هيئة علماء المسلمين في العراق

الدكتور عبد الحليم عويّس ... في ضيافة الهيئة نت
الدكتور عبد الحليم عويّس ... في ضيافة الهيئة نت الدكتور عبد الحليم عويّس ... في ضيافة الهيئة نت

الدكتور عبد الحليم عويّس ... في ضيافة الهيئة نت

الدكتور عبد الحليم عويّس الحديث عن تاريخنا الإسلامي العظيم حديث ذو شجون ، يزداد جمالية ورونقاً عندما تستذكر تلك القيمة التاريخية التي تمثلت في القرون الاولى الخيرة من تاريخ اسلافنا العظيم ... ولعلَّ ما يزيده جمالاً وإشراقاً أيضاً هو ربطه بواقعنا المعاصر واستفادة الدروس والعبر التي يجب على أبناء أمتنا الإسلامية تعلمها في ظل هذا الغزو الرهيب الذي يطال ديننا وحضارتنا وقيمنا وتاريخنا وأوطاننا ...
الحديثُ عن التاريخ الإسلامي ، وكيفية الاستفادة منه لواقع المسلمين ، ومناقشة واقع المسلمين عموماً ، ووضع بلاد الرافدين خصوصاً كانت أهم محاور لقائنا بالأستاذ الدكتور المؤرخ عبد الحليم عويس ... الذي كان معه هذا الحوار :

* نرحبُ بكم فضيلة الدكتور أجمل ترحيب معنا في جريدة البصائر ، ونحن سعداء بكم وبلقائك وقد كنا نسمع عنكم ... وهنا نحب بداية فضيلة الدكتور أن نتعرف على نشأتك ومسيرتك العلمية ولو ملخصاً عنها ؟
- ولدتُ في مركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية وهي محافظة السيد البدوي كما يقولون ولكن هي في الحقيقة محافظة الغزل والنسيج أيضاً، ومدينتي هي المحلة الكبرى أشهر مدن مصر في الغزل والنسيج ، وحفظت القرآن بواسطة والدي رحمه الله ، ودخلت الازهر ، وكنا في ايامنا ندخل الازهر وقد حفظنا القرآن كاملا لا نخطئ فيه ويعمل لنا امتحان قبول وندخل المرحلة الابتدائية التي تعادل المرحلة الاعدادية الآن ، ونمط التعليم آنذاك بعد ان تحفظ القرآن وانت في الثانية عشر تبقى في المرحلتين الابتدائي والاعدادي تسع سنوات ، وبعدها تدخل الجامعة .
وبقيت في الازهر هذه السنوات التسع بعد ان دخلت فيه وقد حفظت القرآن كله ، وتعلمت القراءة والكتابة والحساب وما إلى ذلك من الاشياء الضرورية .. وعندما حصلت على الثانوية الازهرية دخلت كلية دار العلوم جامعة القاهرة وهي كلية معروفة ، وهي وسط بين التعليم الازهري وبين التعليم الحديث ، وتحاول ان تعصرن التعليم الازهري وان تعطيه طعماً ومذاقاً آخر .. وفي الحقيقة أنا أقول ان دخولي هذه الكلية وتخرجي ايضا من الازهر كان نعمة لان هذا المزيج من الثقافة الازهريية والثقافة (الدار علومية) كما يقولون يعني الحمد لله تُزود الانسان بأرضية ثقافية واسعة وتستطيع أن تتكلم في كثير من العلوم ولا سيما اننا في دار العلوم ( مرحلة الجامعية ) لا نتخصص بتخصص معين ، فندرس كل التخصصات الاسلامية :فلسفة اسلامية ، تاريخ اسلامي ، الادب العربي ، مقارنة الاديان ، والشريعة ، وفقه اللغة ، والنحو ، والصرف ... الخ
والحقيقة أنك تدرس كثيراً من العلوم والمعارف ولا يسمح لك ان تتخصص الا بعد ان تحصل على الليسانس ومن ثم تتخصص وقد تخصصت بالتاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية ، وحصلت أيضاً على الماجستير والدكتوراه من كلية دار العلوم .

