق معه سماعة على رأسه وميكروفون ليتصل بقائد الفريق الآخر بالخارج".
"ثم يصعدون السلم ويقبضون على رجل المنزل من على فراشه أمام زوجته ويثبتونه على الحائط، ثم تأتى القوات ذات المستوى الأصغر "الخواص من الدرجة الأولى" وهم إخصائيون يقتحمون الحجرات الأخرى ويقبضون على باقى أفراد الأسرة، ويجمعونهم معًا، ثم يفتشون الحجرات ويمزقون كل ما بها للتأكد من عدم وجود أسلحة أو شيء آخر للهجوم".
"ثم يؤتى بالمترجم الفورى ويتم توجيه البندقية على رجل المنزل ويبدأ الاستجواب: "هل بحوزتك أى أسلحة؟ هل لديك دعاية مضادة لأمريكا أو أى شيء آخر يثبت تورطك مع أنشطة المتمردين أو العناصر المضادة لقوات التحالف؟".
"بالتالى سينفى ولن يصدقه أحد، ويتم تمزيق المقاعد والأرائك وقلبها ثم تفرغ الثلاجة ومحتوياتها على الأرض إذا كان يملك ثلاجة، ثم تفرغ الأدراج... والدولاب وتلقى كل ملابسه على الأرض، وفى النهاية يترك منزله وكأن إعصارا داهمه".
"إذا وُجِد أى شيء، يتم اعتقال الرجل وإذا لم يتم العثور على أى شيء يقولون: "آسفون للإزعاج، طابت ليلتك" لقد أهانوا الرجل أمام كل أسرته كلها وروعوا كل الأسرة ودمروا منزله، ثم يتوجهون للمنزل التالى ويفعلون كل ذلك فى مئات المنازل".
كل غارة أو "عمليات الكوردون والتفتيش"، كما يطلق عليها، تشمل 5 ـ 20 منزلاً كل ليلة وبعد سلسلة من الهجمات على الجنود فى مكان محدد يأمر القادة فى العادة المشاة بشن غارات للبحث عن مخابئ الأسلحة والذخيرة أو المواد التى تستخدم لصنع القنابل اليدوية. كل عائلة عراقية مسموح لها بالاحتفاظ بسلاح"AK – 47" فقط فى المنزل، لكن وفقًا لبرونز فإن من وجد لديهم أسلحة إضافية قبض عليهم وذهبوا إلى السجن ويتم وصف العملية بأنها عملية ناجحة، حتى إذا كان واضحًا أنه ليس من أفراد العائلة أحد ينتمى للمتمردين.
قبل الغارة، ووفقًا لوصف عدة محاربين قدامى، يقوم الجنود كالعادة بإخلاء المنطقة وعزلها بمنع الناس من الدخول أو الخروج، وفى الاجتماعات الصغيرة قبل الغارات، وفقًا لما قاله القائد برونز يخبر القادة العسكريون قواتهم أن الحى الذى سيغيرون عليه "منطقة عدائية بها مستوى مرتفع من التمرد" وكانت مكانًا لقوات البعثيين السابقة أو إرهابيى القاعدة.
وقال القائد برونز : "إذن لدينا كل هذه القوات وكلها مشحونة انفعاليًا ومتحفزة، والكثير منهم يظن أنه خلف الباب هناك من فى انتظارهم بالأسلحة ليطلق عليهم النار".
يقدر القائد داستن فلات البالغ من العمر 33 عامًا من "دنفر" أنه أغار على آلاف المنازل فى تكريت والسمراء والموصل، وخدم فى كتيبة المشاة رقم 18 فى الفرقة الأولى مشاة لمدة عام واحد منذ فبراير-شباط 2004 وقال: "لقد روعنا المدنيين للغاية فى كل مرة نقتحم منزلاً".
وقال الاخصائى على عون البالغ من العمر 23 عامًا من الحرس الوطنى من "نيويورك " انه أدار قوات الأمن المحيطة بمدينة "الصدر" وقام بمائة غارة تقريبًا فى خدمته مع فرقة الشرطة العسكرية 89 لمدة "شهر منذ أبريل-نيسان 2004، وقال إنه عندما يداهم العساكر منزلاً يحيطونه بقوات "الهامفيز" ويحرس الجنود المدخل للتأكد من عدم هروب أحد، وإذا كانت الغارة على مدينة بأكملها فى عملية واسعة النطاق، يتم عمل كردون حولها، وذلك كما قال الاخصائى جاريت ربنهاجن البالغ من العمر 32 عامًا من "مانيتو سبرنجز" فى "كولورادو" من الكشافة الفرسان والقناصين من الكتيبة 63 مدرعات، فى القسم الأول مشاة وكان ممن انتشروا مع القوات فى بعقوبة لمدة عام من فبراير-شباط 2004.
