هيئة علماء المسلمين في العراق

لو كانوا كلهم سوداً -جهاد الخازن
لو كانوا كلهم سوداً -جهاد الخازن لو كانوا كلهم سوداً -جهاد الخازن

لو كانوا كلهم سوداً -جهاد الخازن

من هو أسوأ مجلس تشريعي منتخب في العالم كله؟ يفترض ان نفكر في برلمانات من نوع الموجود في كوريا الشمالية أو زيمبابوي. غير انني فكرت أيضاً في مجلسي الكونغرس الأميركي، وما منعني من إدراجه ضمن برلمانات العالم العاشر هو قلة من الشيوخ والنواب أجدها من أرقى مستوى معرفةً وأخلاقاً، ومعها «مجموعة السود» في مجلس النواب، فلو ان المشترعين الأميركيين كانوا كلهم سوداً، لما كانت للعرب والمسلمين مشكلة واحدة مع الولايات المتحدة.

لن أغفر للكونغرس أبداً ضلوعه مع إسرائيل في تدمير لبنان الصيف الماضي، عندما صوّت مجلس الشيوخ بالإجماع تأييداً لإسرائيل، وصوّت مجلس النواب بغالبية 410 مقابل ثمانية. لست هنا لأدافع عن حزب الله، أو العملية التي انتهت بخطف جنديين إسرائيليين، وإنما لأسجل ان هناك 11 ألف أسير ومعتقل ومخطوف فلسطيني في سجون إسرائيل، لم يحركوا ضمير الكونغرس.

هنا يكمن الفارق الأساس بين برلمان زيمبابوي والكونغرس، فأذى روبرت موغابي ونوابه هو على أهل بلدهم وحده، أما أذى الكونغرس فيلف العالم، ويؤذي الناس، خصوصاً إذا كانوا من العرب والمسلمين، في زوايا العالم الأربع.

أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب يؤذون الولايات المتحدة أيضاً، فهم باعوا أرواحهم لشيطان اللوبي اليهودي، ويقدمون مصلحة إسرائيل على كل مصلحة أميركية، لذلك تحولت الولايات المتحدة تدريجاً من نصير الشعوب وبطلة الحرية حول العالم إلى خطر أكبر على السلام ( مع إسرائيل) من كوريا الشمالية وإيران، كما قال استطلاع مشهور للرأي العام في أوروبا، لا أي بلد إسلامي.

وإذا كنت أطالب، كعربي، بعدم امتلاك إيران أسلحة نووية حتى لا يزيد تهديدها لدول الخليج، فإنني لا أفهم ان يطالب أميركي بما أطالب، وأن يصل إلى درجة التهديد بحرب، فإيران لا يمكن ان تهدد يوماً أمن الولايات المتحدة كما تهدد أمن الخليج، والموقف الأميركي منها بالتالي هو موقف إسرائيلي خالص، فأعضاء الكونغرس مستعدون للتضحية مرةً أخرى بأرواح شباب أميركا في سبيل أمن إسرائيل بعد ان اشتراهم اللوبي اليهودي بثلاثين من الفضة.

الكونغرس أصدر أخيراً قراراً يمنع «المساعدات» عن المملكة العربية السعودية، وهذه لا تحتاج من واشنطن إلا ان تكف شرها عنّا ما لا أحتاج معه إلى تعليق. وهو أصدر أيضاً قراراً يطلب من الأمم المتحدة اتهام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بإبادة الجنس بسبب تصريحه عن إزالة إسرائيل من الخريطة.

أولاً، أحمدي نجاد لم يدع شخصياً إلى إزالة إسرائيل، وإنما نقل من كلام آية الله خميني.

ثانياً، هو لم يدع إلى إزالة إسرائيل أبداً، وإنما قال ان النظام الحالي في إسرائيل «سيمسح من صفحة الزمان» بحسب ترجمة البروفسور خوان كول، وهو خبير في الشرق الأوسط، ويتكلم الفارسية.

ثالثاً، أحمدي نجاد قال ولم يفعل، وهو لم يتسبب في قتل مليون عراقي، فهذه إبادة جنس، والناس تُحاسب على أفعالها لا أقوالها.