* لك ما شاء الله مجموعة طيبة من المؤلفات ، متى ابتدأت مسيرة التأليف ؟ في أي سنة ؟
- لله الحمد منذ كنت طالباً في السنة الثالثة الثانوية في الازهر وانا أؤلف ، فالسلم الثانوي كان خمس سنوات في ذلك الوقت يعني السنة الثالثة ثانوي في الازهري تساوي عمليا السنة الاولى الثانوي في المدارس ، ومع ذلك ألفت كتاباً اسمه (( قصص اسلامية )) وقد أسهم في طباعته كثير من اخواننا في المعهد الديني الذي كنا نتعلم فيه في مدينة المحلة الكبرى ، ونشر ووزع في ذلك الوقت ، وعرضت له بعض الصحف ، ومن ثم كانت تُنشر لي كلمة في جريدة القراء لأنني كنت أتعامل مع الجريدة على انها رسالة ، وأدخل في معارك وأنا في نادي القراء ونادي الكلية ، ودخلت في معارك مع الكاتب الاسلامي المعروف محمد عبد الله السمان من كبار المفكرين الاخوان في ذلك الوقت ، والرجل اكتشف انني طالب في ثانوية ازهرية وعجب لهذا وقال لي : كنت أتمنى أن تكون أكبر من هذا ، وإن كان هذا يبشر بخير ، وأخذتُ انشر المقالات واحضر الندوات ، بل وصعدت أنا واخي الدكتور احمد هاشم في كلية اصول الدين الذي كان يسبقني بسنتين على مسرح جمعية الشبان المسلمين أيام كانت جمعية الشبان المسلمين متألقة ، وأيام كانت محوراً من محاور الثقافة في القاهرة ، فصعدت على المسرح مع الدكتور احمد عمر هاشم وكان يتكلم هو شعراً ، وأنا أتكلم نثراً وكنا نجد من يحنو علينا ويرعانا الشيخ أحمد الشربيني والشيخ محمد الغزالي رحمهما الله والدكتور عبد الصبور شاهين ، كانوا يدفعوننا دفعا لهذا ، وقد كنت تعرفت على مجلة الاعتصام التي كانت لسان حال الجمعية الشرعية ، التي من قدر الله انني رئيس تحرير مجلتها الان ، واصحاب الاعتصام كانوا من الناس الافاضل وكانوا يملكون دورا للنشر كثيرة ومنها دار الاعتصام ، وأصبحت أخاً لهم ، والحمد لله كنت اشتغل معهم في المجلة ونخرج المجلة معاً ، وأنا لازلت طالباً في الجامعة في ذلك الوقت ، وبعد أن تخرجت من الكلية بقي النشاط نفسه ، وكنت أيضاً أحاول أن أتعلم على يد الدكتور محمد عاشور والدكتور محمد البنا في قضية التحقيق والتعليق ، وأجلس معهما ، وهما محققان كبيران ، وهكذا عشت في الجو العلمي وسجلت الماجستير في ذلك الوقت في (( دولة بني حماد في الجزائر )) ؛ لأني كنت معجباً بالتجربة الجزائرية بعد ان زرت الجرائر وجلست فيها سنة جمعت المادة ، ثم انتقلت الى الكويت واتممت الماجستير وأنا في الكويت ، ثم عدت الى مصر وسجلت الدكتوراه ، وبقيت مدة ، وعملت في السعودية فترة ، ثم جئت لمصر وبقيت سنة ؛ لأنَّ المشرف الدكتور احمد شلبي - الله يرحمه - اشترط هذا ، وبعدها رجعت ، وفعلاً أخذت الدكتوراه وأنا أعمل في السعودية .

