هيئة علماء المسلمين في العراق

العملية السياسية في العراق: دلالات الاستعجال - وليد الزبيدي
العملية السياسية في العراق: دلالات الاستعجال - وليد الزبيدي العملية السياسية في العراق: دلالات الاستعجال - وليد الزبيدي

العملية السياسية في العراق: دلالات الاستعجال - وليد الزبيدي

من يريد ان يعرف بدقة متناهية اين تتجه العملية السياسية الجارية في العراق، عليه ان يدرس مسألة الاستعجال الاميركي في صناعة هذه العملية، وصياغتها بصورتها الحالية. وربما انشغل الكثيرون بالاحداث المتداخلة، والفواجع اليومية المتلاحقة التي تتواصل في حياة العراقيين خلال سنوات الاحتلال، ما ساهم في ابعاد العديد من الاحداث المهمة عن الذاكرة. لذلك، سنحاول هنا دراسة مسألة الاستعجال الاميركي في العراق، وصولا الى تحديد دلالات ذلك.

ان الذين يفكرون في الخروج من البرلمان، او الانشقاق على العملية السياسية في الوقت الحالي، عليهم العودة الى الاساس الذي ابتدأت منه هذه العملية.

اذ يعرف الجميع ان الادارة الاميركية لم توضح قبل الاحتلال الصورة الكاملة لعراق ما بعد الغزو، وبقيت هذه المسألة في حدود التكهنات. الا ان التحليلات والتسريبات تحدثت عن حكم أميركي للعراق يمتد بين أربعة الى ثمانية أعوام.

وعندما وصل الجنرال المتقاعد جي جارنر بعد احتلال بغداد (في 9 نيسان 2003) وضع خريطة تقسيم السلطات الاميركية على العراق، وكانت حصة العاصمة بغداد ومناطق الوسط للأميركية باربارا بودن. ولم يستمر جارنر في سلطانه على العراق طويلا، اذ سارعت ادارة الرئيس بوش الى استبداله برجل له خبرة طويلة في الارهاب، فوصل بول بريمر منتصف أيار 2003 الى بغداد ليخلف جارنر، وليبدأ عمله بإدارة الحكم في العراق.

وبعد اسبوعين من تسلم بريمر السلطة، بدأت اولى ملامح الارتباك في برنامج الادارة الاميركية. فبعد ان تحدث عن فترة حكم اميركي طويلة قبل وصوله بغداد، بدأ الحديث بعد ستة اسابيع عن ضرورة تشكيل مجلس من العراقيين. وبسبب ضبابية الصورة، فقد كان الحديث في البداية عن مجلس سياسي استشاري، لكن بعد مدة وجيزة تم تشكيل "مجلس الحكم" منتصف تموز 2003.

وهنا لا بد من الاشارة الى ان جوهر الارتباك الاميركي، خلال تلك الفترة، يرتبط بظهور مقاومة عراقية غير متوقعة، وقد اعتقد الاميركيون ان تشكيل مجلس الحكم سيسهم بقوة في تخفيف العداء القوي الذي اظهرته المقاومة العراقية للاميركيين.

وانطلق السياسيون الاميركيون من تصورات ساذجة، وعدم فهم لحقيقة المشروع المقاوم في العراق، الذي انطلق بدوره من هدف طرد الاحتلال واقتلاعه من جذوره. ومن الواضح ان تلك التصورات الاميركية السطحية الساذجة قد بقيت حاضرة طيلة مراحل صناعة العملية السياسية، ما جعل عملية "الطبخ" في غاية السوء والارتباك، كما يتجلى ذلك خلال ثلاث مراحل اساسية، بعد مرحلة مجلس الحكم، هي: مرحلة ما اسمي بـ"نقل السيادة"، والانتخابات الاولى، ومرحلة الدستور والانتخابات الثانية.

فبعد ان اعترف بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الاميركي آنذاك وأحد أهم مهندسي حرب غزو العراق، في صيف العام 2003، بعدم توقع الادارة الاميركية ظهور مقاومة عراقية ضد القوات الاميركية، وبعد ان شهد شتاء ذلك العام زيادة كبيرة في عدد الهجمات، اضطر الاميركيون الى اللهاث وراء الشعارات السياسية، وابتدأ حينذاك موسم شعار "نقل السيادة للعراقيين".

وفي الثامن والعشرين من حزيران 2004، اكتمل هذا الشعار، فغادر بول بريمر الذي اراد البقاء في العراق بين اربعة وخمسة أعوام، مستقلا طائرة خاصة. وعندما سأله مراسل شبكة "CNN" الاميركية عن العمل الذي سيؤديه في اميركا، اجاب بالقول: "سأنام"! لان الانفجارات اليومية التي تنفذها فصائل المقاومة لم تتوقف داخل المنطقة الخضراء، وعلى مقربة من مكتبه.

