عجيب أمر برشلونة ، وهذه المسابقة الدولية لعجائب الدنيا الجديدة...!
عجيب أمر البرتغال ...!
عجيب أمر أوروبا والعالم بأسره ...!
وعجيب أكثر.. أمر الناس في هذا العالم ...!
كيف بمقدور تسعين مليون إنسان أن لا يستحضروا العراق ، وهم يصوتون على العجائب الجديدة في العالم الراهن ...؟
فلماذا يتم نسيان العراق هكذا دون سابق إنذار ، مع أنَّ العراق لا يمكن لأية جهة في العالم أن تتجاوز ذكره أو نسيان مأثرته اليومية في الفعل والسلوك ، لكون العراق هو الإنذار السابق وهو السابق للإنذار في عموم الخارطة الإنسانية لمواقع العالم حضاريا وتاريخيا وهذه اللحظة ، وهو أعجب العجائب تحت جميع الظروف وكل الأحوال ...؟
لقد كان العراق العريق ، معبد حصاد العرق النبيل في صناعة الأوطان الأولى وبناء الإنسان الأول ، وكان مخزن الغلة التي لم تشح ولم تفقد خواصها في التنمية والنشاط ، مهما تكالبت المصاعب والمصائب ، ومهما تكاثرت على وجوده التاريخي حملات الغزو والاحتلال ، والعراق بذلك من أعجب عجائب الأسماء والعناوين والأختام ، فلقد ظل عصيا على الانكسار والدمار والغياب ، وحروفه البدء كانت الدليل على مدوناته في أنَّ الإنسان مخلوق حرُّ وعطاء ثرُّ ، ولا يصحُّ أن يُوضع في قفص الهمجيين ، متكور التفكير- قليل المفرّ.
والعراق موطن العجلة الأولى الدالّة على الحركة والتطور والتقدم في تاريخ البشرية ، وفي أيام كان الحراك البشري فيها جاثما بين فصول الأرض وتضاريسها ، وهو منبت القوانين التي شرعها العقل الإنساني في ضبط السلوكيات العامة باتجاه الخير والمحبة والعيش المتواصل ضمن سور الأمن الاجتماعي والسكينة الخلاقة ، والعراق بذلك تاريخيا من أعجب العجائب في دنيا العالم القديم ، في جنانه المعلقة وشرائعه المدونة وحضارته التي أنارت شوط العابرين من الظلمات إلى الأنوار ، عبورا سلسا ليس فيه حقد ولا تحاقد ولا طائفية ولا ميليشيات عابثة بالحياة العامة ، ولا أحزاب انتهازية انفصالية ، ولا مسؤولون فاسدون ولا موظفون حكوميون مرتشون ، ولا بلاد معروضة للبيع بالجملة والمفرد أو بالنقد والتقسيط .
لقد كان العراق قيثارة التعب الصحيح الأبيض ، فحاز احترام الأعداء قبل الأصدقاء وكسب وثاق العهد والوعد ، فكان النهران دجلة والفرات دما ولحما في مسير الشهداء الأنبياء من أور الناصرية إلى تلعة نينوى ، ومن مقامات الخضر البهي إلى مسارب الجيش الفاتح ناحية يرموك الشام ، شهادة دونها القادة المحترمون عن العراق الذي بقيت ساعته الثقافية والعلمية أعجب العجائب الممسكة بتلابيب الزمن ، وشهد لها شارلمان بالنظر والضبط والقياس ، وكانت بغداد أم الدنيا وسيدة الشوارع الضاجّة بالمذاهب والمواهب والذهب ، وكان العراق صولجان العرب وراية الإسلام وقبلة الموالي من فرس وعجم ، وبورصة الحرف والكلمة والفكرة والقصيدة ، التي فاقت أرصدتها كل خزانات الأمم والممالك والولايات ، فكان العراق أب العجب وبغداد أم العجب حتى لمن لا يعجبه العجب ...!
