في مرات كثيرة سابقة كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يتعمد تجنب حديث الصراحة والإقرار بالأمر الواقع الحادث في العراق، وكان يتعمد الحديث عن مبررات زائفة لإصراره على إبقاء القوات الأمريكية في العراق.
أحياناً كان يبرر البقاء بالخوف على العراق من أن تعمه الفوضى والحرب الأهلية، ويحرص على تقديم قواته على أنها صمام الأمان الوحيد الباقي، وأحياناً كان يبرر هذا البقاء ورفض الانسحاب بالخوف من أن يسيطر تنظيم “القاعدة” وأن يتخذ العراق منطلقاً لتهديد الدول المجاورة، بل والوصول إلى عمق الأمن القومي الأمريكي داخل الولايات المتحدة.
كان الرئيس الأمريكي يتجاهل دائماً بهذا الخصوص حقائق مهمة أبرزها أن العراق لم يعرف أبداً مثل هذا الاقتتال الطائفي والعرقي قبل دخول القوات الأمريكية إليه واحتلاله، وكان يتجاهل أن الشعب العراقي حارب إيران “الإسلامية الشيعية” بجيشه الوطني الموحد من سنة وشيعة وأكراد وتركمان وغيرهم ثماني سنوات من دون أن يشهد هذا الجيش عمليات تمرد أو حدوث انقلاب عسكري يقوده الضباط الشيعة رفضاً لمحاربة إيران “الإسلامية الشيعية”، وكان دائماً يحرص على أن يتجاهل حقيقة أن تنظيم “القاعدة” هو بالأصل “كان مدعوم أمريكيا، وأن هذا التنظيم انقلب على الأمريكيين ووصل بتهديده إلى ذروته في العمق الأمريكي (في 11 سبتمبر/ أيلول 2001) قبل أن يكون ل “القاعدة” أي وجود في العراق، أي أن إمكانية وصول القاعدة مرة أخرى، أو حتى مرات أخرى إلى العمق الأمريكي ليس له علاقة بوجود “القاعدة” أو عدم وجودها في العراق.
تجاهل بوش الحقائق لم يعد ممكناً، خصوصاً بعد أن شاهد العالم كيف توحد الشعب العراقي كله في لحظات معدودة عندما أطلق حكم المباراة الختامية لنهائي كأس آسيا لكرة القدم صافرته ليعلن فوز الفريق العراقي المكون من شباب أبطال من كافة طوائف وأعراق العراق. شهد العالم كله بأم عينيه كيف انسابت دموع الفرحة من عيون ملايين العراقيين في لحظة واحدة وحدت العراق، وأطلقت صرخة مدوية رافضة لكل أكاذيب التضليل عن الحل التقسيمي للعراق. وتجاهل هذه الحقائق لم يعد ممكناً والعالم كله يتابع كيف أن تنظيم “القاعدة” أصبح أقوى مما كان عليه عند دخول القوات الأمريكية إلى العراق واحتلاله، بما يؤكد زيف الأكاذيب حول أن بقاء قوات الاحتلال هو صمام الأمان لاحتواء وتصفية “القاعدة”.
لم يعد أمام الرئيس الأمريكي إلا أن يواجه الحقائق كما هي، خصوصاً بعد أن تفاقمت الضغوط الداخلية وتجاوز عدد القتلى الأمريكيين، وحسب الاحصائيات الرسمية الأمريكية، ثلاثة آلاف وسبعمائة قتيل، ناهيك عن القتلى من المرتزقة في صفوف القوات الأمريكية، سواء كانوا من أتباع ما يسمى “فرسان مالطة” أو غيرهم من المرتزقة التابعين لشركات أجنبية تقاتل بالأجر داخل العراق وتقوم بأغلب العمليات الإجرامية القذرة التي تنسب أحياناً للشيعة وتنسب أحياناً أخرى للسنة.
هكذا اضطر الرئيس بوش أن يعترف ببعض الحقائق وأن ينطق بها وأن يسعى إلى البحث عن أي مخرج سواء بالتعاون مع إيران التي يسعى من ناحية أخرى إلى احتوائها وحصرها داخل ما يسميه “محور الشر”، أو بالتعاون مع ما يسميه “الدول العربية المعتدلة” التي يسعى لوضعها في مواجهة مع “محور الشر”، أو بالاتجاه مجدداً إلى الأمم المتحدة بهدف “عولمة الفشل” بجعل الأمم المتحدة شريكاً في تحمل فضيحة الفشل في العراق.
ففي معرض إصراره على رفض الانسحاب من العراق قال إنه “لن يحدد تاريخاً للفشل” وإنه “لن ينحني أمام الضغوط”. هكذا نطقها بوش: “الانسحاب هو الفشل”.
هذا هو السبب الحقيقي لرفض الانسحاب من العراق: الفشل. ولذلك فإن كل ما يهم بوش الآن هو: إن لم يكن هناك أمل في النجاح، فليكن انسحاباً مشرفاً وبشروط تحفظ ماء الوجه للرئيس الأمريكي وإدارته وحزبه.
هذه حقيقة، لكن هناك حقيقة أخرى أكثر مرارة وهي أن أطرافاً داخلية عراقية وأخرى إقليمية باتت أكثر حرصاً على ابقاء القوات الأمريكية في العراق من حرص الأمريكيين، وتلعب أدواراً أساسية لعرقلة مثل هذا الانسحاب لأسباب تتعلق بخوفها هي الأخرى من “الفشل”.
الدار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
لن نحدد تاريخاً للفشل ..... د. محمد السعيد إدريس