* فضيلة الدكتور ننتقل الآن إلى مناقشة واقع المسلمين الحاضر ... يعني بعض الناس اليوم يتهممون المسلمين بانهم تخلفوا عن ركب الحضارة ... هذا الاتهام كيف يراه الدكتور عبد الحليم وهل هو اتهام صحيح ؟
- بصرف النظر عن الاسباب لا نستطيع أن ننكر أننا الآن أمة متخلفة علمياً وأننا نعاني من ازمة حضارة الان ، وانا والحمد لله ممن درسوا مالك بن نبي وتتلمذوا عليه وأشعت فكره في مصر ، وأشرفت وناقشت طالبا للدكتوراه في جامعة عين شمس وهو تلميذي العزيز سليمان الخطيب رئيس قسم الفلسفة والعقيدة في كلية دار العلوم جامعة المنيا في فلسفة مالك بن نبي (( فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي )) وبكل المقاييس فإنَّ تقيس وضعنا الحالي فنحن أمة متخلفة ولكن يرتبط بهذا أسباب للتخلف ، ولا أدعي ولا أملك أن  أدعي أن كل الافراد متخلفون بالعكس نحن عندنا افراد عظماء وشرائح كثيرة لا يعلم الناس عنها شيئا شرائح عظيمة وتعلم الاسلام على اعلى مستوى من الرقي ، لكن المشكلة في تشرذم وتمزق العمل ، وفي أن هذا العمل لا يتقولب قولبة معينة بحيث وضعوا قطاره فوق القضبان الصحيحة فيبدده الحكام طوراً ويبدده خصوم حضارتنا ممن يحملون اسماءنا وهم صفوة مستلبة انتزعها الغرب منا واشتراها تدعي التنوير ، وهي تقوم بالتزوير ، وتدعي التحضر وهي في الحقيقة تدعو للتخلف ؛ لأنَّ البناء لا يكون الا على أساسٍ وتطابقٍ صحيح ، فعندما تريد ان تنقل دماً من شخص الى شخص اخر عليك ان تتأكد من ان فصيلة الدم واحدة والا فانت تقتله ... أمتنا لها فصيلة معينة ، لا يصلح العرب غير نبي كما قال ابن خلدون ، ولن يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح أولها ، لكنهم لا يؤمنون بهذا ، يؤمنون بأنَّ التقدم على النمطية المركزية الاوربية كأنها ماركة مسجلة تصلح لكل الناس ، لا . اليابان الى حدٍ ما قبلت أشياء ورفضت اشياء .. والصين نفس الشيء ، والهند كذلك .. والهند ما زالت تعبد الابقار وترى ان هذا صمام امان لها ، إنها تنتحل ديناً .. لكن أنا اقول لك ان تتحد الامة على باطل ، وإن تتشبث بباطل ؛ حفاظاً لها على شخصيتها خير لها من أن تتشرذم وأن لا يكون لها شيء ، تتسلح بعقيدة باطلة قد تصلح أكثر من عقيدة صحيحة شكلية لا يعمل بها أهلها ، وقد ضرب الشيخ ابو الحسن الندوي مثلا لهذا بصورة الاسد وحقيقة القط .. المسلمون صورة أسد كانوا ينصرون بالرعب وينشرون الدين بالهيبة ، واليهود بالنسبة لهم كلب حقيقة ، لكنه فاعل وكلب حي ومؤثر .. ومع الأسف منا من ينتمي بعقله وقلبه إلى اليهود الان .. فاليهود حقيقة فاعلة بينما المسلمون حقيقة صحيحة ولكنها شكلية لا حياة فيها ولا روح فيها ، فالعقيدة لابد منها في بناء الحضارة وهي المفعل والوقود ، والمسلمون الان في كل طور من أطوارهم يسقطون .. مرةً يتعلقون بالشيوعية والاشتراكية فوق كل شيء ، ويرمون أنفسهم في أحضان الاتحاد السوفيتي ، وإذا ما فشل الاتحاد السوفيتي لم يفكروا في أنفسهم وفيما عندهم ، بل انتقلوا فوراً إلى التبعية ، أو الى الليبرالية ، ويتكلمون بالليبرالية والحرية والديمقراطية ... هل دينك ليس فيه حرية ؟ هل دينك ليس فيه ديمقراطية ؟ قبل ان تبحث في عيوب الآخرين فتش في عيوبك وانظر في رفع رصيدك وحسابك ؟

* طيب دكتور حالة التخلف هذه مسؤولية مَنْ ؟ هل هي مسؤولية الأفراد أم الشعوب أم الحكومات ؟
- نستطيع ان نقول بصراحة ان الامة كلها تتحمل اقدار من التخلف ولكن النسبة هو ما يختلف فيها ، وأنا أرى ان الحكام يتحملون نسبة 70% او 60% على الاقل ، والعلماء 20 أو 30% وانا اقول ان الدعاة وعلماء الدين بل إن كل المسلمين عليهم وزر ، بكل تأكيد وهو وزر مضاعف ومركب ، ولكن اقول يرغم الحاكم على طريقة معينة ؛ لاننا في عصر اصبح الحاكم يتحكم فيه ... الحاكم يتحكم في المنبر ، والوسيلة الاعلامية ، بل ويتحكم حتى في المسجد ؛ فيغلقه في وقت معين ويفتحه في وقت معين ..كنا في ايامنا نذاكر في المساجد وكانت المساجد مفتوحة لكل الناس ، ولا سيما الفقراء الذين يجدون في المسجد المأوى لهم ، لكن الآن اغلق المسجد واريد له أن يكون دار عبادة روتينية فقط ، كأنه كهانة ولا هوت فقط ، وبالتالي فإنَّ الحكام يتحملون 70% على الاقل من وزر التخلف على هذه الامة .. وعلى سبيل المثال هم الذين يتحكمون في التعليم ، وفي المناهج ، وفي وسائل الاعلام ، وهم الذين يتحكمون في الخطط والمقررات الدراسية ، ويلعبون بها .. والازهر الذي تعلمنا فيه الاعدادي والثانوي تسع سنوات أصبح الآن ست سنوات ؛ فتقلص بطريقة يعجز عن ان يستطيع ان يخرج داعية متمكن في اللغة العربية وآدابها ، ومتمكن في العلوم الشرعية وهي كثيرة ، والعلوم الانسانية التطبيقية التي كانوا يفرضونها عليهم .