رابعاً، الولايات المتحدة لا تزال البلد الوحيد في العالم الذي استعمل القنبلة الذرية ضد أهداف مدنية، وهي آخر من يستطيع ان يدين إيران أو غيرها.

إذا لم يكن المستهدف إيران، فهو قد يكون مجموعة دول، والكونغرس أصدر في 20 حزيران (يونيو) قراراً يهدد الدول المنتجة للغاز الطبيعي. والقرار يبدأ بحيثيات منها ان أسعار الغاز الطبيعي زادت ثلاثة أضعاف منذ سنة 2000، وان الغاز يستعمل في الكيماويات والبلاستيك والمركّبات التي تستخدم في الأغراض العسكرية والتجارية، وهي جزء من صناعة الدفاع الأميركية، وان إمدادات الغاز تسيطر عليها إيران وروسيا وفنزويلا وبوليفيا والجزائر وقطر، وان هذه الدول شكلت منظمة للتعاون وتنسيق سياساتها الخاصة بالغاز الطبيعي.

الحيثيات كثيرة، والقرار يخصص منها إلى تهديد الدول المنتجة من السيطرة على الأسعار، ويدعو الإدارة الأميركية إلى تجنب الأخطار على الأمن الأميركي بتقليل الاعتماد على الغاز.

طبعاً السعر لا تحدده منظمة وإنما قانون العرض والطلب الذي يرفع الأميركيون لواءه، وأوبك عرفت سعر النفط وهو ثلاثة دولارات للبرميل أو أقل، وارتفع إلى 15 دولاراً في سنتين (1973 – 1975)، ثم ارتفع إلى 20 دولاراً سنة 1979 – 1980 وبلغ 40 دولاراً للبرميل قبل ان يهبط إلى ستة دولارات في الثمانينات، وهو الآن بين 60 دولاراً و70 دولاراً للبرميل، فالسوق هي التي تحدد سعر النفط، وأيضاً سعر القمح والذرة، ولا يمكن ان تطلب الولايات المتحدة سعراً منخفضاً لمادة ناضبة وهي لا تقبل ان تحدد لها سعر صادرات تتجدد كل سنة، ثم هناك الوقاحة بطلب خفض سعر الغاز لمساعدة التسلح الأميركي، التسلح لا الأمن.

كنت قلت في البداية ان مجلسي الكونغرس من أسوأ المجالس التشريعية في العالم، حتى انني شخصياً أفضل الكنيست عليهما، ففي هذا نسبة عالية من المعتدلين الوسطيين الذين يريدون السلام. غير انني قلت أيضاً ان الكونغرس يضم بعض الأعضاء الذين يجمعون بين الأخلاق والإنسانية، وأريد ان اختتم بواحد من هؤلاء هو النائب رون بول الذي عارض الحرب على العراق منذ البداية، وهو مرشح الآن للرئاسة عن الحزب الجمهوري وشارك في المناظرات التلفزيونية الثلاث للمرشحين الجمهوريين.

رون بول أثار عليه الحزب الجمهوري وكل المتطرفين عندما قال في المناظرة الثانية ان السياسة الخارجية الأميركية سبب رئيس لإرهاب 11/9/2001 «هم هاجمونا لأننا هناك، لأننا نقصف العراق منذ عشر سنوات ... نحن نبني في العراق سفارة أكبر من الفاتيكان و14 قاعدة دائمة. ماذا سنقول هنا لو ان الصين دخلت بلادنا أو خليج المكسيك؟ طبعاً سنعترض».

النائب من تكساس قال الحقيقة التي يمنع اللوبي اليهودي أعضاء الكونغرس من التصريح بها، وقد ثار أنصار الحزب والحمقى والمرتشون في الكونغرس على رون بول وطالبوه بسحب تصريحه والاعتذار ولم يفعل، والنتيجة ان المدونات (بلوغز) البعيدة عن نفوذ اللوبي منحته أكبر نسبة من الشعبية بين جميع المرشحين، كما قالت «واشنطن بوست» في تحقيق ظريف في 16 حزيران.

الكونغرس الأميركي لا يعرف الحقيقة، أو لا يريد أن يعرفها، ولو كان ضرره على الذين انتخبوه وحدهم لما شكوت.

الحياة
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق