هيئة علماء المسلمين في العراق

هل تصبح أفغانستان مقبرة للأفغان؟ -فهمي هويدي
هل تصبح أفغانستان مقبرة للأفغان؟ -فهمي هويدي هل تصبح أفغانستان مقبرة للأفغان؟ -فهمي هويدي

هل تصبح أفغانستان مقبرة للأفغان؟ -فهمي هويدي

يبدو أن أفغانستان سقطت من الوعي العربي والاسلامى، إذ تحولت من «قبلة» للجهاد ومقبرة للغزاة الروس جذبت الآلاف من المسلمين الغيورين، إلى مقبرة للأفغان أنفسهم، وأدار جميع المسلمين لها ظهورهم، في حين انفردت بها قوات حلف الأطلسي (ناتو) التي راحت تفتك بأهلها وتعربد في طول البلاد وعرضها. في بداية هذا الاسبوع شنت طائرات الحلف غارات على بلدة حيدرأباد في ولاية هلمند جنوب أفغانستان، بدعوى ملاحقة عناصر طالبان أدت إلى مقتل 120 مدنيا، وفي رواية أخرى 170، واعترفت قيادة قوات الحلف بما جرى، ولكنها حملت عناصر حركة طالبان المسؤولية، واتهمتهم بأنهم يختبئون في المناطق السكنية بعد القيام بعملياتهم، الأمر الذي يضطر تلك القوات الى ملاحقتهم في خطاهم، مما يؤدي الى وقوع أمثال تلك الحوادث، وفيما نقلته وكالات الانباء فإن متحدثا باسم قوات الحلف، أعرب عن أسفه لما جرى، وبهذا الأسف أبرأ الغزاة الجدد ذمتهم وغسلوا أيديهم وطووا صفحة الجريمة التي أغرقت حيدر أباد في الدماء والدموع.

وبطبيعة الحال فليست هذه هي المرة الأولى التي تقصف فيها طائرات الناتو قرى الأفغان، وهي تلاحق عناصر حركة طالبان، فلا يكاد يمر أسبوع إلا وتتكرر المأساة في إحدى الولايات، الأمر الذي أحرج الرئيس الأفغاني حميد كرزاي فخرج عن صمته، واضطر إلى توجيه انتقادات شديدة لقوات الحلف. فاتهمها في الأسبوع الماضي باستخدام «القوة المفرطة». وقال «إن مقتل مدنيين في عمليات عشوائية أمر لا يمكن تحمله»، وهو التصريح الذي دأب على ترديده بعد كل جريمة تقع وتؤدي إلى مقتل العشرات من الأفغان البؤساء.

في الأسبوع نفسه الذي وقعت فيه مذبحة حيدرأباد شهدت روما (يوم الاثنين الماضي) مؤتمرا دوليا حول «القضاء ودولة القانون في أفغانستان»، حضره الرئيس كرزاي والأمينان العامان للأمم المتحدة وحلف الأطلسي، إضافة إلى عشرين وفدا؛ بينهم ممثلون عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقالت متحدثة باسم المنظمة الراعية للمؤتمر أنه سيبحث قيام المجتمع الدولي بمساعدة القضاء الأفغاني، بعد وضع الدستور الجديد لأفغانستان.

تزامن الحدثين في أسبوع واحد يصور المفارقة في المشهد الأفغاني، إذ تدل القرائن على أنه أصبح منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 في عهدة الدول الغربية تحت القيادة الأمريكية، وأنه أخرج من الخارطة الإسلامية، سواء بإرادة غربية، أو بسبب الحرج الغربي الذي أصاب الدول الإسلامية بعد الذي وقع في نيويورك، وهو حرج اختلط بشعور نسبي بالذنب، دفع تلك الدول لان تحتفظ بأبعد مسافة ممكنة في الشأن الأفغاني، باستثناء دولتين فقط هما باكستان وإيران، فرضت عليهما ظروف الموقع الجغرافي أن يكونا لصيقين بالحدث الأفغاني، وإن اختلفت دوافعهما في ذلك.