* وماذا عن هذا التغريب الذي غزى الأمة الآن فكرياً واجتماعياً واخلاقياً ؟
- كلامي لا يعني انني متفائل بالنسبة للأمة ، ولكنني أرى أن الامة ستبعث من جديد ، وكلامي أيضاً لا يعني أنني أنزع عن الامة كل مسؤولية ، بل عليها قدر كبير من المسؤولية .. الامم المحصنة تقف ضد هذا ، رجال المال ، والاعمال ، والاعلام ، ورجال الفكر عليهم مسؤولية .. لكن للأسف الشديد لقهر الاعلام ، وقهر الوظائف ونتيجة ايضا لعدم ولاء الحاكم لانه يحتمي بقوة - والمفروض أن تكون هذه القوة ملكاً للوطن أصبح ملكاً للحاكم ، الشرطةُ والامن والجيش لم تعد ملكاً للوطن ، وأصبحت ملكاً للحاكم يحتمي بها ، لذلك الامة الآن حائرة ماذا تفعل .

* طيب دكتور ، الدعاة إلى الله والعلماء الربانيون أليس لهم دور في هذا الانبعاث والدعوة إلى التجديد لإعلاء راية الدين في ظل الصحوة التي يتحدث عنها الكثير من الناس ، وفي ظل المكر المتواصل الذي يريد الإطاحة بالأمة الإسلامية ؟
- أنا متفائل وأرى أن أي تخطيط سيقابله الله تعالى بتخطيط مقابل لأن هذا الدين جاء ليبقى ... (( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )) (( وإن كان مكرهم لتزول منها الجبال )) (( ولا يحيق المكر السيء الا بأهله )) وأنت ترى كثيراً من الطواغيت قد مكروا وحاولوا ان يكونوا أصناماً او آلهة وكم استبدوا ومع ذلك فإنهم وأسرهم أول من يصابون بالأذى ، ولا يعتبرون من ذلك ؛ لأنهم غير مؤمنين ، ومن يأمن مكر الله لا يؤمن ... وأبو بكر رضي الله عنه كان يقول : لا آمن مكر الله ولو كانت احدى قدمي في الجنة ، وهم يخافونه ويخشونه !! أما الآن فالواحد منا عمره الافتراضي انتهى وقدماه وخطواته القادمة في القبر ، ومع ذلك لا يخشى الله ولا يؤمن بالموت وهم عن الاخرة غافلون ، وهذه هي المصيببة .. وربما يتحمل الدعاة والعلماء شيئاً من هذا القدر لو استطاعوا أن يصلوا أو يوصلوا الايمان إلى هذا الانسان أو إلى الحكام بطريق حكيم لأن بعضهم إما أن يعمل بطريقة خشنة ونفرة ، وأما أن يعمل ليحقق لنفسه مصلحة ، ولكن أخواننا في الهند – مثلاً - عبر مراحل التأريخ المعروفة استطاعوا أن يوصلوا الايمان بالادب والحسنى والتودد إلى من سيكونون حكاماً في يوم من الايام ، وعلى رأس هؤلاء الشيخ أحمد بن هلال السرهندي العلامة .. كان جلال الدين أكبر سلطان في الهند ، وشبه مرتد ، ويتقرب إلى الهندوس ، فأحمد السرهندي أحد الصالحين قام يتقرب إلى أولاده ويرسل لهم وللحاشية حتى ما ذهب هذا وجاء ابنه وبعده حفيده رجع كل شيء إسلامياً كما كان بالدعوة للحسنى (( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى )) .

* في ظل هذه المسؤولية ... هناك أزمات يمر بها العالم الاسلامي مثل الفضائيات التي غزت البيت المسلم ،، وهذه الفضائية تحمل افكاراً معينة .. كيف يمكن أن نجّند الفضائية لخدمة القضية الاسلامية في ظل هذا الغزو الرهيب ؟
- أنت تتكلم عن الغزو كانه قدر غالب !!