وتذكر القائد تيموثى جون ويستفال البالغ من العمر 31 عامًا من "دنفر" ليلة صيفية عام 2004، وكانت الحرارة حارقة حيث وصلت إلى 100 درجة "فهرنهايت"، عندما كان هو و 44 جندياً أمريكياً يغيرون على مزرعة ممتدة على ضواحى تكريت. قال القائد ويستفال الذى خدم لمدة عام من الكتيبة 18 مشاة فى الفرقة الأولى مشاة بداية من فبراير-شباط 2004، قال إنه علم بأن بعض الرجال فى المزرعة كانوا من المارقين المتمردين فقاد قواته من المشاة بشكل آلى نحو تنفيذ المهمة وتأمين المنزل الأساسي، بينما اقتحم 15 رجلاً المزرعة. واقتحم ويستفال مع رجاله السياج المحيط بالمنزل متوقعين مواجهة مع متمردين مسلحين.
أدرنا البطاريات الضوئية... وأخبرت رفاقى قائلاً: "بعد أن أعد حتى ثلاثة، وجهوا الضوء نحو وجوههم وأيقظوهم!".
كانت بطارية ويستفال مثبتة على بندقية "كاربين إم – 4"، وهى نسخة أصغر من البندقية "إم ـ 16" وبالتالى عندما يصوب البطارية يصوب البندقية وفعل ذلك ويستفال لأول مرة نحو رجل يبدو فى الستينيات من العمر.
"صراخ الرجل كان يمزق القلوب ويجعل الدم يهرب من الوجه وجعلنى أفزع للغاية، فلم أسمع مثله من قبل وكان الرجل مرعوبًا جدًا ويمكننا تخيل ما الذى كان يفكر به وهو يعيش تحت حكم صدام".
لم يكن سكان المزرعة من المتمردين، لكنها أسرة تنام بالخارج بسبب الحر الخانق وكان الرجل العجوز الذى أخافه ويستفال رب هذه الأسرة.
"بالتأكيد أيقظنا باقى النائمين، العجوز ورجلين آخرين ربما هم أبناؤه أو أقاربه والباقون من النساء والأطفال، ولم نجد أى شيء".
"هناك مئات القصص لحوادث مشابهة كالتى ذكرتها لك، مع اختلاف العائلات والتوقيت والظروف".
بالنسبة للقائد ويستفال، فقد كانت تلك الليلة نقطة تحول: "أذكر أننى تذكرت داخلى أننى أرهبت شخصاً آخر تحت مظلة العلم الأمريكى ولم يكن هذا سبب التحاقى بالجيش".
الاعتقالات العشوائية
حتى مع الأعذار الواهية للاعتقال، قال بعض الجنود إن أى عراقى يتم اعتقاله أثناء الغارة يتم معاملته بشك شديد جدًا. والعديد من الجنود قالوا إن الاعتقال يتم لشباب فى سن التجنيد بدون أدلة ويتم تعذيبهم أثناء سير التحقيق. ويقول ثمانية من المحاربين القدامى ان هؤلاء الرجال يربطون بحبال بلاستيك فى أيديهم وتغطى رؤوسهم بالأجولة على الرغم من منع هذه الممارسات منذ فضيحة سجن أبو غريب، وقال خمسة جنود إن هذه الممارسات مستمرة.
قال القائد كانون: "رغم الحظر استمرت هذه الممارسات وأذكر أنه فى الموصل "فى يناير-كانون الثانى 2005" كنا نلقى بالرجال فى الغارة فى مؤخرة سيارة "برادلي" مكبلين وعلى رؤوسهم أغطية وأجولة وكانوا يتقيئون وكانوا مرضى ومتوترين وأحيانًا يتبولون من الفزع. هل يمكنك تخيل أن يقتحم الناس منزلك ويعتقلونك وأسرتك تصرخ حولك؟ وإذا كنت حقاً بريئاً لكن بلا دليل براءة فما الحل؟ إنه لأمر مرعب للغاية". قال الاخصائى وبنهاجن إنه لديه فكرة ضئيلة عما يمثل عملية تهريب أثناء الغارة: "لم يكن معنا مترجم أحيانًا ونجد صور مقتدى الصدر أو السيستانى ولا نعرف ما هو مدون عليها فنلقيها فى الشارع ونصادر الأشياء ونجعل الجيش يتعامل معهم".