ولم يضمحل العراق حين دخلت بصرته الفيحاء المرتزقة من جيش الهنود – ذيول التاج البريطاني ، بل لم يترنح العراق حين أكمل أبو ناجي احتلاله للبلاد في غفلة من معاكسات الزمن ، حتى قامت ثورة العشرين بزعامة كبراء الأمة وشيوخها الأعلام ، ليتمرغ بعد ذلك صريعا بمقتله الحاكم البريطاني ليجمان بضربة المجد الوطني من لدن المجاهد الأول الشيخ الضاري ، فكان العراق في إرث النضال من أعجب عجائب الدنيا ، فيه جسر الشهداء ونصبّ الجندي المجهول وقصائد السياب ، واندحر الظلام بنور الوحدة والاستقلال ، وانتشرت في الساحات إحتفاليات التمرهندي ولوزينة المحبة ، وتناثرت على ضفاف الشطّ في بغداد قناديل الفخار وزوارق النجاة ، وصار العراق من أعجب عجائب الأحوال والأفعال والخيالات ...!
ثم توالت الصعاب على العراق دون أن ينثني عضده أو يتضعضع له عود ، وما تلبث أن تغيم الدنيا عجبا على العراقيين حتى يحصل لهم ما هو أعجب عند انقشاع الغيوم بخيوط ذهبية جديدة ، وتخاصم بعض العراقيين بينهم لكن ذلك قوّى ثباتهم على التوحّد وحلّ المشكلات ، ووقعت الحرب الضروس مع إيران ونجح العراقيون في المحكّ والمشاهد والوقائع ، حتى بدا العراق أعجوبة الزمان والمكان والفعل والإنسان ، فحضر العرب إلى محفله ملوكا ورؤساء وشعراء ، فكانت الدنيا بأسرها وكان العراق أمثل أعجوبة فيها ....!
فلم يدم الحال هكذا في العراق ، وقد تغلغلت شياطين الكوارث لِتُحدث شرخا مأساويا في نفوس العراقيين ، فكانت محنة العراقيين في الكويت وحرب الخليج الثانية ، وما تبعها من حصار مرير على شعب أتعبته الدنيا والسياسات الدولية غير العادلة ، ليكون العراق من أعجب عجائب القرن الحادي والعشرين ، وهو يشهد بداية مرحلة فصل الجحيم الجديد – جحيم أمريكا الإمبريالية اللاهثة بقواتها ومرتزقتها لتحتل العراق وتدخل إلى شوارع مدنه الحزينة في رحلة من المتاهة الأسطورية العجيبة ، حيث بكت بغداد وبكت عليها أعين الأحباب ...!
لقد تحول العراق بعد الاحتلال الأمريكي الغاشم ، ليكون المنجم الأكثر دهشة في صنع العجب والعجائب وأنواع المفارقات المأساوية ، بل أصبح العراق إكسير ذلك كله دون منافس على الإطلاق :
- عجائب في ينابيع الدماء المتفجرة من القلوب والحناجر ...!
- عجائب في إشتعالات المدن وصراعات الطوائف ...!
- عجائب في انحسار الحياة والصحة والسلامة عن ميادين المدارس والمستشفيات والسابلة ...!
- عجائب في تحوّل الحدائق الخضراء إلى مقابر جديدة وشواهد عن شهداء من مختلف الأعمار...!
- عجائب في سرقة المال العام وإستقواء الفاسدين في الدوائر العامة تحت الحَصانات الحزبية والفئوية ...!
- عجائب في احتراق الديموغرافية الاجتماعية بالصراعات السياسية بالهجرة والتهجير والمهاجرين دون بيوت ولا مأوى ...!
- عجائب في مغالطات العقل السياسي والخطاب الجاحد الذي يعدَّ المقاومة المشروعة للمحتل إرهابا ويحكم عليها بالرفض وعدم التجويز...!
- عجائب في رهن ميراث العراق النفطي بإرادة الغزاة والسراق الطارئين حاضرا ومستقبلا ...!
- عجائب في أنَّ العراق قد خلع حاضنته في العروبة والإسلام ، ليتوشح بجلباب الديمقراطية الشبح المجلوبة على وقع بساطيل الغزاة .
- عجائب وعجائب أخرى أكثر ، صنعتها أمريكا الإمبريالية في العراق ، ليصبح العراق بحق أعجب العجائب الجديدة في العالم المعاصر ، أوفي عالم اليوم المتحضر، ولسنا ندري في الحقيقة ، لماذا تجاهل المصوتون في العالم وجه العراق الداخن وأوجاعه السوريالية اليومية بفعل الاحتلال الأمريكي الظالم ...؟ بوصف العراق أعجب الأعاجيب والعجائب والعجب...! نقطة
وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
العراق : أعجب العجائب الجديدة في العالم المعاصر .!-د . فهمي الفهداوي