بعد ذلك تسلم واجهة المسؤولية طاقم عراقي(فيما بقي السفير الأميركي صاحب القرار الحقيقي).

وقد تعهد رئيس الوزراء المؤقت حينها، اياد علاوي، وعبر تصريحات عديدة مطلع تموز 2004، بالقضاء على من اسماهم بـ"الارهابيين والقتلة والمجرمين"، وحدد مدة لا تتجاوز عدة اسابيع.
الا ان الذي حصل كان عكس ذلك تماما. ففي تشرين الثاني 2004، ازداد انتشار المقاومة في محيط بغداد وديالى وكركوك، كما ازدادت العمليات في الموصل، اضافة الى مناطق عراقية اخرى عديدة.

ومع فشل شعار "نقل السيادة للعراقيين"، بدأ العمل على المرحلة الثانية، التي اتضح فيها الاستعجال الاميركي على اوسع نطاق. إذ حاول الاميركيون، من خلال الانتخابات النيابية، اقناع الرافضين للاحتلال والمقاومين له بوجود مشروع سياسي عراقي، وهنا سقطوا في القراءة الساذجة للعقول المقاومة للاحتلال الاميركي.

وبسبب ازدياد الضربات الموجعة للاميركيين، التي تنفذها المقاومة في العراق، فقد انعكس ذلك على العملية السياسية التي بدأت في تموز 2003 بتشكيل مجلس الحكم على اسس عرقية وطائفية ودينية، وتواصلت مع ذات النهج.

وأفضل مثال يجسد ذلك الاستعجال، ما شهده العام 2005، الذي يمكن تسميته بـ"عام ماراثون العملية السياسية في العراق". ففي30 كانون الثاني 2005، جرت الانتخابات الاولى، التي جاءت بحكومة الجعفري، وكانت اهم مظاهرها خروج "فرق الموت" ليلا بسيارات وزارة الداخلية مستهدفة المناطق والاحياء التي تناهض الاحتلال وتقاومه. وبدأ الترويج للطائفية والعمل على اشعالها بين العراقيين.

وفي ذات العام، أيضا، جرت عملية كتابة الدستور والاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول 2005. واهم ما حمله هذا الدستور هو التأكيد على تقسيم العراق والسلطات فيه على اساس عرقي وطائفي.

وبعد شهرين، جرت الانتخابات الثانية بتاريخ 15 كانون الأول 2005 التي جاءت بالبرلمان الحالي، والذي برزت فيه القوائم والكتل الطائفية والعرقية. وتسلمت السلطة حكومة نوري المالكي التي اشتعلت في عهدها الفتن الطائفية، وأطلق العنان للميليشيات الطائفية، وظهرت مجاميع غامضة تقتل العراقيين على اساس الطائفة والعرق والمنطقة. كما برزت ظاهرة الاختطاف الفردي والجماعي في زمن هذه الحكومة، وسجلت ارقام القتلى بين المدنيين اعلى درجاتها.

هذا اضافة الى بروز ظاهرة الجثث مجهولة الهوية التي يتم تعذيب اصحابها وتشويه اجسادهم، ثم ترمى في بغداد اثناء ساعات حظر التجوال.

هذه صورة مكثفة للعملية السياسية التي جرى اعدادها وصياغتها على عجل لا مثيل له.

وتكشف انتخابات ودستور العام 2005 حجم الاسراع والعجالة في ذلك: الانتخابات الاولى في 30 كانون الثاني 2005، و الاستفتاء على الدستور في 15 تشرين الأول 2005، والانتخابات الثانية في 15 كانون الأول 2005، ما يعني ان ثلاث عمليات سياسية قد تمت خلال عشرة اشهر ونصف الشهر فقط؛ أي خلال اقل من عام واحد!

هنا تبرز ضرورة التوقف عند دلالات هذا الاستعجال، والطريق التي وصلت اليها العملية السياسية في العراق، وأين تتجه الان. وهذا ليس بغريب على مثل هذه العملية التي استندت الى المحاصصة بجميع امراضها واخطارها، وجرت خطواتها بعجالة غير مسبوقة في العمل السياسي، ولم يكن لهذه العملية من هدف سوى تثبيت الاحتلال، والقضاء على جميع اشكال الرفض والمقاومة.


المقال يعبر عن راي كاتبه فقط

أضف تعليق