لا تقف المفارقة عند ذلك الحد وإنما لها وجه آخر يتمثل في تركيز الاهتمام الغربي على ما يعتبرونه تحديثا لشكل المجتمع الأفغاني، ومحاولة نقل النموذج الغربي إليه، في الوقت الذي يسحق فيه المواطن الأفغاني وتهدر آدميته، بحيث لم يعد مهما كثيرا من وجهة النظر الغربية أن يقتل المئات من المدنيين الأبرياء، كما لا يهم أن يقيم المرتزقة الذين استجلبهم الأمريكيون للعمل هناك سجونا خاصة لتأديب «الإرهابيين»، يتعرضون فيها لأبشع أشكال التعذيب، إنما المهم أن يكون للبلد برلمان ودستور وأحزاب سياسية وقضاء. وأن تزدهر محلات الأشرطة الموسيقية، وتفتح دور السينما، وتنتعش مهنة تصفيف الشعر، ويراجع «الشادور» الذي ترتديه السيدات.. الخ.

طيلة خمس سنوات وقوات حلف الأطلسي تقاتل حركة طالبان في أفغانستان، وباسم الحرب العالمية العبثية ضد الإرهاب، فالإنجاز الذي حققته على الأرض حتى الآن أنها قهرت الشعب الأفغاني ودمرت قواه وقتلت أعدادا يتعذر حصرها من المدنيين، الأمر الذي عبّأ الناس ضدها وضاعف من كراهيتهم لوجودها، وهو ما ترجم في النهاية إلى زيادة نفوذ حركة طالبان وانخراط كثيرين في صفوفها، ليس تعاطفا مع الحركة بالضرورة، ولكن كراهية للغزاة الجدد وثأرا منهم.

ثمة تسريبات تتحدث عن خلاف بين أعضاء حلف الأطلسي حول الهدف الاستراتيجي للتدخل في أفغانستان، وهل المراد هو القضاء النهائي على حركة طالبان، أم إضعافها بما يضطرها إلى الانخراط في العملية السياسية، بما ييسر احتواءها وترويضها بمضي الوقت.

تفرع عن ذلك خلاف آخر حول آليات العمل وأولوياتها، وما إذا كان ينبغي على هذه الآليات أن تركز على عمليات إعادة الإعمار لكسب ود وثقة الشعب الأفغاني، وبالتالي الحد من قدرة طالبان على تجنيد الشباب والتحرك بحرية وسط الجماهير، أم أن المطلوب هو أن تترك هذه المهمة إلى منظمات المجتمع المدني، في حين تتفرغ قوات الناتو للمهام القتالية والأمنية.

في هذه الأجواء لا غرابة في تزايد الخلاف حول الإستراتيجية كلما اتسع نفوذ حركة طالبان وتقدمت عناصرها على مختلف الجهات، حيث بدا واضحا أنه برغم كل الضربات القوية التي وجهت ضدها ما زالت تتمتع بقوة عسكرية فعالة، كما أن نفوذها يتزايد بصورة مستمرة في مناطق كثيرة من أفغانستان، وبخاصة في مناطق القبائل. وفي تقرير نشرته صحيفة «الأهرام» المصرية أخيرا، نقلت عن صحيفة «لوموند» الفرنسية قولها إن التقدم القوي لحركة طالبان بعد خمس سنوات من سقوطها سياسيا أصبح يشكل فشلا ذريعا لقوات حلف شمال الأطلسي، إذ في ظل خلافات الناتو وتنامي نفوذ طالبان مجددا، فإن البلاد تعاني مشكلات أخرى؛ على رأسها وجود حكومة مركزية مصابة بالشلل وعاجزة عن حماية الدولة، بل إنها ذاتها ما زالت في حاجة إلى حماية، خصوصا أن نفوذها الحقيقي لا يكاد يتجاوز حدود العاصمة كابول، وهو ما أكدته دراسة أعدها مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية في واشنطن (صدرت في شهر فبراير (شباط) الماضي)، تحدثت عن أن حكومة كرزاي افتقدت التأييد الشعبي، نظرا لفشلها في تنفيذ وعودها للشعب الأفغاني. وتعزز هذه النتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تتجلى بوضوح في البنية التحتية التي تم تدميرها، وعدم وجود جيش أفغاني قوي، فضلا عما هو معروف في أفغانستان عن العداء الذي يصل إلى الكراهية التي يكنها الشعب الأفغاني للأجنبي الذي يغزو بلادهم. ولا ينسى في هذا الصدد أن المرة الوحيدة التي أبيد فيها جيش بريطاني عن آخره، وقعت على أرض أفغانستان في منتصف القرن التاسع عشر (عام 1842). وهي الواقعة التي ما زالت محفورة في كل الأذهان، من حيث أنها أصدق تعبير عن مدى غضب الأفغان واستعدادهم لصد أية محاولة من جانب