يشهد القائد برونز والقائد بوكنجرا وغيرهم أن هناك عنفاً وانتهاكاً جسدياً يتم للعراقيين فى الغارات بشكل كبير ومنتشر. يقول بوكنجرا: "الجنود لم يغيروا معاملتهم للعراقيين، لقد خولنا لهم سلطة كبيرة للغاية لم يحصلوا عليها من قبل وقبل أن نتدارك الأمر كانوا يركلون السجناء المكبلين بالأغلال. ونعرف أن من قبضنا عليهم ليسوا من المتمردين وإذا قال أحد إن: " هذا الفتى يزرع المتفجرات فى الطريق" ـ ولا نعرف من المقصود ـ يدفعه الجنود إلى مؤخرة السيارة ويجرونه إلى السجن".
عشرات الآلاف من العراقيين ـ يقدرهم العسكريون بأكثر من 60 ألفا ـ اعتقلوا وسجنوا منذ بداية الاحتلال وتركوا عائلاتهم يمرون عبر نظام السجون المعقد العشوائى ولا يجدونهم. قال المحاربون القدامى إن معظم المساجين أبرياء أو ارتكبوا جنحاً صغيرة.
قال القائد بوكنجرا أثناء أول شهرين من الحرب إنه تلقى أوامر بحبس واعتقال العراقيين بناءً على ملابسهم فقط: "كانوا يخشون الزى العربى والعسكرى كالحذاء الثقيل وكانوا يعتبرون من يرتديها من الأعداء ويكبلونهم بالأغلال ويسجنونهم. وعندما يتعلق الأمر بمحاولة معرفة عدد الأبرياء، فإنك لن تجد أكثر من 10% فقط أبرياء".
أحيانًا فى صيف 2003 يقول بوكنجرا إن قواعد الغارات كانت تصبح أكثر ضيقاً: "أذكر أنه فى بعض الغارات يسجن كل من فى سن التجنيد، على سبيل المثال، نبحث عن الذكور البالغ أعمارهم 25 عامًا فى كل المنازل، والمشتبه فيهم ما بين 15 ـ 30 عامًا". " منذ عودة بوكنجرا من العراق ذهب لطبيب نفسى ليعالج نفسه من الصدمات النفسية فى الحرب وقال إن مهمته أن يقنع الآخرين بتقليده".
قال الاخصائى ريتشارد مورفى البالغ من العمر 28 عامًا من الجيش الاحتياطى من بوكوتو فى بنسلفانيا والذى خدم 13 شهراً فى الكتيبة 800 من الشرطة العسكرية فى سجن أبو غريب إنه كان مندهشاً من عدم وجود معاملة لائقة للمساجين الذين يحرسهم وعدم التحقيق معهم بعدالة.
ذهب مورفى للعراق فى مايو-أيار 2003 لتدريب العراقيين من أفراد الشرطة فى جنوب مدينة الهيلا لكنه انتقل إلى أبو غريب فى أكتوبر-تشرين الأول 2003 عندما تم استبدال وحدته بأخرى تنتمى للوطن. "تحدث مع ذى نيشن فى أكتوبر 2006 بعد أن خرج من الجيش" وبعد وصوله لأبو غريب بوقت قصير أدرك عدد المساجين الكبير وأنه فى زيادة مستمرة ومطردة وعدد الحراس ما زال كما هو، وفى نهاية الخدمة التى استمرت ستة أشهر كان مورفى مسؤولاً عن 320 سجيناً ومعظمهم كان هو مقتنعا ببراءتهم.
قال مورفي: "كنت أعلم أن نسبة كبيرة منهم أبرياء، وكانت شخصياتهم تتضح لى بعد شهور من المعايشة... فبالاستماع لقصص حياتهم علمت أن تهمهم ملفقة لهم كجماعات".
قال مورفى إن هناك سجينا مختلا عقلياً، وهناك آخر ضعيف البصر لا يرى بالكاد ما هو أمام وجهه وبالتالى لا يعلم ما الذى أتى به إلى أبو غريب "قلت لنفسى ما الذى قد يكون ارتكبه من جرائم؟".
كان مورفى يتمم على السجناء مرتين يوميًا ويسألونه متى سيطلق سراحهم أو يتوسلون إليه ليدافع عنهم وكان يمكنه ذلك من خلال مكتب النائب العام للجيش الذى قال له إن الأمر فى يده: "كان يدلى بتوصياته ويرسلها للقيادة العليا وكانت عملية بطيئة وبلا طائل... لم يكن النظام يعمل كما يجب".
قام السجناء بالشغب للاحتجاج على أحوال معيشتهم فى 24 نوفمبر-تشرين الثانى 2003، وكان الاخصائى إيدن دلجان من جيش الاحتياطى البالغ من العمر 25 عامًا من ساراسوتا كاليفورنيا، حاضرًا وانتشر مع جنود من الفرقة 320 من الشرطة العسكرية فى قاعدة طيران "طليل" ليخدم فى الناصرية وأبو غريب لمدة عام منذ أبريل-نيسان 2003. وعلى عكس قواته الأخرى فى وحدته لم يحاول إيقاف الشغب وقبل أربعة أشهر كف عن حمل سلاح معمر بالرصاص.
قُتِل تسعة مساجين وجُرِح ثلاثة بعد أن فتح الجنود النيران على المشاغبين وعاد الجنود من أصدقاء ديلجادو بالصور الدالة على ذلك وهى صور فاضحة وصدمته مثل صور القائد ميجيا وقال: "كانت صورا حية ومعبرة، رأس مشقوق وكفن يفتحه أحد الجنود ويمثل بالجثة ويمثل كأنه سيأكلها بملعقة الجيش وينظر للكاميرا ويبتسم. هذا انتهاك لأجسام الموتى. اقتنعت بأنها القوة الزائدة والوحشية الناتجة عنها".
كان الاخصائى باتريك ريستا البالغ من العمر 29 عاماً من الحرس الوطنى من فيلادلفيا خدم فى "جلولاء" وكان هناك معسكر اعتقال صغير فى القاعدة التى يخدم بها، وكان مع فرقة المدرعات 252 فى فرقة المشاة الأولى وخدم تسعة أشهر منذ مارس-آذار 2004، ويذكر أن مديره أخبر فرقته: "اتفاقيات جنيف لا وجود لها فى العراق وهذه أوامر مكتوبة إذا أردتم رؤيتها".
حدثت التجربة العميقة الكبيرة للاخصائى ديلجادو فى شتاء 2003 عندما تم تكليفه برئاسة فرقة مقر سجن أبو غريب، وعمل مع الميجور ديفيد ديننا والكولونيل جيرى فيلابوم الذين وردت أسماؤهم فى تقرير الجنرال تاجوبا فى تحقيق الجيش فى فضيحة أبو غريب، وقرأه ديلجادو تقارير عن السجناء ومعلومات عن مكان نقل واحتجاز السجناء فى المعسكرات والمخيمات.
قال ديلجادو: "عندما قرأت ذلك قررت الخروج من الجيش وقرأت كل أوراق سجناء أبو غريب وسبب سجنهم واعتقدت قبل ذلك أنهم قتلة وإرهابيون ومتمردون لكن وجدت الجرائم سرقة وجنحا صغيرة وتزوير مستندات، وكلها جرائم مدنية صغيرة".
"لم يكونوا إرهابيين، وليسوا من أعداء أمريكا بل هم أناس عاديون وكنا نعاملهم بقسوة". ثم فى النهاية قدم دلجادو استقالته لحالة مرضية نفسية ووافق الجيش على الاستقالة فى أبريل-نيسان 2004.
صحافيان امريكى وعراقية يعملان فى مجلة "ذى نيشن" الامريكية. وتجدر الاشارة الى ان "العرب الاسبوعي" سبق لها ان نشرت جانبا من هذه الشهادات خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ووعدت الاسبوع قبل الماضى بنشر ترجمتها الخاصة لجانب اخر من تلك الشهادات "وهى طويلة على أى حال" نقلا عن مصدرها الأصلي.
العرب اونلابن
شهادات جنود امريكيين مارسوا فظائع فى العراق-كريس هدجبين