* لا يا دكتور هذا أصبح واقع !!
- صحيح هو واقع ، ولكن هب أن دولة محتلة تقول لك انني دولة محتلة وهذا واقع ، ولكن أيضاً لا أقبل باستمرارية الاحتلال ... وأيضاً لن أقبل باستمرارية الغزو الفكري !! لماذا لا اعمل على ان انتقل من مرحلة الدفاع الى مرحلة الهجوم ؟ هذا الذي اصابنا ... إنَّ الذي اقتحم عالمي بسبب أن عالمي فوضوي ومتخلف ، فعليَّ أن أرتب بيتي من الداخل وأن أحصن بيتي وأولادي (( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً )) .. وأحصن عالمي وأن أكف عن التناطح الداخلي يعني ليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه أو لنعالج ما اختلفنا فيه بأدبِ الحوار والود وليس بالرفض والتكفير .. والسؤال أيضاً : هل تريد عالما يمتد فيه الاسلام بدون عوائق وعقبات ؟ هل تريد أن تدخل الجنة مجاناً ؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق كان يجد عداء من أهل بيته وكانوا يضعون له الأشواك في الطريق ... الخبابُ بن الأرت رضي الله عنه لما جاء في نهاية سنة 12 للهجرة قال للرسول صلى الله عليه وسلم : أدعُ الله لنا يا رسول الله ليفرج عنا ، قال له عليه الصلاة والسلام : لا لقد كان من قبلكم من كانوا ينشرون بالمناشير .
الدعوة لا بد لها من ثمن ، والكلمة لابد لها من ثمن ، أنا لا يهمني الغزو الفكري بقدر ما يهمني أخواني الضائعين التائهين ، المبعثرين لخطواتي ، الممزقين لعملي ، الذين يعملون لحساب الغازي .. هؤلاء منافقون ، وهؤلاء طابور خامس ، هؤلاء الذين يحبطون أعمالي داخل البلاد ... أما الغزو الفكري فهو شيء ناتج من ضعفي ، وهم اعداء وما قالوا يوماً نحن أصدقاء وإذا قالوا فلا يصدقهم إلا كذاب منافق (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )) ، الذي يصدق أن إسرائيل ممكن ان تصبح صديقاً ، أو أمريكا يمكن أن تصبح صديقاً أو توفر له ديمقراطية أو حرية هذا انسان مجنون يخادع نفسه ، وهناك الان طوابير تتظاهر ونعرف تماماً إنها في خندق الجنون لكنها خائنة ، تريد عرض الدنيا تريد جوائز ومؤتمرات وظهور في القنوات الفضائية غير المحترمة التي يعطى فيها الانسان مبلغاً باهضاً فما يأتي به الاعداء شيء طبيعي ، لكن التحدي رقم واحد هم هؤلاء الخونة الذين يمثلون الغرب الان عندي ، ويعملون على هدم المنظومة الحضارية الاسلامية ، ويعتبرون أنَّ من الجنون ان تفكر في عودة الحضارة الاسلامية ، يرون أن استيرادنا للمنظومة الغربية في النقد والفكر والاقتصاد كل لا يتجزأ !! كيف لا يتجزأ ؟ إذا كان الاقتصاد نابع من القرآن .. إذا كان الفكر التربوي نابع من القرآن (( إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )) الذي هو كل لا يتجزأ العلوم التطبيقية كعلوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات ، نتعاون مع البشرية في مجالات كثيرة كمقاومة تلوث البيئة وغيرها ، أما كل لايتجزأ لا نترك الذي عندنا ونكون لهم عبيد ؛ لأنَّ العبد لا يصنع حضارة .