«الكفار» لغزو بلادهم.

هذا الموقف المسكوت عنه بالعداء للأجانب الغزاة ومن لف لفهم، أدى إلى تقويض الجهود المبذولة لبناء جيش أفغاني يمثل جميع القبائل لمواجهة طالبان، ويمهد الطريق لتحقيق هذا الهدف. كما ألقى هذا العداء بظلاله على الموقف من حكومة الرئيس كرزاي، ذلك أن سلطانها لم يتجاوز حدود العاصمة فحسب، وإنما لم يعد خافيا على أحد أنها فاقدة للاحترام والهيبة أيضا، ولذلك فان تحدي قرارات كرزاي أصبح أمرا عاديا، وهو ما تجلى في حالات عدة اصدر فيها قرارات بتعيين ولاة أو محافظين في بعض المناطق، ولكن الأهالي رفضوا قراراته تلك، وتمسكوا بالإبقاء على من صوتوا لصالحه واختاروه بأنفسهم. حدث ذلك مثلا في ولاية لوجر التي تبعد 25 كيلومترا عن العاصمة حيث عيِّن لها كرزاي حاكما من جانبه، ولكن الأهالي ثاروا ورفضوا استقبال الوالي الجديد وأصروا على بقاء الوالي الذي انتخبوه في موقعه، وكان لهم ما أرادوا، وهو ما تكرر في ولايات أخرى مثل بقلان وباكتيا.

ما أريد أن أخلص إليه أن أفغانستان بعدما تخلصت من عاصفة طالبان فإنها لم تنج من الأذى والقهر، وإنما ضربها إعصار قوات الناتو، وبعدما كانت حية في الإدراك العربي والإسلامي، فإنها سقطت من الذاكرة وتركت نهبا لغزاتها الجدد، وبعدما كانت الدراسات الأكاديمية تصفها بأنه بلاد الإسلام المحلق والمسلمين الأشداء الذين لا يقهرون، فإن صحفنا لم تعد تذكرها الآن إلا في خلال نشرات أخبار حلف الناتو، وفي ثنايا قصص الغارات التي تسحق البلاد والعباد بلا رحمة.

كلما طالعت أخبار أفغانستان تحت سلطان حلف الناتو، أشعر بأسى يتزايد حين أرى العرب والمسلمين جميعا يقفون موقف المتفرجين مما يجرى هناك، قانعين بتعبيرات الأسف التي تصدر عن ممثلي حلف الأطلسي كلما اشتد الفتك بالأفغان وتطايرت أشلاؤهم في الهواء، بعد تدمير بيوتهم وإشاعة الخراب في قراهم.

لا أعرف لمن أتوجه برجاء الالتفات إلى ما يجري في أفغانستان، وتذكّر أن بها شعبا قوامه 30 مليونا من المسلمين أحال حلف الناتو حياتهم جحيما. وشغل العالم الغربي بطلاء واجهات بلدهم من الخارج، لكي يصبح أجمل مقبرة ديمقراطية في قلب آسيا.

ترى هل يمكن أن يتسلم الرسالة أمين منظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو، ليحيلها بدوره إلى من يهمه الأمر من قيادات العالم الإسلامي.


الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق