تلح أوساط الإدارة الأمريكية وبشكل لجوج على إقرار قانون النفط والغاز من قبل مجلس النواب العراقي وضمن دورته الاعتيادية لهذا العام، مستعجلة الأمر، بل إنها وفي ظل هذه الحمى طلبت من المجلس إلغاء إجازته الصيفية بحجة تشريعه لقوانين مهمة يقف في مقدمتها هذا القانون الذي نعتبره اختزالاً لكل الأهداف العدوانية التي شنت الولايات المتحدة على أساسها العدوان على العراق.
ورغم أهمية مثل هذا القانون للعراق وصناعته النفطية، إلا أن ما فيه من الثغرات والالتباسات المقصودة، يجعل من سيادة الدولة على ثرواتها الطبيعية، أمراً مشكوكاً فيه، خاصة وأن الجهد الأمريكي في هذا الاتجاه يتموضع في وضع اليد على الاحتياطات الاستراتيجية النفطية غير المنظورة في الفيض النفطي الذى يعج به السوق العالمي في الوقت الحاضر، وأهم تلك الاحتياطات، ما تختزنه أرض العراق من ثروة نفطية يقدرها اغلب الخبراء، إنها الاولى في العالم. وإذا كانت شعلة (بابا كركر) في كركوك قد أغرت الانجليز في بدايات القرن الماضي على التمركز في العراق ونهب ثروته النفطية، فإن مكامن (نهر عمر) و(اللحيس) و(الغراف) و(مجنون) و(الطيب) ومكامن الغاز الهائلة في الصحراء الغربية، تدفع الأمريكان للاستقتال من اجلها بعد أن اتضحت للغرب عموماً أهمية هذه الثروة على حياتهم وحضارتهم الهادفة للهيمنة على كل شؤون العالم.
ورغم ما قيل من ضرورة هذا القانون للصناعة النفطية العراقية، لكن ما فيه من ثغرات يجعله قانوناً للهيمنة، وأبرز هذه الثغرات ما يتعلق بعقود تراخيص الاستكشاف والتطوير والإنتاج التي تؤلف العمود الفقري للقانون، إضافة إلى إغفال قطاع الصناعات التحويلية المتضمنة للتصفية والتوزيع وصناعة الغاز، ما يجعل شكل الالتباس الحاصل والمقصود، مضراً بأهم ثروة يمتلكها العراق ويرهن بالتالي مستقبل أجياله لدى “الكارتل” العالمي المتمركز بالثروة والسلطة. خاصة وأن الملاحق الأربعة المرفقة بالقانون، ذات طبيعة توضيحية وإرشادية وليست ذات صيغة إلزامية، الأمر الذى يستوجب أن تكون جزءاً من القانون المقترح بحكم تضمنها مسألة تحديد وضع الحقول المنتجة والمكتشفة غير المطورة والقريبة من مركز الإنتاج، هذا غير ضبابية سلطة المجلس الاتحادى للنفط والغاز مثلما جاء في الصيغة المقترحة، مع حصر صلاحية مجلس النواب على التصديق من دون أية صلاحية أخرى، ما يجعله باصماً أكثر منه مشرعاً، وفي ذلك لعبة خطيرة تمرر تحت حجة القبول الشعبي.
إن تمرير مثل هذا القانون من دون الانتباه إلى التبعات المتوقعة من تنافس بين الأقاليم والمحافظات، يؤسس لشكل صراعي دائم ويكرس حالة الانقسام والفوضى ويجعل من العراق وثرواته كرة يتداولها الأقوى. ولعل ما قامت به الحكومة المحلية لإقليم كردستان بالتعاقد مع شركات أجنبية للتنقيب عن النفط وعرض “40” قطعة استكشافية للاستثمار الاجنبي من دون الانتظار حتى إقرار هذا القانون، يوضح مدى التسابق على الاستحواذ والنفوذ، حتى وإن أدى ذلك الأمر لسلوك الفعل العنيف من دون أن ننسى أن تشريع قانون شركة النفط الوطنية العراقية سيظل حبيس الأدراج حتى إقرار هذا القانون وفقاً للرؤية الأمريكية ومن يمثلها من راكبي دباباتها.
إن مسؤولية إدارة الحقول المنتجة والمكتشفة وعدم التنازل عن الاحتياطيات النفطية والغازية وبأية صيغة تعاقدية وتحت أي مسمى، مهمة كل العراقيين الذين عبروا عن رفضهم لتشريع هذا القانون بصيغته الحالية بعد أن تلمسوا مخاطره الجسيمة التى لا تكتفي بنهب الثروة، بل تتعداها لتقسيم الوطن وتفتيته وفقاً لحسابات دولية وإقليمية ومحلية، نزعت عن جبينها حياء الخجل، وتلغي بالتالي كل إنجازات الحركة الوطنية العراقية في هذا المجال، وفي مقدمتها القانون رقم (80) لسنة 1961 وقانون التأميم لعام 1972
- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
قانون الهيمنة على العراق-د.حميد السعدون