* دكتور مع كل ما تفضلت به لا شك أن لنا ارتباطاً وثيقاً بالتأريخ .. كيف نجيّر هذا الارتباط لخدمة قضيتنا الاسلامية اليوم ؟
- يؤسفني أن أقول أنا شخصياً أعاني من هذا كله أنا ممن يميلون إلى إنصاف كل التاريخ الاسلامي .. التاريخ الاسلامي تاريخ بشر وليس تاريخ ملائكة ، لم نقل أبداً أنه تاريخ ملائكة أو معصومين أبداً ، هو تاريخ بشر يخطؤون ويصيبون ... أبو بكر رضي الله عنه اختلف معه عمر رضي الله عنه لكن عمر سرعان ما عرف أن أبا بكر على حق فوافق على بعث أسامة مع أنه كان يعتقد بعدم بعث اسامة ، وهكذا كان الصحابة بشر وكانت لهم عقول واجتهادات ، لكنهم يجعلونها بالحكمة والشورى والأدب ، فأنا إذا جئت أقول هذا للناس ، وقد قلت هذا في اجتماع للاسف الشديد أخيراً في صوفيا حددوا لي بالضبط من الذي يكره آل البيت ... أنا لا أعرف أحداً يكره آل البيت !! ائتوني أنتم من الذي يكره علي بن ابي طالب والحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم جميعاً ، مَنْ ؟ كلنا نلقى الله نحب آل البيت ونؤمن عندنا بأنَّ علي بن ابي طالب رضي الله عنه أفضل من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، لكن أنا ما أحاربه هو أن أنشغل بسب معاوية رضي الله عنه وهو صحابي جليل أو أرفض والغي كل أعمال الدولة الاموية الصالحة ، هذا من الظلم . الاسلام ليس دين سباب وشتائم ، وأنا أؤمن بأنَّ الصحابة هم جزء من آل البيت ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال : (( سلمان منا آل البيت )) .. هل أبو لهب من آل البيت ؟ لا ؛ لانه كافر ، لكن سلمان وبلال والصحابة جميعاً الذي كان الواحد منهم يحب رسول الله ويفديه بقلبه ودمه : من آل البيت ..
فالتاريخ الاسلامي تاريخ عظيم ، وصنعوه بشر عظماء ليسوا ملائكة ، وليسوا معصومين لكنهم قدموا أفضل تجربة .. أنظر ما كتبه ديور نت عن أساليب نشر الدعوة عن طريق التاجر الامين ، وعن طريق المرابط والصوفي ، وسترى أن معظم إنتشار الاسلام في العالم كان على يد هؤلاء المخلصين ولم يكن بحروب ولا غير ذلك ، ونحن نظلم التاريخ الاسلامي عندما نقول كان تاريخ دماء وكراهية لآل اللبيت وتاريخ سب وشتم .

* هل تعتقد أن للمستشرقين دور في تشويه صورة تاريخنا المشرق ؟
- بالتأكيد .

* لكن أستاذي الكريم : كيف يميز القارئ الغث من السمين من روايات التاريخ ، وقد شابها الشيء الكثير .. ولعليّ هنا استطيع القول بأنني أعرف أن أميز لكن القارئ العادي لا يستطيع التمييز ... فماذا تنصح قارئ التاريخ : كيف يقرأ التاريخ ؟ وما هي المصارد الموثوقة ؟
- نعم هناك العديد من المصادر التاريخية مثل خليفة بن خياط ، ولكن من أوثق المصادر تاريخ الطبري ، وتاريخ ابن خلدون ، والكامل في التاريخ لابن الاثير ، وكتب الطبقات ، وهنا استثني بعض كتب الأدب كالأغاني لأبي الفرج الاصفهاني ، والعقد الفريد لابن عبد ربه ، وهي كتب مستأجرة لأنَّ بعضهم كان أجيراً عند البويهيين الشيعة واستأجروه لسب الراشدين وبني أمية ، لكن حتى المسعودي مع انه له ميولاً شيعية ، إلا أنه أثنى كثيراً على معاوية وعلى الدولة الأموية .

* ومن الكتاب المعاصرين ، هل تنصح القارىء بقراءة ما أنتجوا من نتاجات تاريخية ؟
- من المعاصرين كتاب محمود شاكر حوالي 12 مجلد ، وتعد موسوعة الدكتور احمد شلبي موسوعة جيدة ، وكذلك موسوعة حسن ابراهيم حسن جيدة ، وما كتبه الدكتور عماد الدين خليل جيد أيضاً ، وما كتبه الفقير الى الله عبد الحليم عويس نسال الله أن يكون جيداً كذلك .

* أنت لك علاقة مع بعض الكتاب والمشايخ الكبار الذين يُعدون مدارس فكرية ، وخدموا التاريخ والدعوة والفكر خدمة كبيرة ، كالشيخ محمد الغزالي كيف تقيم كتابه ( فقه السيرة ) مثلاً ؟
- ما كتبه الشيخ محمد الغزالي يعد من أحسن الكتب ، وإن كان بعضهم ينقده خصوصاً في  الأشياء العاطفية ... وكنت أنا والدكتور يوسف القرضاوي ننبهه عليها ، فيعتذر ويتراجع عنها لكن نقد أي كتاب لا يلغي الكتاب ... وبالمناسبة الدكتور البوطي كتب على خطاه أيضاً بنفس العنوان (( فقه السيرة )) وهو كتاب جيد ، عكس علم الرجل الذي ألفه وكتبه .

* فضيلة الدكتور ننتقل الآن إلى قراءة لبعض استنتاجاتك ... على سبيل المثال : تكلمت في أحد كتبك عن سقوط ثلاثين خلافة ودولة اسلامية شرقية .. ما هو القاسم المشترك في سقوط هذه الخلافات ؟
- التآكل الداخلي ، وحب الدنيا والصراعات ، يعني لو لم يظهر التآكل الداخلي في الدولة الاموية لما سقط مروان بن محمد ... كل الدول يأتي انهيارها على يد الانقسام الذاتي أو لأنها تبقى دائماً دولة هزيلة لا تحاول أن تمتد ، ومن لا يمتد ينكمش ويسقط .

*  كيف تنظر الى الخلافة العثمانية ؟
- من أكبر الخلافات أو الدول العظمى التي قدمت الكثير للحضارة الاسلامية إلا أنها أخطأت في أمرين أولهما : أنها ارادت فرض التتريك ولو انها نجحت في فرض اللغة العربية كاللغة اسلامية لأصبحت دولة عظمى يقيناً .

* دكتور عذراً على مقاطعتك .. يقول بعضهم إنَّ هذا اتهام لم يثبت ؟
- الدولة العثمانية فرضت التتريك حتى على نفسها ، وكونت نزعة طورانية .. أنا لا اقول انها فرضته على الاخرين لكن ابقت الانفصال ، حتى لو قالت للناس تعالوا لللغة التركية لا أحد يأتي .. بأي حق ؟ وما هي مقومات اللغة التركية ؟ لكن لو قالت تعالوا إلى لغة القرآن ، إلى لغة محمد صلى الله عليه وسلم ، كان الناس ليستجيبوا ولتصبح لغة عالمية توحد المسلمين .
والأمر الثاني : إنها فهمت التطور تطوراً عسكرياً وانتصاراً في المعارك ، ولم تفهم التطور تطوراً حضارياً ، تنشئ وسائل انتاج واقتصاد وإعلام ، تنشئ مطابع ، تنشئ جامعات ، وقد فوجئت أن أوربا في واد وهي في واد آخر ، وبدأت تنحني أمام أوربا ، وتجلس من أوربا التي كانت قبل ذلك تقهرها مجلس التلميذ .. كان الواجب أن يعرفوا أن التطور تطور في الفيزياء والكيمياء والرياضيات وفي الاختراعات ، كما كانت في الحضارة الاسلامية الاولى ، لكن هي اكتفت بهذا وجاء من علمائها من يمنع أن نتسلح حتى بأسلحة الغربيين ؛ لأنها أسلحة الكفار ، ولا يجوز ان نتسلح باسلحتهم !! ولا نلبس لباسهم في الحروب ؛ لانها ملابس الكفار !! وكتب هذا أبو الأعلى المودودي في كتابه (( نحن والحضارة الغربية )) .. هذه العقول الجامدة هي التي أودت بالخلافة العثمانية .. وأيضاً السياسة العامة هي كانت مزهواً بالانتصارات والامتدادات ، لكنها لم تفهم أن الحضارة تقوم على الاستقلال كما لم يفهمها حكام اليوم .

* حتى لا نطيل عليك بقي أن نتحدث مع حضرتك فيما يتعلق بالعراق ... سؤالنا هنا باختصار شديد : لماذا امريكا احتلت العراق ؟
- امريكا لو استطاعت ان تحتل دول الوطن العربي كلها لفعلت ، ومخادع من يقول لك إنَّ أمريكا والصهيونية سيقفان عند حدود ، ممكن تتغير الأساليب ؛ لأنَّ أمريكا تلقت في العراق صفعة ساخنة ، ودفعت كثيراً لم تكن تتصور انها ستدفعه .. لكن أمريكا عندها رغبة في انهاء الحروب الصليبية بالسيطرة على كل البلاد الاسلامية وهدم مكة وهدم المدينة ، هذا هدف ثابت للصهيونية وتبعتها أمريكا .. وقد قلت هذا في الصحف ، ولكن هم يمشون بالتدريج ، ويسعون بكل حالٍ إلى تدمير المجتمع العربي والإسلامي .

* يعني هل تريد أن تقول : لم يكن النفط أو حماية إسرائيل هما وراء احتلال العراق ؟
- لا ، أمريكا تحمي اسرائيل وتؤمنها وهي في واشنطن .. ولا يحتاج الأمر لكل هذا الذي كان ،  وهي تحكم كثيرا من الدول العربية بالتلفون ، وبالسيدة كونداليزا رايس يكفي هذا جداً ، إنما الأمر أكبر من ذلك .. امريكا لن تخرج بسهولة من العراق ستخرج بعد ان تترك خونة وعملاء كما تركت في افغانستان ؛ ليضمن لها كل حقوقها كأنه مواطن امريكي .

* دكتور في بعض القضايا المصيرية مثل توزيع الثروة النفطية والفدرالية وكتابة الدستور في العراق ؟ كيف تنظر الى هذه المسائل ؟ وهناك مساعي من قبل أطراف سياسية عديدة وكأنهم  يريدون أن يقسموا العراق إلى ثلاثة مناطق ؟
- كما قلت لك هذا جزء من التخطيط ، لكن هذا ما أقر بإرادة عراقية ، نعم ليس بإرادة عراقية ، إنه أقر من خونة العراق ، والخائن تتوقع منه كل شيء ... وكل من يقبل تقسيم العراق فهو خائن ، وبالعكس ربما يحمل جنسية امريكية خائن عراقي لحساب أمريكا وهذا سلوك طبيعي حتى تضمن  امريكا مصالحها وما يفعل سيفعل في بلاد اخرى كمصر والسعودية وغيرهما .

* إذا عرفنا كل هذه التصرفات الخطيرة على حاضر ومستقبل العراق ... أسألك هنا : كيف تنظر إلى مستقبل العراق ؟
- والله أنا لا أتشاءم إطلاقاً ، وأقول إنَّ هذا الذي يجري فقط يحتاج الى ظهور عدد من الرجال الأصلاء لإصلاحه ، عندما قام عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الايوبي كان الوضع أسوأ من هذا أو مثله ، وكان ملوك بعض الطوائف قد تعاونوا مع الصليبيين ضد إخوانهم لكن مع بداية القائد الصالح المصلح كل القلوب تتحرك نحوه ، وكل الاتجاهات تتجه إليه ، وعندها تسقط كل هذه المعادلات وأمريكا ليست فوق شأن الله ، فهي أيضاً تعاني كثيراً الآن .. حسبك أن تعلم أنَّ أمريكا مدينة للصين وحدها 230 مليار دولار ، ولليابان بأكثر من هذا ، وأمريكا صناعتها وإنتاجها أصبح بدرجة خامسة او سادسة في العالم ، وكما قال القرآن (( إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون )) ، وبالمناسبة في مقال عندنا منشور في مجلة التبيان بهذا العدد عن سقوط أمريكا ، وهي بقلم أخ من تركيا الاستاذ أورخان محمد علي .. فهناك كتب تبين بالأرقام أن أمريكا في طريقها إلى الافلاس الكامل وهي مفلسة لكنها تعيش كقاطع الطريق بالعضلات وبالقوة .

* دكتور ماذا تقول للقوى الوطنية التي تسعى إلى تحرير العراق من الاحتلال ؟
- أقول لهم جميعاً ، وخاصة هيئة علماء المسلمين : ثبتكم الله وأنتم في هذا الامتحان الصعب ، وأقول لهم أيضاً : إن استطعتم أن تفعلوا شيئاً في درء فتنة التمزيق بين السنة والشيعة ، والوصول الى قدر مشترك من الثوابت سيكون في هذا مفتاح الفرج ، ولاسيما أن السنة والشيعة معاً كلاهما يدفع ثمناً باهضاً لهذا الخلاف وتستفيد منه أمريكا ... ومن الخيانة الآن مهما اختلفنا مع اخواننا الشيعة علينا أن نلتزم بالحكمة والصبر ، وأيضاً أن يظهر فينا من يكونوا قادرين أن يدفعوا عن الأمة هذه النار الشديدة ، التي لو استعرت ستلتهم الجميع ، وأيضاً أقول لهم : اثبتوا ، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ، ولا يخدعنكم هؤلاء الخونة العملاء الذين يحكمون العراق لصالح أمريكا ، وأنتم تعرفونهم ... والله معكم ولن يتركم أعمالكم .

* جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم .
- حياكم الله ، شكراً لكم .


حاوره : حسين الدليمي

يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل

أضف تعليق