حرب العراق.. بين افتتاحيتين
"الحرب ستكلف ثمنا في الأرواح, وإدارة بوش كان يمكنها أن تقوم بعمل أفضل لتحضير البلد ليستفيق على هذه الحقيقة, لكنها ستكسب وبشكل حاسم".
هكذا كانت افتتاحية نيويورك تايمز في 28 مارس/آذار 2003 بقلم مايكل أوهانلون, بعد ثمانية أيام فقط من غزو العراق.
بعد أربع سنوات وأربعة أشهر تقريبا تشرح نيويورك تايمز للإدارة "طريق العودة" في افتتاحية يوم السبت وصفت الحرب بكارثة تركت بلدا ممزقا وغير مستقر, وقالت –على طريقة نقد الذات- إنها دافعت عن عدم جدولة الانسحاب أملا في أن يحقق بوش وعوده في عراق موحد ومستقر, لكنها الآن تقول إن الخروج يجب أن يكون كل شيء لم يكنه الاجتياح, أي خروج "مبني على الواقعية, وتدعمه الوسائل اللازمة".
بل إن الصحيفة تقترح كيفية تحقيق انسحاب أكثر سرعة وأمنا باستعمال القواعد والموانئ في تركيا مثلا, لأن "الاحتفاظ بالجنود في العراق لن يزيد الأمور إلا سوءا", و"مهما كانت القضية التي حملها بوش فإنها قضية خاسرة".
بون شاسع
بين الافتتاحيتين بوْن شاسع, ونيويورك تايمز في هذه الحال إحدى صحف أميركية عديدة غيرت رأيها بعد أن تبين أن أهم مبررين سيقا للحرب –أسلحة الدمار الشامل والقاعدة- لا أساس لهما من الصحة.
الافتتاحية رغبة مؤسسة في مراجعة جديتها بعد أن استطاعت الإدارة الأميركية أن تسوّق لها في وقت ما مبررات الحرب بلغة مبنية على الآمال لا الوقائع لكسب تأييد الليبراليين –وبينهم كثير في نيويورك تايمز- والديمقراطيين بالتركيز على فكرة نشر الديمقراطية وتغيير الشرق الأوسط إيجابيا, كما يقول شبلي تلحمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميريلاند, حتى إن لم تكن الصحيفة تؤمن بقضية أسلحة الدمار الشامل.
وقال تلحمي للجزيرة نت إن تغير المواقف مبني على واقع فرض نفسه, لتبدأ الصحيفة الأميركية في اتخاذ موقف خاص بها, ومراجعة تغطية مرحلة ما قبل الحرب, ومرحلة الحرب ذاتها خاصة من مراسليها كجودي ميلر, فهي وإن كانت حينها تتردد ولا تأخذ بكل ما تقوله الإدارة لم تكن كما يجب في تناولها مثلا موضوع القاعدة في العراق قبل الاجتياح.
أجواء الانتخابات
ويلاحظ تلحمي أن نبرة افتتاحيات نيويورك تايمز تأتي في جو التحضير للانتخابات, وفي وقت تشير فيه الاستطلاعات إلى أن غالبية الأميركيين تفضل الانسحاب, وسط غضب من قواعد الديمقراطيين على قياداتهم لأنها لا تفعل ما فيه الكفاية لوقف الحرب, كما يشير إليه تهديد سيندي شيهان بمنافسة نانسي بيلوسي على مقعدها في مجلس النواب, بل والانقلاب الحاصل في المعسكر الجمهوري المؤيد للحرب كما تدل عليه مواقف السيناتور ريتشارد لوغار الأخيرة.
ويقول مدير مركز دراسات الجنوب في الجامعة الأميركية الدكتور كلوفيس مقصود إن خطاب نيويورك تايمز يأتي في إطار إدراك زيف الدوافع التي سيقت تبريرا للحرب، وهو إدراك انتهى بالتخلي عن عدد كبير من المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية وتعويضهم بـ"مهنيين".
وبهذا المعنى -يقول مقصود- تعبر الافتتاحية عن مزاج قطاع ليبرالي بدأ يتحالف مع قطاع الوسطيين الذين كان نصفهم في البداية يرفض خوض النقاش بدعوى أنه لا يفهم في الحرب, قائلا إنه يضع ثقته في الإدارة الأميركية.
ويلاحظ مقصود أن الأميركيين يتأثرون بالخسائر لكنهم مستعدون لتأييد حرب شرعية, فحرب فيتنام كانت شرعية بالنسبة لهم لأنها كانت تندرج في إطار حرب باردة, لكن الخسائر المتزايدة جعلتهم يتمردون عليها, عكس الحال في العراق, حيث الخسائر أقل نسبيا, لكن المعارضة للحرب قائمة بسبب الدوافع التي سيقت لخوضها.
غير أن مقصود يشير أيضا إلى أن الافتتاحية قد تكون مجاراة لموقف رأي عام لا تريد الصحيفة استعداءه, لتبقى الصحيفة الليبرالية الأولى, أو تريد بلورته إذا اقتنعت به, لكنها أيضا "فرملة" لتوقعات غير واقعية من قبيل المطالبة بانسحاب فوري, وهو انسحاب أدخلته الصحيفة في تحليلها –انسحاب منظم كما وصفته- مع رفضه إذا أدى إلى فوضى إضافية واعتماد أساس المرحلية, مع تسريع هذه المرحلية في الوقت نفسه.
مركز الاخبار ..جار القمر
حرب العراق.. بين افتتاحيتين
